سلام عليك أيها الزمن الجميل

20/06/2016 - 9:14:00

عاطف بشاي عاطف بشاي

بقلم : عاطف بشاي

الله يجازيك "ياصفاء حجازي" .. لقد حولت بقرار بث قناة "ماسبيرو زمان" "حزني العابر إلى إكتئاب مقيم .. وشجوني المترسبة إلى غضب مستعر .. واستدعائي ذكريات الماضي الجميل إلى حسرة وأسى ولوعة .. أعرف أني مريض بالحنين إلى الماضي .. حيث كان البشر غير البشر .. والدنيا غير الدنيا .. لذلك فإن الانسحاب إلى الماضي هو أجمل استمتاع مرض يلجأ إليه الإنسان المحبط غير القادر على التكيف مع النفس والواقع المعاش .. وأنا واحد من هؤلاء المرضى الذين يمارسون نوعاً من الحيل الدفاعية لمقاومة الاكتئاب بالتعايش مع الماضي .. لكن الذاكرة المتعبة والمتآكلة لم تكن قادرة في كل الأوقات على تحقيق ذلك التعايش .. فإذا "بصفاء حجازي" تنعشها وتبعثها من جديد صوتاً وصورة حية بعد أن كانت أطيافاً وأشباحاً ورؤى متقطعة وصوراً باهتة عابرة وغير راسخة .


أنت الآن أمام شاشة تنويرية تستضيف برامجها مفكرين وأدباء عمالقة .. "طه حسين" و "عباس العقاد" و "نجيب محفوظ" و "يوسف إدريس" و "صلاح عبد الصبور" و "عبد الرحمن الشرقاوي" وإعلاميون كبار يحاورونهم كما يحاورون فنانين رواداً مثل "يوسف وهبي" و "منيرة المهدية" و "يوسف شاهين" و "سعاد حسني" و "فاتن حمامة" و "عبد الوهاب" و "صلاح طاهر" .. هؤلاء الإعلاميون والإعلاميات مثل "حمدي قنديل" و "ليلى رستم" و "طارق حبيب" و "سلوى حجازي" و "أماني ناشد" يدركون جيداً رسالتهم الإعلامية .. محتواها وأهدافها وحدودها وتأثيرها على المتلقي .. ويتمتعون بأخلاق حميدة تمنعهم من التجاوز والتلاسن والتشابك اللفظي غير اللائق .. ودراما متميزة تعالج مشاكل الواقع الاجتماعي وتلقي الضوء على قضايا مجتمع يهفو إلى الرقي والتقدم دون إسفاف أو ابتذال .. الله يجازيك يا "صفاء" إن المقارنة صارخة والمفارقة مذهلة .. والمناظرة بين حالتين وعالمين ومناخين مهينة لنا ولعصرنا ..


إن الذي ولد عملاقاً في الستينيات من القرن الماضي صار قزماً شكلاً وموضوعاً .. الواجهة الجميلة البراقة والتي تشهد ببراعة التصميم لمهندس معماري عبقري صارت صورة تراثية لا وجود لها إلا في فيلم "سعاد حسني" الشهير "صغيرة على الحب" أيام إن كانت المدارس الإبتدائية والإعدادية تصطحب التلاميذ في رحلات سياحية إلى المبنى ليشيدوا في موضوعات التعبير بجماله ورونقه .. وشموخ وعظمة هذا الاختراع الحديث .. التليفزيون " الذي يبث إرساله الأول عام (1960) ويصبح مفخرة إنجازات ثورة يوليو المجيدة .. إنه يئن الآن من آثار تهدمات وأطلية قديمة كئيبة .. وتشوهات .. غارق في الأتربة التي تعلو نوافذ مهشمة وقذرة .. وكان محاطاً حتى وقت قريب ومنذ ثورة يناير بأسلاك شائكة وكأنه ثكنة عسكرية .. وفي الداخل مكتظ بحجرات كئيبة ومكاتب قبيحة متهالكة .. وروائح كريهة تسيطر على الطرقات منبعثة من دورات مياه تعاف النفس دخولها .. استديوهات تبكي وتنتحب من فقر الديكورات والمقاعد .. وضعف الإمكانيات .. تبث برامج هزيلة لا خيال فيها ولا ابتكارا .. ولم يعد الضيوف يرحبون بالظهور على شاشات القنوات المحلية .. ويفضلون أن تستضيفهم القنوات الخاصة المختلفة التي تحولت في الآونة الأخيرة إلى دكاكين مفروشة لبرامج التوك شو في سيرك كبير يغص بالمهرجين ولابسي المزيكة والمطبلين والمداحين والأبواق الجاهزة بالتبرير والتلوث والتزلف والمتسلقين وأصحاب الأجندات من كل لون .. والذين يستخدمون أصحاب القنوات وأصحاب الاتجاهات لتحقيق أهدافهم .. وأصبح من المعتاد أن ترى من يطلق على نفسه "خبيراً" إستراتيجياً .. أو محللاً أيديولوجياً .. أو - حنجورياً نخبوياً" يدلي برأيه في قضية مثارة .. ويخرج مهرولاً من البلاتوه ليدخل آخر وقد غير الكرافت والجاكت ليقول الرأي المعاكس في بلاتوه آخر .. ثم ثالث ورابع وهكذا دواليك .. ناهيك عن كوارث ومهازل البذاءات والشتائم والتشابك الجسدي حيث إعلامي بارز يلقي بالكوب في وجه إعلامي آخر وينقض عليه منهالاً عليه باللكمات حتى يطرحه أرضاً في مشهد مروع على الهواء ..


أما الدراما فحدث ولا حرج .. حيث تداهمنا مسلسلات رمضان كل عام بخليط زاعق ومختلف من شخصيات منحرفة وشاذة وسوقية ومتدنية تعج بالمجرمين والقوادين والساقطات والأفاقين والمدمنين والعاطلين .. والتي تنطق بالبذاءات وفاحش القول والسلوك بمباشرة وفجاجة دون حياء أو مواربة .


وليس هناك اختلاف يذكر بين المسلسلات من عام لآخر .. إن لم يكن تراجعاً ذميماً في المستوى الفكري وقيمة وأهمية مضمون الأعمال الدرامية وأهميتها .. فالملاحظة العامة أن جيل المؤلفين الشباب الذين يسيطرون سيطرة شبه كاملة على الخريطة الرمضانية في الأعوام الأخيرة ليست لديهم تصورات واضحة عن الواقع الاجتماعي والسياسي الذي نعيشه في فترة من أهم الفترات التي مرت بنا بأحداثها الجسام ذات التداعيات الخطيرة والتي تمخضت عن ثورتين قلبتا كل الموازين .. وأحداث مهولة ومؤثرة في كل شئ .. فالموضوعات قديمة ومستهلكة تغلب عليها الفجاجة والحوار الدرامي تسيطر عليه لغة جديدة فاحشة وقبيحة تغرق تقريباً كل المسلسلات..


الله يجازيك يا "صفاء" .. وسلام عليك .. وعلى الزمن الجميل ..