فن الإنشاد الدينى .. العشق الإلهى ومدح الرسول

20/06/2016 - 9:01:32

كتبت : د. رانيا يحيى

تهل علينا الأيام المباركة فى شهر رمضان الكريم ونحن فى اشتياق لروحانياته فهو شهر الصوم والعبادة والتقرب من الله عز وجل ،ورغم المشاعر الدينية والعبادات الإسلامية التى تتوغل فى نفوسنا إبان هذا الشهر نجد أيضاً الأبعاد الاجتماعية تتجلى بعظمة سماحة الإسلام فنصل الأرحام ونسهب فى فعل الخيرات تقرباً لله ،ومن ضمن ما يزداد الاهتمام به هو سماع الإنشاد الدينى كأحد الطقوس الروحية التى نهتم بها منذ نشأة الإسلام وذلك فى بعض الأماكن العامة والمقرات الثقافية حيث الابتهالات الدينية التى تصف العشق الإلهى وتمدح الرسول صلى الله عليه وسلم.


ولنعرف المراحل التاريخية للإنشاد الدينى فتؤكد كتب التراث الاسلامي أن بدايته مع بلال بن رباح مؤذن الرسول فى أول العصر الإسلامى ثم مرورًا بالعصور المختلفة ،ومضمون هذا الإنشاد الحب الإلهى والمدائح النبوية التى تصف روح الرسول صلى الله عليه وسلم وأخلاقه وتعاليمه وسيرته، وتمتد أحيانًا في وصف ومدح آله وأصحابه. وتُعد المدائح أو الأناشيد من أهم التعبيرات الوجدانية والروحانية بعد الأذان والتكبيرات.


تطور الإنشاد


وتعتبر أول صورة للإنشاد الدينى استقبال أهل المدينة المنورة لقدوم المهاجرين وفى مقدمتهم سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم حيث شدوا بطلع البدر علينا وبرفقة غنائهم مصاحبة إيقاعية على الدفوف، ثم تطور الإنشاد الدينى على أيدى مجموعة من الصحابة في عهد الرسول ثم مجموعة من التابعين، وكانت قصائد حسان بن ثابت شاعر الرسول هي الأساس للمنشدين ،وبعدها تغنَّوا بقصائد أخرى لشعراء آخرين كتبوا في موضوعات متنوعة مثل الدعوة إلى عبادة الله الواحد، التمسك بالقيم الإسلامية وأداء الفرائض من صلاة وزكاة، وحج إلى غير ذلك ممن يهم المسلمين ،وتطور الإنشاد عبر التاريخ فنجد فى عهد الأمويين أصبح الإنشاد فنًّا له أصول وضوابط وقواعد خاصة به، وحظى العديد من المنشدين فى عهدالدولة الأموية على شهرة واسعة الكثير من المنشدين الذين لم يكتفوا بفن الإنشاد وإنما قاموا أيضاً بتلحين القصائد الدينية وفى مقدمتهم المنشد إبراهيم بن المهدي وأخته عَليَّة، وأبو عيسى صالح، وعبد الله بن موسى الهادى، والمعتز وابنه عبد الله، وعبد الله بن محمد الأمين، وأبو عيسى بن المتوكل، وعبد الملك بن مروان، وغيرهم.


أشهر المنشدين


وكان لعبد الملك بن مروان دور فى تشجيع الموسيقيين ورجال الفن فى دمشق، وكذلك كان الخليفة الواثق يحب الغناء وتغني له كل من إسحاق وإبراهيم الموصلى، وهما من أشهر الموسيقيين في هذا العصر، وأيضاً اهتم عبد الرحمن بن الحكم بالموسيقى والغناء وذاع فى عهده صيت الفتى زرياب الذى تتلمذ على يد إسحق الموصلى، وغيرهم كثيرون ممن اشتهروا بغناء وتلحين القصائد الدينية والأناشيد واشتهر المنشدين بشكل مميز فى حلب على وجه الخصوص ..أما الدولة الفاطمية فكانت ولا تزال أول من أقامت الاحتفال بالمناسبات الدينية المختلفة ،منها رأس السنة الهجرية ،والاحتفال بالزينات والحلوى فى مولد المصطفى عليه الصلاة والسلام ،ومناسبات أخرى مثل أول رجب، وليلة الإسراء والمعراج، وليلة أول شعبان ونصفه، وغرة رمضان، والاحتفال كذلك بمولد أولياء الله الصالحين كمولد على بن أبى طالب وابنيه الحسن والحسين ،والسيدة زينب وهم من آل البيت ،كما شارك المسلمون أخواننا الأقباط الاحتفال بالمناسبات الدينية المسيحية مثل يوم النيروز (شم النسيم) وخميس العهد ويوم الغطاس كمشاركة ما بين المسلمين والمسيحيين فى المناسبات الدينية المختلفة كشركاء فى الوطن، وخلال هذه الفترة كانت الأناشيد الدينية عصب هذه الاحتفالات مما دفع المنشدين لتطويرها بشكل غير مسبوق فتطور فن الإنشاد الدينى نتيجة لاهتمام الدولة بهذه الاحتفالات الاجتماعية.


