الصيام قبل الإسلام في جزيرة العرب

19/06/2016 - 12:13:58

أحمد حسين الطماوي - كاتب مصرى

عرفت الشعوب والطوائف، قبل الإسلام فى جزيرة العرب ألوانا من الصيام، وفقا لمللهم التى دانو لها. وأذعنوا لأحكامها، ومنها أديان كتابية سامية، ومعتقدات وثنية باطلة، والصوم عنصر أساسى فى الأديان، واعتداد بالعقائد، وجهاد فى مجال العبادة، من شأنه يذكى الإيمان، والإيمان يملأ النفوس الخلية، ولاريب فى أن الصوم يطيب النفس، وهو ساعة يغيب فيها الصائم عن الدنيا ثم يعود إليها أوفر صحة، وأكثر صفاء، ويرتجى منه الصائم تمجيد المعبود وإرضاءه ليستجيب لدعاء القلب. وهناك من يصوم من الوثنيين لتكشف لهم آلهتهم ما استخفى عليهم فى عالم الغيب لتصح نبوءاتهم، وقد قيل إن كاهنة معبد دلفى فى اليونان تنبأت "بمأساة أوديب"، وكان كهان الهياكل يصومون للآلهة الأسطورية.


وقد تنوعت النحل فى بلاد العرب التى جاءتها من بلدان الشرق مثل الهند وفارس ومن بلدان الشمال مثل الشام وبابل، وصار لها أتباع دفعهم التعصب لمللهم والغيرة عليها إلى عراك طويل تمادى فيه القتال الذى أطلعنا على أخباره القرآن الكريم، وكتب التاريخ القديم، ومن الملل التى تلاقت فى بلاد العرب الكلدانية والصابئة واليهودية والبرهمية والمسيحية.


الصابئة


ومن الطوائف التى عاشت فى مناطق متاخمة لبلاد العرب الكلدان فى جنوب العراق وهم فرع من بابل، وفى هذه المنطقة كثر العرب، وحسب كتاب "التاريخ الجغرافى للقرآن" من تأليف سيد مظفر الدين الهندى، وترجمة د. عبدالشافى غنيم، أن ملوك العرب حكموا "بابل" زمنا قدره مئتان وخمس وعشرون سنة. فى أواخر الدولة البابلية، ومما لاشك فيه أن ملوك المناذرة العرب ومنهم الملك النعمان بن المنذر حكموا أرض الحيرة قبل الإسلام. ومن هنا كان بعض العرب والكلدان يقطنون جنوب العرب ويشتركون فى كل شىء. وكان الكلدان يعبدون الشمس، ويصومون ثلاثين يوما من شروق الشمس إلى غروبها ويفطرون على النباتات ماعدا ما حرموه منها مثل البصل والكرنب.


وكانت طائفة الصابئة قد وثق شأنهم فى جنوب العراق أو فى أرض بابل والكلدان. ويقول العلامة أبو الريحان البيرونى المتوفى سنة 440 هـ فى كتابه "الأثار الباقية عن القرون الخالية" إنهم من الأسرى الذين نقلهم بختنصر من الشام إلى بابل (يشير إلى الأسر البابلى لليهود) وعندما عاد الأسرى مرة أخرى إلى الشام (زمن الملك كورش) تخلفوا فى بابل التى اعتادوا أرضها، وتنقلوا فى بلدانها، وفى "تفسير الجلالين" أنهم فرقة من اليهود، والصابئون فرقتان هما المندائية والحارانية نسبة إلى حاران التى هاجر إليها أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام، وبالرغم من قلة عددهم فقد شغلوا مساحة فى دراسة الأديان وكثر حولهم الكلام.


والصابئون يقدسون الكواكب مثل القمر والشمس والزهرة وعطارد وسر تقديسهم لها اعتقادهم فى أن أرواح الملائكة تختلط بها، ولتأثيرها فى البشر، وكتابهم المقدس يسمى "كنزة" وقيل إنهم ينتمون إلى ألوش بن شيث بن آدم وقيل غير هذا، ويصلون ثلاث مرات فى اليوم، وديانتهم لاتناهد الديانات الأخرى أو تنافسها، بل تقتطف طرفة من كل ملة لإنضاج طقوسها، ولتكون أجمل وأكمل، فأخذت من بابل تقديس الكواكب ومن المسيحية التعميد ومن الإسلام السجود أثناء الصلاة وكان الصابئون يركعون فحسب، ومنهم من يقدس الكواكب مباشرة ومنهم من يقدس أصناما تمثلها.


