مشاهد بالغة الطرافة والإثارة عن مصر زمان .. زمان يامصر

20/06/2016 - 8:56:25

كتب - يحيي تادرس

اسمحوا لي أن أبدأ «مقالي» بـ.... نكتة - وأرجوا أن تعجبكم


سألوا المحكوم عليه بالإعدام:


عندك كلمة عايز تقولها قبل ما تتشنق


- آه عندي.. اللي ها يحصل دلوقتي تجربة عمري ما هانساها


... انتهت النكتة لتبدأ المقالة:


المشهد الأول


لأننا نخشاه - فإننا نسخر منه... الموت


.. ريا وسكينة وعدة أفلام لإسماعيل ياسين وعبدالفتاح القصرى أديا فيها دور الحانوتي... وكم ضحكنا ولازلنا نضحك رغم جرائم ريا وسكينة اللتين أدتا دورهما ببراعة «شادية - سهير البابلي وأحمد بدير وبالطبع عبدالمنعم مدبولي وباقي الأبطال....»


الحانوتي....


خلال أيام الحرب العالمية الثانية - ونتيجة لتكاثر عدد الوفيات الناتجة عن الغارات المتلاحقة - تصدر الحكومة مرسوما بتقسيم القاهرة إلي مناطق - لكل حانوتي منطقته الخاصة التي يختص بدفن موتاها


... إلي هذا والقرار يبدو منطقيا وعادلا


لكن الحانوتية يحتجون وبشدة ... لماذا؟


أولاً: لأن الغارات لا تشمل كل الأحياء وبهذا تختلف اعداد الوفيات مما يؤثر علي «أكل عيش» الحانوتية الذين سيضارون بلا شك خاصة في المناطق التي لا تطالها الغارات مثل الزمالك وجاردن سيتي وعابدين .


ثانياً: لأن هناك مناطق - معظم سكانها من الأجانب أو المسيحيين وهؤلاء لهم تقاليدهم وعاداتهم بل وحانوتيوهم الذين يؤدون دفن موتاهم طبقا لتلك التقاليد والعادات - والطقوس الدينية المرتبطة بهم...


والحل كل حانوتي يسعي لدفن الموتي ليبعد عن هذا التقسيم «الجائر» وكل حانوتي و«شطارته» في دفن الموتي وبالتالي لا يضار في «أكل عيشه»!


.....


المشهد الثاني


تعليق- عشت بعض فصوله مع والدتى «رحمها الله» ... في بني سويف - كانت مجموعة من السيدات الصديقات - يقمن بترتيب ما يسمي بيوم المقابلة - وهو يوم خاص بالسيدات فقط.


هذا اليوم موزع علي هؤلاء الصديقات - يقمن فيه باستضافة باقي اعضاء الشلة - ويتحررن فيه من قيود الحياة المغلقة في بيوتهن - هذا اليوم كان فرصة للفضفضة والتقاط الانفاس واستعراض الأزياء - والنميمة وتبادل آخر أخبار الفضائح و.... عقد العديد من الزيجات للبنات والأبناء فضلا عن استعراض مهاراتهن في (الطهي و.....).


كان يوما مميزاً للنساء.. ويمنع فيه الرجال بشكل حاسم ليس فقط من المشاركة ولكن من محاولات التجسس أو التلصص - إذ كانت المشاركات يتحررن فيه من قيود الملابس .. الخانقة!


وكنت أظن أن هذا التقليد مقصور علي مدينتي الأم - بني سويف - لكني اكتشفت أنه موجود في القاهرة حين انتقالنا إليها - وإلي العديد من المدن التي كان والدي ينتقل بينها بحكم عمله.


......


وبالطبع - وهذا اعتراف متأخر - كنت أحاول - بحكم الفضول - أن اكتشف بعض أسرار هذا اليوم الغريب.


...


هذا اليوم - لم يسلم من انتقاد بعض الصحفيين.


تعالوا نقرأ معا- ما كتبه الصحفي الكبير الراحل «فكري باشا أباظة».


