الشيخ محمد رفعت ورواد الشرفة العلوية

19/06/2016 - 12:12:58

الشيخ محمد رفعت الشيخ محمد رفعت

عرفه عبده علي - كاتب مصري

رمضان شهر القرآن. ومنذ عقود طويلة، أصبح صوت الشيخ محمد رفعت فى وجداننا رمزا لهذا الشهر الكريم، وعلى مدار السنة عندما نستمع إلى تلاوته ننتقل بأرواحنا إلى أجواء رمضان. ننتظر انطلاق مدفع الإفطار!


        من حى السيدة الطاهرة "زينب" رضى الله عنها بالقاهرة، انطلق صوت الشيخ رفعت نغما سحريا، نشر العبق والأرج فى السماء والأرض، يصدر عن قلب عامر بالإيمان، شرق كالأمل، فياض كالحياة، تسلق صوته مئذنة جامع الأمير "مصطفى فاضل باشا" الأثرى ومنها سرى عبر المذياع فى القلوب والأسماع.


        كان الشيخ رفعت أسوة حسنة لقارئ القرآن الكريم، خُلقه القرآن، تأنس إليه القلوب. ويحلق بالوجدان إلى آفاق الكون. وحكى لى والدى رحمه الله أن الترام كان يمر بشارع درب الجماميز أمام جامع فاضل باشا والذى اشتهر بين عامة الناس حتى يومنا هذا بجامع الشيخ رفعت (تجدر الإشارة إلى ما سجله الشيخ حمد الجاسر فى "سوانح الذكريات" عندما وصل القاهرة فى الثالث من ربيع الأول 1358 هجري وتوجه إلى مقر البعثة العلمية السعودية، وكتب: على مقربة من شارع درب الجماميز حيث تنتشر المكتبات فيه وبقرب دار البعثه مسجد الشيخ محمد رفعت أشهر القراء فى ذلك العهد) وكان سائقو الترام ومعظمهم من الأقباط يتوقفون رغبة منهم ومن الركاب، وتتوقف حركة الترام فى الشارع، من أجل أن ترقى أرواحهم لحظات إلى ملكوت السماء مع صوت شيخنا الجليل، وفى ليالى رمضان كان الجامع يغص بحشود "السميعة" فيفترش محبوه الشوارع المحيطة بالجامع!


        عندما سُئل الشيخ متولى الشعراوى فى لقاء بالتلفاز عن رأيه فى مشاهير القراء، قال: "إذا أردت أحكام التلاوة فالشيخ محمود الحصرى، وإذا أردت حلاوة الصوت فالشيخ عبد الباسط عبد الصمد، وإذا أردت النفس الطويل مع العذوبة فالشيخ مصطفى إسماعيل، وإذا أردت هؤلاء جميعا فالشيخ محمد رفعت".


        وُلد الشيخ محمد رفعت فى مايو 1882 بحي المغربلين بالقاهرة، وانتقل والده – ضابط الشرطة – بأسرته للحياة بمنزل فى شارع ممتاز بحى السيدة زينب ثم انتقل بعد وفاة والده إلى المنزل رقم 30 شارع الشيخ البغال وعاش فى هذا البيت حتى انتقل إلى رحمة الله فى التاسع من مايو 1950 وافتتح بصوته الإذاعة المصرية عام 1934 ولعدة سنوات استمر البث الإذاعى يبدأ كل صباح بصوت الشيخ رفعت حتى أنهكه المرض!


        فى كُـتاب الأمير "بشتاك" الملحق بجامع فاضل باشا، أتم الصبي ـ الذي أصيب بمرض فى عينيه حتى أصبح كفيفا ـ حفظ القرآن الكريم فى سن التاسعة، على يد الشيخ "هنيدى" الذى أدرك موهبته مبكرا وتعهده بالرعاية والتوجيه حتى بلغ مبلغ الشباب فعينه قارئا للسورة بجامع فاضل باشا، وعندما استمع إليه الشيخ "على محمود" انتفض بدنه كله وخنقته العبرات وقال: "هذا الولد سيكون له شأن عظيم" وعاش الشيخ على محمود حتى أصبح للشيخ الصغير "شأن عظيم" حتى فاق جميع القراء فى زمانه وفى كل الأزمنة!