وقد تنقل عدد من الصائبة بين جنوب العراق والخليج العربى ووصلوا إلى اليمن ومارسوا عقيدتهم، ومما سهل تنقلهم أن معابدهم ليست ثابتة فى مكان مثل المساجد والكنائس، وإنما تشبه الخيام يمكن طيها وبسطها فى أى مكان ولهم أصوام مفروضة ونوافل، وفى شهر فبراير يصومون سبعة أيام ولا يأكلون فيها دسما، أما صومهم الأكبر فيكون تسعة وعشرين يوما ويبدأ من الثامن من مارس وفى الغالب يفطرون فى الثامن من أبريل ولهم صوم سبعة أيام فى يناير، ويذكر البيرونى أن كل صوم فى يناير يكون للجن، ولايعزب عنا ما جاء فى كتاب "الفهرست" لابن النديم أنهم يعبدون الجن والعفاريت، وأول سنتهم شهر تشرين (أكتوبر) ويسمون الشهود بالأسماء السريانية، وفى السابع عشر من كل شهر عيد لابتداء الطوفان فيه ومن أعيادهم الأخرى عيد بناء صنم الزهرة، وعيد الشمس وعيد المريخ.


وقد ذكرهم القرآن الكريم ثلاث مرات منها ما جاء فى سورة المائدة آية 69: "إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون"  كذلك ذكرهم عدد من العلماء والفقهاء مثل الإمام الشهرستانى فى :الملل والنحل: والفقيه الظاهرى ابن حزم فى كتابه "الفصل..." كما ذكرهم المقريزى ومن المحدثين تناولهم العقاد فى كتابه "إبراهيم أبو الأنبياء".


اليهودية


ودخلت اليهودية إلى جزيرة العرب، ونظراً لبعد الأزمان وطولها فليس هناك تاريخ محدد لهذا الدخول، ولكن هناك تاريخين ارتبطا بحدثين كبيرين يمكن أن يكونا هما تاريخ دخول الديانة اليهودية إلى بلاد العرب، الأول عندما أسلمت ملكة اليمن بلقيس للنبى سليمان عليه السلام أعقبه انتشار اليهودية فى أنحاء من شبه جزيرة العرب وبخاصة فى اليمن، أما الثانى فيرتبط بتدمير الرومان لمدينة أورشليم، والإطاحة بالعبريين الذين لم يهون عليهم الروم أو يحفلوا بفجيعتهم، فتشتتوا ومضوا سراعا إلى أماكن عديدة، وحط بعضهم فى أرض الحجاز لقربها من فلسطين، ومن الحجاز تسللوا إلى اليمن، وفى هذه الأماكن عبروا عن ديانتهم، وعملوا على نشرها ومارسوا طقوسها حتى علقت تعاليمها ببعض العرب واعتنقوها ، مما حدا بالدكتور جواد علي أن يقول فى كتابه “تاريخ العرب قبل الإسلام” : “لم يكن يهود اليمن من أصل إسرائيلى خالص، وإنما كانوا خليطا من متهودة ويهود” ومن هنا عرف العرب صوم الإسرائيليين فى الأماكن التى دخلوها .


وكان سيدنا موسى عليه السلام قد صام أربعين يوما لا يأكل ولا يشرب حسب ما جاء فى الإصحاح التاسع من سفر التثنية فى العهد القديم من الكتاب المقدس: "حين صعدت إلى الجبل لكى آخذ لوحى الحجر، لوحى العهد الذى قطعه الرب معكم أقمت فى الجبل أربعين نهارا وأربعين ليلة لا آكل خبزا ولا أشرب ماء". وهناك نبأ فى القرآن الكريم عن هذه الأيام فى سورة الأعراف - آية 142 : "وواعدنا موسى ثلاثين ليلة. وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة" . ومن أصوام اليهود ما فاه به عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أفضل الصيام صوم أخى داود، كان يصوم يوما ويفطر يوما " (نقلا عن كتاب إحياء علوم الدين لأبى حامد الغزالى) . ولا يصوم اليهود صيام موسى أو داود عليهما السلام، وإنما يصومون يوم كيبور أو الغفران وهو يوم عاشوراء عندهم أو اليوم العاشر من شهر تشرى، وهو صوم مفروض ولهم أصوام نوافل، والصوم من قبيل الغروب بنحو نصف ساعة يوم التاسع من تشرى إلى بعيد غروب الشمس بنحو نصف ساعة يوم العاشر منه.


وفى هذا اليوم يصلى اليهود خمس صلوات ويسجدون فيها، وكل هذا خاص بيوم كيبور وحده حسب ما يقول البيرونى.


ويذكر الإمام الغزالى (450 - 505 هـ) فى كتابه "مكاشفات القلوب المقرب إلى حضرة علام الغيوب" أن ابن عباس قال : "قدم النبى صلى الله عليه وسلم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم عن ذلك فقالوا: إن هذا اليوم أظهر الله فيه موسى وبنى إسرائيل على قوم فرعون فنحن نصومه تعظيما له ، فقال النبى.. نحن أولى بموسى منكم فأمر بصومه" وكان هذا قبل فرض الصيام فى شهر رمضان المبارك، وهناك أصوام نوافل يتذكر فيها اليهود حوادث جرت لهم فى أيام ماضية تتعلق بتاريخهم مثل تخريب أورشليم، أو يستعيدون ذكرى وفيات أنبيائهم وبعض ملوكهم مثل يوم وفاة هارون بن عمران، وبعض أسماء شهورهم قريب من أسماء الشهور السريانية مثل "نيسن" و "تمز" و"ايلل" فهى قريبة من "نيسان" و"تموز" و"أيلول".


