« معجز » مصطفى إسماعيل

19/06/2016 - 12:12:17

الشيخ مصطفى إسماعيل الشيخ مصطفى إسماعيل

بدر الدين عرودكي - كاتب سوري

1


حلب، المسجد الأموي، ربيع 1957


أئمة المؤذنين والقراء والمنشدين وحشد من أهل الفن ممن تميزوا بين أهل الشام جميعا بأذن موسيقية مرهفة، جاؤوا يملأون قاعات المسجد الكبير ذات يوم جمعة يتطلعون إلى الإصغاء مباشرة إلى ضيف فذّ لم يعرفوا مثيلا له من قبل.


الشيخ مصطفى إسماعيل. وفي ذاكرته ما أخبره به صديقه محمد عبد الوهاب حين علم بسفره إلى حلب من أنه سيشعر بسعادة غامرة حين يلتقي فيها جمهورا ذا حساسية فنية استثنائية.. 


يفتتح الأداء بالآية 238 من سورة البقرة: "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين".. وعلى غير انتظار ينساب الصوت منذ البداية رقيقا بلا حشرجات الدقائق الأولى. يتساءل المستمع وقد غرق في الجمال الكلي فجأة: أين كانت هذه الموسيقى الكامنة في آيات ذات طبيعة وصياغة تشريعية وكيف تسنّى لصاحب هذا الصوت أن يكتشفها وأن يؤديها بهدوء وسلاسة؟ لكن تساؤلاته سرعان ما تتلاشى كي يتماهى مع صوت ثري بمعاني ما ينطق به، تزداد جمالا بجماله، وتتوالى على مسامات الجسد والروح تنفذ عبرها وتسكنهما. لا حاجة إلى تفسير أو إلى تأويل. ينزلق المبنى والمعنى في جماله وهيبته، في جماله وعنفوانه، في جماله وغبطته كي يسكن الأجساد والقلوب والأرواح جميعا. يتلقى الجمهور الجمال الأكمل بترنيمة "الله" يتردد صداها خافتا في أرجاء المسجد الجامع. ثم، فجأة، يبدأ المشهد الملحمي: "ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم" بصوت يتصاعد حتى يبلغ الذروة في عذوبة الهاء والميم كي يتصاعد من جديد انطلاقا منها إلى ذروة أخرى "إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون" بما تتيحه الواو والنون من قرار ما يلبث أن يقود إلى مشهد جديد يلهث الناس وراءه إلى أن يبلغ "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين" كي تتحول الترنيمة، الخافتة قبل قليل، "الله"، إلى لازمة يرددها الجميع، تصخب بها قاعات المسجد وباحته الخارجية ويبرز منها فجأة صوت منفرد يطلقه إمام المؤذنين في وجه الشيخ: "الله.. يا أستاذ الكل"!


لكن الشيخ كان في عالم آخر حمله إليه هذا الجمهور، دقيق الإصغاء مرهف الحساسية، وهو يتلاشى في أدائه، ومعه، قلبا وقالبا..


2


دمشق، مسجد جامعة دمشق، ربيع 1957


المراهق الذي كانه، خافق القلب، في صحبة أبيه، يتجهان إلى مسجد جامعة دمشق، يلتقيان فيه الشيخ مصطفى إسماعيل للمرة الأولى ويسمعانه عيانا.


يعرفه الأب منذ أول أداء له عبر إذاعة القاهرة. واظب وحده أو بصحبة رفاقه على موعديْن أسبوعيين مع الشيخ محمد رفعت ومع الشيخ مصطفى إسماعيل: الإثنين والجمعة. الثامنة مساء قبل نشرة الأخبار المسائية.


يصلُ الشيخ ويجتاز بخفة صفوف جمهور المصلين في المسجد الصغير كي يبلغ المحراب حيث كرسيه. لكن المراهق يستوقفه قبل أن يجلس ويمسك بيده يضمها إلى صدره. ابتسم الشيخ وداعب بيده الأخرى شعره. قال له: هل ستقرأ سورة التحريم؟ ويجيبه الشيخ: وعرفت ازاي؟ والمراهق يسرع في ما أراد للشيخ أن يعرفه: أحفظها كلها وتلوتها على طريقتك في المدرسة الإعدادية!


