سبعة أسباب لتراجع مدرسة التلاوة المصرية واقتراحات للنهوض

19/06/2016 - 12:11:17

الشيخ عبد الباسط عبد الصمد الشيخ عبد الباسط عبد الصمد

د. نبيل حنفي محمود - كاتب مصري

كادت دولة تلاوة القرآن الكريم أن تنقطع بمصر بعد احتلال العثمانيين ثم الفرنسيين لها، حيث هجّرت سلطات الاحتلال العثماني مشاهير قرائها إلى حاضرة الدولة العثمانية، بين من هجّرت على اسطنبول من أعلام كل فن وجدوه بأرض مصر، بينما حال تنكيل الفرنسيين بالأزهر ورجاله دون ظهور أعلام من القراء إبان حملتهم على مصر، حتى أوقدت رياح النهضة التي هبت على مصر طوال عصر محمد على وخلفائه الجذوة الخابية في ما تبقي من كيان هذه الدولة، لتتقد تلك الجذوة خلال ما سمي بالعصر الذهبي لدولة التلاوة.


  يطلق مصطلح "العصر الذهبي للتلاوة" على الفترة الممتدة من ثلاثينيات إلى سبعينيات القرن العشرين، والذي زها بكوكبة من عباقرة القراء، ضمت الشيوخ: أحمد ندا، محمد رفعت، محمد الصيفي، علي محمود، عبد الفتاح الشعشاعي، منصور الشامي الدمنهوري، عبد العظيم زاهر، محمد فريد السنديوني، أبو العينين شعيشع، كامل يوسف البهتيمي، محمود خليل الحصري، مصطفى إسماعيل، محمود على البنا، عبد الباسط محمد عبد الصمد، محمد صديق المنشاوي، ممن ترجمت لهم في كتابي "نجوم العصر الذهبي لدولة التلاوة"، الذي صدر قبل خمس سنوات، ولقد ناقشت في مقدمة ذلك الكتاب العناصر المؤسسة لدولة التلاوة بمصر، إلى جانب العوامل التي أسهمت في تكوين تلك الكوكبة من عباقرة القراء، وحذرت في تلك المقدمة أيضا من انهيار دولة التلاوة، وكنت في ذلك متفقا مع الكاتب الكبير محمود السعدني (رحمه الله)، الذي رصد في كتابه الرائد "ألحان السماء" بوادر ذلك الانهيار، وهو ما طرحته د. ياسمين فراج أستاذة النقد بأكاديمية الفنون في مقالة بعنوان "أربعة أسباب لتراجع مدرسة التلاوة المصرية لصالح الخليج"، ضمن ملف في يونيو 2015 من مجلة "الهلال".


وأيا كان المسمى، "تراجع أم انهيار"، فإن ما بلغته دولة التلاوة بمصر من ترد وتراجع، لا يخفى على مختص أو متابع، ولعل في مهزلة طالب الأزهر الذي فصل من الجامعة إثر اكتشاف كذب ادعائه الفوز بالمركز الأول في مسابقة عالمية لم تعقد ولم يسمع بها أحد، في ماليزيا (الأهرام: 14 و23 فبراير 2016)، الدليل على ما بلغته دولة التلاوة من انهيار أو تراجع.


هنا أناقش الأسباب التي أدت إلى الواقع الحالي لدولة التلاوة بمصر، والذي يختلف تماما عما تحقق لها من مجد وتألق في عصرها الذهبي الأخير، وأقترح وصفة ممكنة لإخراج دولة التلاوة من عثرتها، التي نرجو، جميعا ألا تطول.


أسباب التراجع


بلغت دولة التلاوة أوج تألقها بمصر خلال عقدي الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين، بفضل مجموعة من نجوم القراء، جمّلت أصواتهم فائقة الحسن بترديد آيات الذكر الحكيم، فسحروا آذان المسلمين، وما زالوا، في مشارق الأرض ومغاربها، فإذا بعقدي الستينيات والسبعينيات، وقد خرجت فيهما، وعبر الوسائط المستحدثة آنذاك لنقل وحفظ الصوت والصورة، أصوات لا تقارن أو ترقى بأي حال لأصوات مجموعة النجوم السابقة الذكر، وكان الكاتب الراحل محمود السعدني أول من رصد ظاهرة تراجع أصوات القراء بمصر، في كتابه "ألحان السماء" بتشبيه أصوات من ظهر من القراء منذ الستينيات، بأنها كروائح "النبق والدوم والجميّز والتين الشوكي"، وهي ثمار لا رائحة لها، إذا ما قورنت بأريج الفواكه المثمرة الذي عبّر به عن أصوات مشاهير القراء ممن ظهروا قبل الستينيات. وقد عزا السعدني مسؤولية ذلك إلى اختيارات "لجنة اختبار القراء" بالإذاعة، التي لم تسلم اختياراتها لقراء الإذاعة الجدد من الهوى والغرض، بينما أرجع الشيخ أبو العينين شعيشع تراجع أصوات القراء الجدد إلى عوامل التلوث والاعتماد في الغذاء على (الفراخ البيضاء) والأطعمة والمشروبات المعلبة (عبد الحفيظ سعد: مذكرات شيخ القراء أبو العينين شعيشع، الأهرام المسائي، 7 سبتمبر 2009).