المسيحية


وبعد زمن طويل، فى القرن الرابع الميلادى، اعتنق المسيحية الإمبراطور قسطنطين إمبراطور الإمبراطورية الرومانية الشرقية، أو ما يعرف بـ "بيزنطة" وهو الإمبراطور المسيحى الذى التقت فيه النصرانية براعيها، فقد اجتهد فى نشرها وتعميمها، وأرسل من يبشر بها إلى عدة أصقاع، منها شبه جزيرة العرب، وبخاصة فى المناطق الشمالية التى انسابت فيها المسيحية فى يسر ظافرة بنجوع عربية كثيرة، إذ حقق المبشرون نتائج كبيرة بمرور الأيام واستطاعوا  تنصير الغساسنة ، وقبائل تغلب وبكر وكلب وكثير من ربيعة وعبد القيس وبعض أناس من كنده.


كذلك غزت المسيحية جنوب العراق وهو ملتقى المجوس وأتباع الزرادشتية والصابئة والزروانية والكلدان وبعض البراهمة، وفى هذا الجنوب مملكة الحيرة التى اعتنق ملكها النعمان بن المنذر النصرانية وأناس مملكته والناس على دين ملوكهم كما يقال، وكانت إمارة الحيرة تحت نفوذ فارس.


ووصلت المسيحية إلى اليمن، وتقدمت فيها، واتخذ النصارى من مدينة نجران قاعدة لهم، وشادوا فيها كنيسة كبيرة، كذلك تنصر بعض القرشيين فى الحجاز، وكان منهم ورقة بن نوفل .


وترتب على هذا الانتشار المسيحى فى بلاد العرب ممارسة شعائر الديانة ومنها الأصوام المختلفة الأسماء مثل صوم مولد السيد المسيح عليه السلام، وصوم الشعانين أو السعانين، وصوم العذراء ، وصوم عيد الغطاس وغيرها، ويتناولون فيها الأطعمة المختلفة عدا ما فيه روح كما يقولون ، ولهم أيام يتذكرون فيها شهداءهم وعددا من القديسين مثل بولس ، علاوة على كتاب الأناجيل، وتختلف تواريخ الصوم والأعياد بين النساطرة والملكائية.


العقائد الهندية


وهكذا انتشرت الديانتان اليهودية والمسيحية فى أوساط سكان شمال وغرب وجنوب جزيرة العرب، أما سكان الشرق مثل عرب عمان والخليج فقد كانوا قريبين من الهند والسند، ولا يبتعد عنا أن عمان والهند من بلدان حوض المحيط الهندى، ويقول د. على الخطيب فى كتابه عن الصوم : "كانت البرهمية مشهورة بين سكان عمان، وكانت الصابئة فى الشمال والجنوب، كما كانت المجوسية فى بطون تميم" (وقبائل تميم منتشرة على ساحل الخليج).


ووجود الديانة البرهمية الهندية فى عمان غير مستبعد، لأن الأسطول العربى العمانى جاب منذ أقدم العصور سواحل البلدان التى تطل على المحيط الهندى، واستجلى مجاهلها ، ومنها ساحل الهند الغربى وساحل إفريقيا الشرقية، وتابع عرب عمان الإبحار فى المحيط حتى وصلوا إلى جزر القمر وثبتت أقدامهم فى نواح عديدة، وعبر ملاحات تجارية فيها توريد وتصدير تنقل التجار العرب والهنود بين المرافئ العربية والهندية وتبادلوا السلع، وأثناء هذه المخالطة تذاكروا فى المعتقدات. ومن هنا حدث التأثير والتأثر ، وليس بعيداً أن ينتقل نفر من هناك إلى هنا ومن هنا إلى هناك ويمارسوا شعائر الملل المختلفة ومنها الصوم ، والفارق ليس كبيرا بين المعتقدات الهندية والعربية فكلها عقائد وثنية .


ومن طوائف الهند أتباع ديانة الفيدا وهم البراهمة، والبوذية، واليوجا وفئة الجانتيه، ولهم معتقدات غريبة، وأصوام قاسية، قد يكون الهدف منها إماتة الجسد لتخفيف وطأة المادة عليهم، وعباداتهم لإرضاء برهم أو براهما، وهو إله أسطورى له عدة رؤوس وعدة أذرع، وقد استفاض البيرونى فى ذكر أصوام الهند فى كتابه "تحقيق ما للهند من مقولة فى العقل مقبولة أو مرزولة".


ثم جاء الإسلام ومحا كل هذا محوا من جزيرة العرب "وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب" والشهر الفضيل نهاره جهاد وليله اعتكاف وتلاوة آيات، وليلة القدر فيه زينة ليالية تهل علينا مع هلاله بنفحاتها العلوية، وعطاياها الروحية.