دقائق ويباشر الشيخ تنويعاته متعددة الأصوات (كأنها فوغات جان سباستيان باخ كما سيكتشف من بعد) وهو يردد بعد أن نفث طاقة هائلة من الحنان في نون "منكنَّ" ينطلق بعدها مفرِّدا: "مسلماتٍ، مؤمناتٍ، قانتاتٍ، تائباتٍ، عابداتٍ، سائحاتٍ، ثيباتٍ وأبكارا" قبل أن يستعيد الآية كلها في بوليفونية صاعدة على وقع التاءات السبع تتوالى بالغا الكلمة الأخيرة بواحدة من القراءات التي تحيل الهمزة هاء حتى يستقر المعنى في شموله: كلمات وموسيقى وأداء في تناغم عجيب يستعيدها  الشيخ مرات دون أن يعيدها مرة واحدة!


يدرك المراهق على يفاعته معنى وظيفة الموسيقى الطبيعية هنا: جزء لا يتجزأ من الآيات، كامنة فيها لا مقحمة عليها.


وأسرَّها في نفسه. 


3


دمشق، المسجد الأموي، ربيع 1960


يضحك أبي وصديقه وهما في طريقهما إلى المسجد الأموي حينما يستعيدان محاولة أحد كبار المنشدين بدمشق تقليد الشيخ مصطفى إسماعيل في ابتهالات نهاية الأذان "الصلاة والسلام عليك أيها النبي". تخرج من المنشد/المؤذِّن: يا أيها الناااابي! بينما كانت النون تبقى مع الشيخ مصطفى إسماعيل تدور على نفسها بينما يرسم صوته سكونها المشدّد لا يحيد عنه. يعلق أحدهما مستخدما بعض اسم المنشد: نجَّدهُ الله!


4


المسجد الأموي وسورة يوسف. الشيخ مصطفى إسماعيل في أبهى حالاته. وجهه يشع رضا وحبورا. يستقرّ على كرسيه وينتظر تقديم المذيع له عبر الأثير قبل أن يباشر تلاوة ستبقى أمثولة في كل لحظة من لحظاتها.


النفَسُ طويل، رحب، واسع، رخيّ. والصوت ينساب هادئا على ثقة، رقيقا يتموج على إيقاع أثير الآيات وحركاتها. تكاد تلمس بأذنيك كيف يعثر على تلك الموسيقى الكامنة كي تسير في عروق الكلمات يتلقفها الصوت كي ينثرها على الجميع كالرياحين.


وها هي المعاني تتألق مثل ضحى النهار. لن تكون بحاجة إلى ابن كثير أو سواه كي يشرح لك هنا أو يفسر لك هناك. قصص التاريخ مشاهد تجري أمام عينيك. ومثل المعاني، يثبتها الأداء مثلما أريدَ لها. وحين تكون الكلمة أو الجملة حمّالة أوجه فلا بدّ من تقديم مختلف هذه الأوجه: ها هو ينطلق في: "وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيْتَ لك قال معاذ الله"، ويستعيد: "وغلقت الأبواب وقالت هيتَ لك" وحدها أربع مرات في أربعة معان: هيتَ، هيْتُ، هِئتُ، هئتَ.  يؤدي كلا منها بمقام وعلامات وإيقاعات تقول فرادتها واختلاف معناها في آن.


ولا بد للإعجاب أن يبلغ مداه حين يصغى إليه يؤدي في نَفَسٍ واحد بكل ما تقتضيه تنويعات الأداء والمعنى "إن كان قميصه قدّ من قبل فصدقت وهو من الكاذبين وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين" وكأنما يهلل عند استقراره على الياء والنون احتفالا بالمعنى وبمؤداه. إذ كيف يسعك الوقوف عند "وهو من الكاذبين" والضمير يعني نبيا؟ حتى هو، وقد سبق له الوقوف عندها، ربما قبل أن يدرك خطأ الأداء، فجاء التصحيح في منتهى بلاغته.


5


لكنه يجتهد أيضا كي يبلغ هذه المرة المعنى الأعمق، بل الأكثر عمقا. يصلُ في سورة القمر إلى نهايتها: "عند مليك مقتدر" ولأنه يريد الاستمرار مع سورة الرحمن، يصل بين الآية الأخيرة من "القمر" بالآية الأولى من "الرحمن" دون البسملة المعتادة مع بداية كل سورة فيأتي الأداء، "عند مليكٍ مقتدرٍ.. الرحمنْ".