ملحوظة: هذا المقال تم نشره في 12 يونيه 1925


ملحوظة 2 : نشر هذا المقال - ليس بتوقيعه ولكن بتوقيع «حرم توفيق فتح الله»


لكن أسلوب المقال يرجح أن يكون للكاتب الكبير


... انتشر ما يمسي بيوم المقابلة بين سيدات العائلات الكبيرة بحيث تخصص كل سيدة يوماً في الأسبوع تقابل فيه صديقاتها للثرثرة وتناول أسرار البيوت وإفساد الفتيات؟


....


وكم كان سيصبح ذلك جميلا لو كان في هذه المجتمعات جديد في سبيل إصلاح شأن المرأة أو حضا علي عمل خيري كمساعدة سيدة ذات «سبعين» أو إصلاح ذات البين بين أسرتين - ولكن ثرثرة فيما ورد لمحلات «شيكوريل» من البضائع «المودة» وما خاطته السيدة فردوس عند الخياطة الجديدة وما أهداه محمد بك إلي أمينة هانم من الحلي والجواهر بعد عودته إلي القاهرة وما تلاحظه منيرة هانم علي مدام توفيق بك وما وشت به نفيسة هانم إلي حرم «الوكيل»....


فلا يتولد من هذا إلا حقد بعض الزوجات علي أزواجهن لتقصيرهم في مساواتهن بغيرهن ممن يتمتعن بإسراف ازواجهن في كمالياتهن.


فوق ذلك فإن أسرار البيوت تكون منفضحة عند سائر الأزواج


...وأشد من هذا خطرا أن كثيرا من ابناء أصحاب تلك المقابلات ممن لا أخلاق لهم يرتقبون بفارغ الصبر فلا يخرجون ساعة الزيارة يستعرضون القادمات ومعهن بناتهن يختلون بهن فيحضونهن علي الفساد ويعلمونهن ما يسمونه «الغرام»!!


فيأيها الأزواج - لا تبيحوا لزوجاتكن الخروج بحجة القيام بهذا الواجب الخطر وإذا كانت لزوجاتكن صديقة فلتزرها في حياء .


.....


أما الجيران: فتلك وحدها كارثة إن لم تكن فضليات أو تمسكن ألسنتهن عن الثرثرة والفضائح التي تهدم البيوت.


ملحوظة 1


حاول فيلم «خلي بالك من جيرانك عادل إمام ولبلبة أن يعالج تلك المشكلة التي لا تزال تشعل الزوجات والبيوت والأزواج.. معاً».


...


ملحوظة 2


... ورغم هذا - بل بسبب هذه التفرقة بين الرجال والنساء - فقد نشرت مجلة الهلال في نفس التوقيت إعلانات زواج:


فتاة تجيد شئون الطهى والحياكة إلي جانب عزف البيانو ومبادئ القراءة والكتابة - مليئة القوام بيضاء من عائلة محافظة سنها 27 سنة تطلب الزواج من شاب أو أرمل لا تزيد سنه علي الأربعين....


والمخابرة عن طريق المجلة!


....


وفي عام 1924 كان المجتمع لايزال يعيش أصداء الزلزال الذي أحدثته جرائم «ريا وسكينة»


لكن الكارثة الكبري أن أحد أطباء الإنسان بحي باب الشعرية واسمه «فؤاد حلمي تقاوي» - استدرج إلي عيادته الست «أمينة حسن» وعاجلها بضربة قاضية علي رأسها ثم قام بخنقها وبعد أن لفظت أنفاسها استعان بمساعده «التمرجي» محمد نبيه في لف الجثة في الخيش ووضعها في صندوق وشحنه في قطار السكة الحديد إلي بني سويف «نفس المديرية التي ولدت بها الشقيقتين ريا وسكينة!»


....


وينكر الطبيب التهمة الفظيعة لكن التمرجي أدلي باعترافاته أمام مأمور قسم باب الشعرية «محمد بك عزيز» والضابط النشيط «حسين أفندي منصور» في حكمدارية القاهرة التي يرجع إليها الفضل في إظهار ما غمض من هذه الجناية والوصول إلي محل التاجر الذي اشتري منه الطبيب الخيش والصندوق.