تكرر الحديث في الآونة الأخيرة عن أسباب تراجع أو انهيار دولة التلاوة في مصر، مما يمكن القول معه بأن تلك الأسباب تنحصر، وعلى وجه الإجمال في مجموعة من الأسباب:


أولا: اختيارات لجنة اختبار القراء بالإذاعة خلال عقدي الستينيات والسبعينيات، والتي جانب البعض منها الصواب، حتى قال السعدني في كتابه: "والآن ... لا أحد يدري إلى أين نسير؟ بعد أن أصبحت التلاوة بالواسطة"!


ثانيا: صعود جماعات الإسلام السياسي منذ أواخر الستينيات، وقد رفع أنصارها، على اختلاف ما يتخذون من أسماء، راية تحريم الغناء والموسيقى، وأعلنوا كراهة قراءة القرآن خارج المساجد والمنازل، وناصبوا الطريقة المصرية في التلاوة العداء، بزعم عدم شرعيتها ومجانبتها صحيح السنة.


ثالثا: انحسار الإنشاد الديني في الاحتفالات الدينية، مما أضاع مكونا من أهم مكونات القارئ المتميز.


رابع: تراجع دور مدارس علم القراءات في صقل مواهب المتميزين من طلبة مكاتب تحفيظ القرآن، وإعدادهم لاحتراف التلاوة، من خلال تلقينهم أحكام التلاوة وفنون التجويد.


خامسا: دور الفضائيات والإذاعات والعائدين من دول النفط في الدعاية لمدرسة التلاوة الخليجية ونجومها.


سادسا: تدهور الاقتصاد المصري، جراء ما خاضت مصر، منذ خمسينيات القرن العشرين من حروب وما تعرضت له من حصار ومكائد، مما أفقدها الكثير من عناصر قوتها الناعمة، والتي كانت مدرسة التلاوة المصرية في الطليعة منها.


أما سابع الأسباب فتكفلت به جماهير المستمعين إلى القرآن في المساجد والسرادقات، ممن شوهوا التلاوات بصياحهم وهتافاتهم السخيفة، وهبطوا بآداب الاستماع إلى كلام الله إلى منازل الصخب والشغب.


معالم طريق


عملت العناصر السبعة السابقة، مجتمعة، على تراجع مدرسة التلاوة المصرية عن موقع الريادة والتأثير، خلال قرابة ثلاثة عقود، هي في واقع الأمر بمثابة أضواء كاشفة لمعالم الطريق الذي يقود هذه المدرسة إلى الخروج من أزمتها التي طال أمدها، وهو طريق قوامه عناصر عدة، ذات تأثيرات مثبطة لعناصر الهدم السابقة، لعل أهمها وأولها: خروج الاقتصاد المصري من عثرته التي طالت، لأن الاقتصاد القومي هو الركيزة والأساس لكثير من العناصر المؤسسة لدولة التلاوة، والتي يعد الاهتمام بمدارس القراءات ونشرها في ربوع مصر من أهمها وأكثرها تأثيرا في تعليم القراء الجدد قواعد الطريقة المصرية في التلاوة.


ويأتي ثانيا بعد ذلك إسناد مهمة تحفيظ القرآن في المكاتب إلى ذوي الأصوات الجميلة من دارسي علوم القراءات والتجويد، وهو عنصر مرتبط بالعنصر السابق، ويمكن القول معه بدمجهما في عنصر واحد، حيث يكمل أحدهما الآخر، ويعد تحويل وجهة المسابقات المرتبطة بالقرآن الكريم من الحفظ فقط إلى الحفظ والتجويد أحد تلك العناصر. بينما يجيء تاليا في هذه العناصر دور وسائل الإعلام في اكتشاف المواهب الجديدة من القراء، وهو دور يتطلب خروج تلك الوسائل، من مرئية ومسموعة ومقروءة، إلى التجمعات السكانية البعيدة عن العاصمة، من قرى ونجوع، بدلا من الاكتفاء بالإعلان عن قراء استوديو مسجد التليفزيون.


ويأتي سادسا، ولعله يكون أولا لا آخرا، فض الاشتباك القائم بين أتباع الجماعات الدينية المتطرفة وبين الغناء والموسيقى والإنشاد الديني، ويوم أن تتحقق هذه الأسباب، مجتمعة، فسوف تخرج الإذاعة المصرية على مستمعيها بقارئ فذ جديد من أبناء إحدى القرى المصرية، يمثل بصوته الجميل وطريقته المصرية المحببة والمميزة في التلاوة، إشراقة لعصر جديد تستعيد فيه طريقة التلاوة المصرية جماهيرها في مشارق الأرض ومغاربها، تلك الجماهير التي أدمنت الاستماع للغريب من طرق التلاوة، تماما كما أدمنت التهام "الفراخ البيضاء" وتقليد كل وافد عبر الحدود.