رواد الشرفة العلوية


        على امتداد عالمنا كان صوت الشيخ رفعت – ومازال –يأخذ بألباب الملايين حاملا إليهم نفحات من رضوان الله ورحمته، على الرغم مما أكده الموسيقار "محمد عبد الوهاب" وكان واحدا من مريدى الشيخ: "إن ما نسمعه حاليا من تسجيلات الشيخ رفعت لا يمثل سوى عشرة فى المائة من عظمة وجمال الصوت الحقيقى للشيخ رفعت"! وفى منزل الشيخ كانت الجلسة المفضلة لعبد الوهاب تحت أقدام الشيخ المتربع على "دكة" وهو يتلو القرآن. كان "عبد الوهاب" أحد رواد الشرفة العلوية بجامع فاضل باشا فى ليالى رمضان، التى يجلس بها عدد من الباشوات "السميعة" وأجانب من جنسيات مختلفة ومن أقباط مصر، وعقب انتهاء الشيخ من تلاوته ينزلون ويزاحمون الجميع فى محاولة لتقبيل يد الشيخ!


        لقد عشق صوته كثير من غير المسلمين، ومنهم من أسلموا بتأثير صوته، ومن الطريف أن الفنان العظيم "نجيب الريحانى" المسيحى كان يستمع إليه بين رواد الشرفة العلوية وكثيرا ما شوهد وهو يبكى تأثرا. وكان معه أيضا القطب الوفدى الوزير القبطى "مكرم عبيد"، صديق الشيخ رفعت، وكان يتباهى بأنه تعلم تلاوة القرآن على يد الشيخ رفعت كما كان يزين مرافعاته فى المحاكم وخطبه الشهيرة بآيات من الذكر الحكيم! أيضا المهندس القبطى "جورج يوسف" الذى سجل – من الشرفة العلوية – على جهاز أسطوانات عتيق كثيرا من تلاوت الشيخ رفعت فى العشرينيات والثلاثينيات.


إدوار الخراط وفياض وراديو الشيخ رفعت


        فى روايته الجميلة "أيام مجاور" عاد الأديب سليمان فياض "إلى كهوف عمره" وذكرى سنوات طلب العلم فى المعهد الدينى الأزهرى بالزقازيق. كانت المرة الأولى التى يسمع فيها صوت الشيخ رفعت بل المرة الأولى التى يرى فيها صندوق الراديو، فكتب: "أمام ساحة قصر أصفر بشارع القنطرة، سمعت صوت مقرئ يقرأ القرآن. أجمل وأعمق وأرحب صوت يمكن أن يسمعه أحد، لقارئ يقرأ القرآن كأنه فى معبد، كان الصوت خارجا من محل ساعاتى، توقفت أمامه أسمع، جرؤت ودخلت المحل، جلت بعينى فلم أر القارئ، سألت الساعاتى: مين بيقرأ القرآن هنا صوته حلو! ابتسم الساعاتى، نهض، سحبنى من يدى وأرانى صندوقا من الخشب به مسطرة من الزجاج وقال لى: الشيخ محمد رفعت بيقرأ فى الراديو ده، صوته جاى من مصر، صحت: من مصر لحد هنا إزاي؟! حين عدت إلى بيت الأهل، رحت أتوسل إلى أبى باكيا ليشترى لنا راديو الشيخ رفعت وليس أي راديو آخر"!


        وتجدر الإشارة أيضا إلى ما دونه الأديب إدوار الخراط فى روايته "يا بنات إسكندرية" عن الشيخ رفعت: "كان صوت الشيخ رفعت فى رمضان طفولتى، يترقرق من صناديق الراديو الكبيرة فى الدكاكين والمقاهى والبيوت المفتوحة الشبابيك قبل مدفع الإفطار، صوتا سلسالا جميلا ومنذرا، بحزن، من عذابات الكفران بالنعيم، صوته أبوي وعجوز وحنون ومتعب من عبء الرحمة للخاطئين"!


فى جوار "الدكة"


        فى أحد تسجيلاته بإذاعة القرآن الكريم، عن ذكرياته فى شهر رمضان، قال الشيخ "أبو العينين شعيشع" صاحب المدرسة الفريدة فى فن التلاوة: "ارتبطت بعلاقة وطيدة بالشيخ محمد رفعت بدأت فى عام 1939 وحتى وفاته فى عام 1950". ويضيف: "كنت أتردد على مسجد فاضل باشا خصيصا لأستمتع بصوت الشيخ رفعت فى سهراته القرآنية عقب صلاة التراويح، كنت أحاول أن أجد لى موضعا بجوار "الدكة" التى يتربع عليها الشيخ رفعت، ولم تكن هناك ميكروفونات فى ذلك الزمان". واختصه الشيخ رفعت بالرعاية وحرص الشيخ "شعيشع" حتى بعد أن اشتهر بين أعلام القراء أن يزوره فى بيته ويستمع إليه. ونحن جميعا – القراء – تلاميذ فى مدرسته العظيمة" ويشير إلى أن الشيخ رفعت "بما لديه من صنعة وقدرات شديدة الخصوصية استطاع أن يصل بصوته إلى أقصى اتساع فى قدرات الصوت الإنسانى، وهو صاحب مدرسة فى التجويد تعتمد على القدرة فى التحكم فى الصوت وتلوينه والتصرف فى المقامات الصوتية، فضلا عن الشخصية المتميزة لصوته، العصيّ على التقليد، مع التزام بأصول علم القراءات ومعانى الآيات".