وكما يحدث.. حتي الآن - فقد أثار نشر صور الضابطين - غيرة ضباط آخرين كان لهم ضلع في كشف أسرار الجريمة.


.... وها أنا أنشر اسماء هؤلاء الضباط حتي لا أقلل من مجهوداتهم في كشف الجريمة ولو بأثر رجعى «تسعون عاماً!»


- حضرة اليوزباشي محمد أفندي فهمي مصطفي مأمور الموسكي بالنيابة...


....


وقد لا يعرف أبناء هذا الجيل شيئا عن الترام إلا ما يشهدوه في الأفلام ومنها فيلم «حياة أو موت» عماد حمدي ومديحة يسري.


إلا أن حوادثه المتكررة ومنها ما وقع في الرابع من ديسمبر 1925 حادث تصادم مروع بين ترام وعربة حنطور وفي حين تهاجم الصحف شركة الترام البلجيكية بسبب جهل سائقيها إلا أن الشركة بدورها تتهم «سائقى» الحناطير بعدم الدراية وقلة الخبرة.


.... ولم يلتفت أحد إلي أبرز ضحايا الحادث... الحصان الذي كان يقود الحنطور ولا السائق الذي تحطمت اضلاعه...


....


ومصر تشكو الآن من مسلسل الحرائق التي تشتعل في ارجائها..


وتعالوا معي نقرأ أخبار حادث الحريق المروع في «شبين الكوم» ويبدأ الحريق بامرأة كانت تخبز في بيتها تحت «برج الحمام» وتنام السيدة من الإرهاق - ويحترق البرج ويطير الحمام المشتعل ويتساقط علي أسطح البيوت المغطاة بالقش والحطب أما ضحايا الحادث فكانت «480 بيتا والآلاف من بالات القطن وأصبح أربعة آلاف من السكان بلا مأوي.


....


وتهرع الأميرة أمينة هانم زوجة الخديو توفيق والتي اشتهرت بلقب «أم المحسنين» إلي مد يدها علي رأس العديد من أميرات ذلك العصر - بتوزيع ألف شوال من الحبوب علي المنكوبين عدا الإعانة المالية والخيام....»


... ولم تنتظر الأميرة - تدخل أو إعانات الحكومة - بل بادرت فور عملها بالمأساة بتسخير كل ثروتها لإغاثة الملهوفين.


...


عزيزي القارئ


... ما رأيك لو ابتعدنا عن جو المآسي والكوارث والجرائم ونقترب قليلا من مصر «الارستقراطية»....


للكاتب الفرنسي «ميشيل دي سان بير» رواية عنوانها «الارستقراطيون» وفي مقدمة كتابه المثير يشرح الكلمة ومعناها


فالارستقراطيون .. هم الطبقة الأحسن


ومهما كان رأينا - في توصيف هذه الطبقة - فإننا لا شك نرصد - باعتبار ما كان في مصر من تقسيم صارم للطبقات «عليا - متوسطة - دنيا» فقد كانوا يعتبرون أنفسهم - الطبقة العليا - الطبقة الأرقي والأحسن والأكثر تميزا...


كيف نشأت تلك الطبقة في مصر؟


... في هذا تختلف الآراء وليس هذا مجال البحث عن تلك الأسباب ولكن تلك الطبقة التي كان معظمها يتشكل من أصحاب الأطيان أو المناصب أو الثروات أو حتي الوظائف المتميزة - كان لها بالفعل تقاليدها «بدءا من ملبسها وحتي مسكنها وطرائق تعليمها - بل واللغة التي كانت تستخدمها وملابسها وسهراتها وزيجاتها....»


أما الملفت - أو كان ملفتا للنظر - فهو محاولات الطبقة الوسطى لتقليدهم في كل شيء ....


....


انتهت تلك المقدمة ونبدأ في الإطلال علي بعض أسرار الارستقراطية المصرية - باعتبار ما كان ..