العصر العباسي


ورغم هذا التطور فى فن الإنشاد خلال العصر الفاطمى إلا أن بعض النقاد يرون أن الموسيقى العربية بفنونها المختلفة وليس فقط الإنشاد الدينى بلغت ذروة تألقها ومجدها في العصر العباسى وذلك من ناحيتى الأداء الغنائى وانتشار العلوم والبحوث والدراسات الموسيقية حيث كانت العاصمة العربية بغداد مركزاً حيوياً لإشعاعات النهضة الموسيقية بالنسبة للعرب حتى منتصف القرن التاسع الميلادى، وكان تطور الموسيقى العربية انعكاساً حقيقياً لحالة الرخاء الاقتصادى في الدولة الذى اقترن بها خلال عهود قوتها من ناحية، وبدعم الخلفاء غير المنقطع لها من ناحية أخرى وذلك منذ تأسيس الدولة العباسية على يد" أبو العباس السفاح الذى أحب غناء سلمك الفارسى، مرورًا بالخليفة المأمون الذى كان أشد المعجبين بنوع خاص من الغناء الإغريقى اليونانى، وهو كذلك من أمر بترجمة الأصول النظرية للموسيقى إلى العربية فشكل بذلك أساساً قوياً ومنهاجاً لتعلم العلوم الموسيقية النظرية ،أيضاً كان موسى الهادى ابنه عبد الله مغنيًا ويجيد العزف على العود، أما هارون الرشيد فقد أنفق ثروة كبيرة فى منح الجوائز للمغنين والملحنين، وكان الخليفة الواثق بالله حسب شهادة المؤرخ حماد بن إسحق الموصلى : بأنه أعلم الخلفاء بهذا الفن، وأنه كان مغنيًا بارعًا وعازفًا ماهرًا على العود وقد لقى الفن من التشجيع والكرم في بلاطه ما يجعل المرء يظن أنه تحول إلى معهد للموسيقى، بدلا من كونه مجلسًا لأمير المؤمنين.


العلوم الموسيقية


ونتيجة لهذا الاهتمام الكبير بالموسيقى ومجالس الطرب، نشأت العلوم الموسيقية فقام الكندى في كتابه رسالة فى خبر تأليف الألحان باستعمال الحروف والعلامات فى تدوين الألحان ، كذلك وضع العالم والفيلسوف المحنك الفارابى كثيرا من أفكاره فى كتاب الموسيقى الكبير ، أما كتاب الأغانى للأديب أبى فرج الأصفهانى فقد أهداه لسيف الدولة الحمدانى، وكتاب الأدوار لصفى الدين الحلى، ويقول عن هذا الكتاب الناقد كروسلى هولاند إنه الأساس لجميع ما تبعه من مؤلفات تتناول الجوانب العلمية في الموسيقى أو التلحين، وكذلك تطرق ابن سينا الطبيب المعروف في كتابه الشفاء لدور الموسيقى في العلاج وأنواع الموسيقى الملائمة لها. وبالتالى تطورت جميع أشكال الموسيقى والغناء ومن ضمنها الإنشاد الدينى.


وقد بنى الإنشاد فى بدايته على الترديد ثم الحوارات الغنائية بين المنشد الأصلى وبين مجموعة المنشدين من خلفه، وكان يتوسطهم فى الحلقة، ويختار المنشد مقطعاً من القصيدة أو جملة يجعلها محورًا تدور حولها كل الردود من السنيدة أو الكورال المرافق له فيرددونها وراءه ثم يعودون إليها بعد المنشد، وكانت الوصلة الأولى يختار المنشد لها مقامًا موسيقيًّا معينًا مثل مقامات الراست أو البياتى أو الحجاز وغيرها، ثم يبدأ المنشد الوصلة بإبراز مواهبه في الأداء، وبراعته في التنقل بين المقام الأصلى ومشتقاته، وقدرته على أداء الحليات والزخارف اللحنية، ثم يقوم المنشدون بعد ذلك بترديد المقطع أو الجملة المحورية التي بدأ بها القصيدة.


أصول وقواعد


وكان الإنشاد الدينى فى بداياته يُغنَّى بدون مصاحبة الآلات إلا في استخدام نقر المسبحة على كوب من الماء ليحدث رنينًا جذابًا. وبعد تطور الإنشاد كما ذكرنا فأصبح فناً له أصوله وقواعده، حيث يعتمد على الجمل اللحنية المبتكرة، وكذلك استخدام موتيفة موسيقية أو لزمة بجانب الإيقاعات التي تناسب روح القصيدة، فتكونت الفرق الموسيقية المصاحبة وكانت نعرف بالتخت ومكونه الأساسى العود والقانون والناى والكمان والإيقاع، وكان المنشد يتوسط المنصة وحوله الموسيقيون بشكل دائرى وخلفهم المنشدون. وانتقل الإنشاد من الارتجال والتطريب إلى التعبير والتأثير، فضلاً عن استحداث جمل موسيقية بمثابة لزمة مع وجود إيقاعات متنوعة وجمل حوارية بين الآلات بعضها وبعض وبين المنشدين، وبالتالى تكوَّنت فرق خاصة بأداء هذا اللون تسمى فرق الموسيقى العربية التى تتناول التراث الموسيقى والغنائى بأشكال وقوالب جديدة.


والخلاصة أن الإنشاد الدينى أحد الفنون الغنائية المحببة لكثيرين فى وطننا العربى وهو ليس وليد اليوم وإنما منذ عهد المصطفى صلى الله عليه وسلم وأخذ يتطور كغيره من الفنون تبعاً للتطور الطبيعى للأشياء، لكنه سيظل له مكانة خاصة فى نفوسنا لما فيه من روحانيات دينية فطرية محببة.