من يحتاج والحالة هذه إلى تفسير أو إلى تأويل للمقدرة والرحمة في تلازمهما وعدم انفصالهما الأشد بلاغة ووضوحا وعفوية؟


وإذ يجتهد هنا ها هو يجتهد هناك، مع سورة مريم، ولكن على صعيد آخر: "وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي وقري عينا" يستعيدها مرات دون أن يعيدها فيحضر أمامك "روح الله" مثلما حضر أمامها بقوة الصوت والأداء.


كنت رفعت صوت المسجلة حتى منتهاه ظنا مني أنني وحدي ذلك المساء في مبنى معهد العالم العربي بباريس. لكن زميلي روبير يهرع إلي وقد أخذه الوجْد: ما هذا؟ أشرح له، فيجلس معي حتى نهاية السورة. لم يكن يفهم العربية ولا قرأ القرآن من قبل. لكنه كان، مثلي، أمام الروح وقد تمثل لي وله صوتا مثلما تمثل لمريم بشرا سويا.


6


باريس، مارس 1991، استعادة مصطفى إسماعيل


"ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا"..


ما عليك! دع المعاني تسري في خلاياكَ عبرَ مساماتك. تسْتقرُّ فيكَ وتندهشُ أنكَ مُدْركَها وما أنت مدركها بجهدٍ عقليٍّ بذلته. فما الذي يحدث إذن؟


هو ذا.. هو ذا الصوتُ ينطلق، حنونا، مترفقا، يداري حرفا بعد حرفٍ وكلمة بعد كلمة ثم جملة بعد جملة. يتوقف هنا هنيهة ليستأنف من ثمَّ على قوة وثقة. يترفق حيث يتوجبُ الرفقُ فتترفق. يتراقصُ جذلا من فرحٍ مُستوجبٍ فإذا بك تتراقصُ معه على استحياءٍ وتخشى، حاشَ، من أنْ.. ثمَّ لا تجدُ في ذلك مأخذا. يتألمُ إذ يرقُّ وهو يمدُّ الياءَ في أليم فتتألمُ الألمَ تستقرؤه كيفَ يستقرُّ شحنة معنى لا تنضب في كل حرف من الحروف الأربعة وكيف تتلاشى الحدودُ بين الصوتِ والكلمةِ والحروف عندما يدرك الميم ويرتاح عند سكونها ليتدفق المعنى.


هو ذا.. يدهشك أنه إذ يغنّي لا يغنّي بل يتغنى.


"فلا تذهب نفسُكَ عليهم حسرات.."


وأنت تستمعُ إليه يعيدها مرة ثانية وثالثة مترفقَ الخطاب والصوت تذرفُ دموعا لا تدري كيف أتتكَ على أجنحة السنوات الأربعين تجتاز في طرفة عين كل ما عشته من أيام وليال لتتدفق من جديد كالمرة الأولى حارة وافرة..


7


تسأل أم كلثوم الشيخ مصطفى إسماعيل وقد أخذها الذهول من ملاحظات دقيقة قدَّمها لها على أدائها أثناء قيامها بتسجيل إحدى أغنياتها في ستوديوهات الإذاعة المصرية: أين وكيف تعلمت الموسيقى يا سيدنا الشيخ؟ فيجيبها: ربنا! ويحمد محمد عبد الوهاب هذا الربَّ نفسه أنه اكتفى بجعل مصطفى إسماعيل يلتفتُ إلى القرآن ولا يتجاوزه إلى الغناء وإلا لأغرق معاصريه من نجوم الغناء جميعا في طوفان عبقريته الموسيقية الاستثنائية..


لكني أرى أن "ربنا" على لسان الشيخ مصطفى إسماعيل يقود إلى أبعد مما فهمه عبد الوهاب أو أم كلثوم. كما لو أراد أن يقول: إنني لم أفعل سوى أن أتبع نوتة الآيات نفسها، بثرائها وبتنوعها، وبما تتيحه لمن يشاء من إمكانات التنويع والزخرفة إن كان قادرا عليها.


نعم. ولكن أكثر الناس لا يعلمون.