في هذا المقال - سأجيب عن سؤال واحد:


كيف كان ابناء الطبقة الراقية يقضون أوقات فراغهم؟


- سباقات الخيل في صباح يومي السبت والأحد «كانت تقام في الجزيرة وهليوبليس «م. الجديدة»


بالنسبة للشباب كان حضور السينما من المتع المفضلة للأمسيات الشتوية وكانوا يتواعدون علي اللقاء في احداها يوميا «يوم الاثنين في رويال والثلاثاء في متروبوليس والاربعاء في تريوف والخميس في ديانا والجمعة في الكورسال».


أما اليومان الباقيان... فكانا ... للراحة!


...


ملحوظة «كان في داري السينما رويال وديانا ألواج خاصة «جمع لوج» للملك فاروق.. الذي كان يفاجئ الرواد بحضوره...»


...


وكانت حفلات الشاي والرقص في بعض الفنادق


- السبت والأربعاء في شبرد


- الثلاثاء والجمعة في سيراميس


- الأحد في ميناهاوس


تعقيب من عندي:


يالها من حياة شاقة!


أما النوادي الارستقراطية للآباء من الباشوات والأمهات من «الهوانم» فكانت


1- نادي محمد علي «النادي الدبلوماسي الآن»


2- نادي السيارات الملكي


3- الجزيرة الرياضي


4- نادي سبورتنج «الاسكندرية»


5- نادي الطيران الملكي


6- نادي الروتاري


7- نادي اليخت الملكي المصري


8- النادي الأهلي


9- نادي الشيش


......


وعن نادي محمد علي (M.A.clml) وتستطيع عزيزي القارئ أن تشهد «M.A.C» علي كل نوافذه المطلة علي شارع سليمان باشا «طلعت حرب»


.... عن هذا النادي يكتب أحد الصحفيين:


لا تقل رئاسة نادي محمد علي - إن لم تزد- في وضعها ومكانتها عن رئاسة الوزراء - إنها في الحقيقة الهدف الذي يتوق إليه أي «ارستقراطي» مهما كانت شهرته.


وفي هذا النادي تتشكل مجالس الوزراء - عادة من من أبناء الذوات وفي النادي المذكور تتقرر طريقة التحية:


وهل تكون بأطراف الأصابع بتسبيل رموش العين وكم سنتيمترا يمكن أن تنفرج عنها الشفاه عن تحية أمثالي «ممن هم مش قد المقام!»


وعن النادي الأهلي يكتب:


فى القاهرة يقع النادي الشهير «النادي الأهلي» الذي كان ولايزال أرقي من حيث الوسط والحيثية كان مؤسسه جماعة من كبار أعضاء الطبقة الارستقراطية المثقفة والفنية - ولجنته العليا مؤلفة من الوزراء وأمثالهم وفريق كرة القدم به - هو الأقوي بين كل الفرق المعروفة....»


...


ورغم هذا لم تكن ممارسة الكرة - تمثل إحدي رياضات الطبقة!


في عام 1937 يسرد كتاب Wols Wha - عن الهوايات والرياضات التي تزاولها نخبة الطبقة العليا ومنها:


- فنون الطيران، قيادة السيارات وسباقاتها.


- البلياردو


- الشيش وألعاب السلاح


- ركوب الخيل واليخوت


- السفر


...


وفي طبعة 1947 من نفس الكتاب:


Whoصs wha


يضاف إلي القائمة


- التجديف والبريدج


- صيد البر والبحر


- الكريكت وركوب الدراجات


- الجولف والتنس والسباحة.


- تنس الطاولة


ملحوظة:


كانت محاولة محمد صدقي الناجحة للطيران من برلين إلي الإسكندرية (من 14 ديسمبر إلي 26 يناير 1930) هي الأولي التي يقوم بها مصرى.


ولكن - هل تصمت السيدات عن نيل هذا الشرف؟


1933: تذكر الصحف أن شابة مصرية هي لطيفة النادي أحرزت المركز الأول في سباق طيران من القاهرة والإسكندرية والعودة إلي القاهرة.


و.. أعتقد - عزيزي القارئ - أنني قدمت وجبة متنوعة عن بعض ملامح المجتمع المصري.


.. وفي مقال قادم - إن شاء الله سأحكي عن حياة الليل في الطبقة العليا (الأرستقراطية في مصر).