        ذات ليلة من ليالى الشهر الكريم، كان الشيخ يقرأ من سورة القصص الآية "فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبى يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا" فوقف عند قوله تعالى "تمشي". ثم واصل "على استحياء" فظن بعض السامعين أن الشيخ قد أخطأ ورجاه أن يصل، فابتسم الشيخ وواصل التلاوة إلى أن انتهى، ثم قال "أرى أنها قالت على استحياء ولا أرى ما فهمت أنت أنها تمشى على استحياء، لأن الحياء فى القول ألزم منه فى المشي" فكان ردا طريفا يدل على سعة فهم الشيخ وإدراكه لمعانى القرآن العظيم.


تراث الشيخ رفعت


        ومن المعروف أن تسجيلات الشيخ رفعت الحالية لا تشمل سوى أقل من نصف القرآن الكريم، وكانت التسجيلات تتم على جهاز إسطوانات شمعية أو على "شريط ماركوني" الذى يتطلب عدد من العمال لحمله ونقله! واشتهر "زكريا باشا مهران" والمهندس "جورج يوسف" بتسجيل بعض من قراءات الشيخ رفعت وجمع شتات ما تبقى ثم نقلت على أشرطة ماستر، وفى الثمانينيات، تقدمت مجموعة من عشاق صوت الشيخ بالتعاون مع "جمعية محبى الشيخ محمد رفعت" بمشروع للحفاظ على ما تبقى من تراث الشيخ إلى "صندوق التنمية الثقافية" التابع لوزارة الثقافة المصرية، ونقل هذه التسجيلات على أسطوانات مدمجة وفقا لأحدث التقنيات وتوثيقها، وتجميع متعلقاته (بعض ملابسه ومكتبة أسطوانات تضم قصائد لأم كلثوم وعبد الوهاب، ورسائل من عشاق صوته من الهند إلى بلاد المغرب العربي) وأوراقه الخاصة فى عرض متحفى صغير ضمن "مركز تراث الشيخ محمد رفعت"، وتحصى إدارة التنسيق بالإذاعة المصرية التسجيلات الصوتية للشيخ رفعت على النحو التالى:


-       40 تلاوة مدتها 45 دقيقة (بعضها من تسجيلات الإذاعة ومن مساجد وبعض بيوت العائلات الكبيرة).


-       60 تلاوة مدتها 30 دقيقة.


-       80 تلاوة مدتها 15 دقيقة.


-       100 تلاوة مدتها 10 دقائق.


-       110 تلاوات مدتها 5 دقائق.


كان الشيخ رفعت رحمه الله لا يقيم للمادة وزنا، معتزا بنفسه وبمظهره، كريما وفيا، وكانت وزارة الأوقاف قد عرضت نقله إلى أحد المساجد الكبرى الشهيرة بالقاهرة يختاره بنفسه، لكنه أبى أن يفارق مسجد فاضل باشا الذى ألفه وألف ناسه.


فى عصر اليوم التاسع من مايو 1950 نعى "عبد الوهاب يوسف" أحد رواد الإذاعة العظام الشيخ رفعت إلى شعب مصر والشعوب العربية، ولم يستطع أن يتمالك زمام نفسه أمام الميكروفون فانهار باكيا، فأسرع المخرج الإذاعى الشهير "أنور المشري" ليكمل: "أيها المسلمون، فقدنا اليوم أعظم صوت رتل القرآن الكريم، فقدنا اليوم أحلى الأصوات العربية، فقدنا صاحب الحنجرة الفريدة التى امتلكت قدرة فائقة على إيصال أعذب وأنقى الأصوات إلى الناس. القارئ الشيخ محمد رفعت" وتبكيه القلوب فى كل أرجاء العالم الإسلامى. فقد كان حب الناس له نابعا من محبة وإكرام الله تبارك وتعالى له، ولله در شيخ الأزهر الأسبق "مصطفى المراغى" حين قال عنه: "هو منحة من الأقدار حين تهادن وتجود، بل وتكريم منها للإنسانية، فهو خير من رتل القرآن وخير من تلاه إلى أن يشاء الله"!