عن التشاؤم الثقافي المواكب للثورات

19/06/2016 - 12:14:57

 سعد القرش سعد القرش

سعد القرش

    تشاءم جورج طرابيشي بما كان يسمى بالربيع العربي. الرجل الذي يعي تاريخ الثورات لا يغريه انهيار سريع لأنظمة مستبدة، وصعود موجات التفاؤل المجاني، واعتراف جيله بالتردد وعدم القدرة على الفعل، فأخلى طريقا إلى الشباب لقيادة عمليات الهدم اللازم لأي تغيير. مصدر التشاؤم أن الثورات فعل ثقافي واع، وما لم يسبقها تمهيد فكري واجتماعي ستؤدي إلى كوارث، ستطلق شرورا كامنة تتربص بالمستقبل والأوطان وبالثورة التي لن تصبح إلا غنيمة يصارع من شارك فيها ومن ادعى المشاركة إلى الاستئثار بها؛ فبدون نظرية ثورية لا تنجح حركة ثورية، كما قال لينين. ولم يتوفر للثورات العربية في بداية اندلاعها ـ وربما إلى الآن ـ إلا حماسة هدم كيانات متداعية، أما البناء فليزمه تصور شامل، نظري بالضرورة، أكبر من القدرة على حشد جماهير تطالب بالخبز والحرية.


    لن يفاجأ من أصيب بغيبوبة في مطلع يناير 2011 ثم أفاق الآن إلا بأن حركة احتجاجية جديدة قد فشلت، مثل سابقاتها. لن يستوعب خياله أهوال الصراعات والحرائق والدماء، وإفراغ دول عربية من مواطنيها، في تطهير عرقي وديني تقوده «دولة» في العراق والشام نهضت من رماد القرن السابع، وتربعت على أرض تزيد على مساحة بريطانيا العظمى. سيرى المصري العائد من الغيبوبة وجوه العهد البائد في مواقعهم، في البرلمان والحكومة والمؤسسات الإعلامية، يلحّون على خطاب يسمم الأجواء، ويشمتون بالراغبين في التغيير الذي لا أثر له. سيفاجأ بأن مصطلح «الثورة» مكروه رسميا وشعبيا، كما كان لدى قطاعات من الأرستقراطية الفرنسية بعد ثورة 1789، ولكن المفارقة المصرية أن الذين قامت الثورة، وبذلت التضحيات، من أجلهم تعرضوا لضربات شرسة، من إعلام رأسمالي يميني، حكومي وأهلي، دفعتهم للكفر بمعنى «الثورة» التي تنشد الحرية، وتنسف فقه «القائد الضرورة».


    ذلك مصطلح غير عصري، سيء السمعة عالميا وعربيا، أبرز حملته صدام حسين وهتلر. يروى أرثر هيرمان في كتابه «فكرة الاضمحلال في التاريخ الغربي» أن هيوستن ستيوارت تشامبرلين في أيامه الأخيرة قابل هتلر، في مشهد وصفه جوبلز بأنه «بالغ التأثير». كان الرجل العجوز مشلولا في كرسيه المتحرك، يقبض بشدة على يد هتلر الذي يخاطبه: يا «أبي الروحي»، وبعد أيام كتب تشامبرلين (1855 ـ 1927) رسالة إلى هتلر: «لقد غيرت حالتي الروحية بضربة واحدة. أن تنجب ألمانيا هتلر في لحظة الحاجة... فذلك دليل على حيويتها، والآن أستطيع أن أنام في سلام.. لن أكون في حاجة لأن أستيقظ مرة أخرى، حفظك الله»، ولن يعدم القارئ وضع ثنائيات عربية مكان ذلك الثنائي البائد.


    الوعي الغائب لا يخص عموم الجماهير، بل رافق أغلب النخب، في سكرة لازمتهم في لحظة الفرح وفي شهور الشوق إلى احتلال موقع حسني مبارك. لم يكن معقولا، دستوريا وثوريا، ذلك التناقض في الإعلان عن «تخلي» مبارك عن الحكم، ثم منح نفسه سلطة «تكليف» المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد، هو تخلى فكيف تكون له صفة «التكليف»؟ لم نشغل أنفسنا بالتفرقة بين التخلي والتنحي، بين الاستقالة والعزل والخلع، وتخلينا عن الإصرار على تشكيل مجلس رئاسي مدني، وكتابة دستور مدني أيضا. أخلي ميدان التحرير، وأخليت مصر لأحلام المشتاقين إلى الحكم، وفي مقدمتهم أربعة من ممثلي اليسار والثورة، «حمدين صباحي، أبوالعز الحريري، هشام البسطويسي، خالد علي»، رفضوا الاتفاق على اختيار أحدهم مرشحا لانتخابات الرئاسة، ولم يكونوا من تواضع الذكاء، ليتخيلوا أن الكرسي يسع أربعة متنافسين. ثم اعترض بعضهم، في مزحة ثقيلة الظل لها دلالة الإذلال النفسي، على نتيجة الديمقراطية التي جاءت بمرشحيْ اليمين بجناحيه، أحمد شفيق ومحمد مرسي.


    لن يعرف العائد من الغيبوبة هذه التفاصيل، سيحرق تلك المراحل والحرائق والدماء، حين يرى الأوضاع في سكونها القلق، كما غادرها قبل ست سنوات، ولا دليل على«الثورة» التي لو نجحت لأدت إلى تغيير ملموس في النظام السياسي، هيئته الحاكمة ومعارضته معا، وفي الأفكار وما يرافقها من تغيير الأداء اقتصاديا واجتماعيا وتعليميا ومعيشيا وأخلاقيا.


    على قدر النية والعزم تأتي الثورة، فهل جاءت قبل أوانها؟ قبل نضج ثقافي كاف يحصّنها من شرور الحالمين بثمارها؟ وضمانة اكتساب وعي عام يحمل الجماهير على الإيمان بجدواها، وأنها خير وأبقى من سكون قاتل يسمونه الاستقرار؟


    لا تتأخر الثورات عن وقتها المحدد، مع اكتمال شرطها التاريخي، حين لا يجدي الإصلاح، بعد استنفاد المخزون الثنائي للتسكين الجمعي.. الدين والوطنية، فإذا كان ابن رشد يرى أن تجارة الدين تجد رواجا حيث يشيع الجهل، فإن تجارة الوطنية تكون أكثر رواجا في المجتمعات نفسها. وفي بلادنا يتجاور التدين الشكلي والوطنية الزائفة والفساد الوقح، وهي مظاهر تدعو المتابع القلِق للانتقال من التشاؤمية التاريخية إلى التشاؤمية الثقافية.


    في كتابه المشار إليه يفرق أرثر هيرمان بين المتشائم التاريخي العاجز عن مواجهة قوى شريرة مدمرة، والمتشائم الثقافي الذي يقف على النقيض. المتشائم التاريخي يرى أن الكارثة قادمة، وأن «مجتمعه على وشك أن يدمر نفسه»، والمتشائم الثقافي «يتطلع إلى الكارثة حيث يعتقد أن شيئا ما أفضل سوف يبزغ من بين رمادها».


    مستقبل الثورة مرهون بما يقرره المؤمنون بها، لا المستفيدون الكسالى منها، أولئك الذين لا يتورعون عن توجيه أصابع الاتهام بإدانة الثائرين بالخيانة، في شبهة تقصير لمخلصين يتمتعون بالبراءة، وتعوزهم القدرة على التواصل مع الجماهير التي لا نجاح للثورة من دون اكتسابهم، بالوعي قبل الحركة.