المختصر الفصيح في ممالك الابتهالات والتواشيح

19/06/2016 - 12:10:37

صورة نادرة - الشيخ على محمود وبطانته صورة نادرة - الشيخ على محمود وبطانته

عصمت النمر - طبيب وكاتب مصري

   الابتهال كما يذكر د‏.‏ عمرو ناجي ـ الحاصل على درجة الدكتوراه في صياغة أسلوب أداء الابتهال ـ يعني في المعاجم‏:‏ الإخلاص في الدعاء‏، وهو لون فني ضارب بجذوره في التراث المصري‏. ويقول د‏. ‏إبراهيم النواوي أستاذ علم الآثار إنه ظاهرة مصرية أصيلة راسخة في وجدان المصريين منذ العصور القديمة كاحتفالات الآلهة رع وآمون وإيزيس التي صورتها جدران المعابد بالتفصيل لنشاهد فيها حاملي الأعلام والعازفين والمنشدين بمصاحبة مجموعات موسيقية‏,. ويتفق د‏. ‏علوي أمين خليل الأستاذ بجامعة الأزهر والدارس لعلم البرديات مع ما سبق‏، مؤكدا أنه وجد في كثير من البرديات نصوصا دينية تحمل الدعاء والابتهال إلى الإله الخاص بكل حقبة‏.


   الابتهالات والتواشيح فن مصرى خالص متأصل فى وجدان المصريين منذ آلاف السنين، وهى ترتبط ارتباطا وثيقا بحب الله والتقرب إليه وبالصفاء الروحى والسمو بالذات، وتطور هذا الفن وتعددت أشكاله على مر الزمن وأصبحت الابتهالات والإنشاد الدينى أفضل أنواع الأداء الموسيقي سواء فى أسلوب الأداء أو فى المقامات‏، وقد اختلف المؤرخون فى نشأة فن الابتهالات؛ فمنهم من أرجع أصلها إلى العصر الفرعونى ومنهم من أرجعه إلى عهد الدولة الفاطمية‏.


    والمستمع المدقق لترتيل الكنيسة القبطية سوف يجد خيطا يربط بين ما نسمعه من ابتهالات وتراتيل، وفى عصرنا الحالى بدأت الابتهالات الدينية فى الانتشار أواخر القرن الـ19 وأوائل القرن الـ20 مع "عصر المشايخ الأعلام" ومن أشهرهم الشيخ محمد عبد الرحيم المسلوب، إلى جانب انتشار التواشيح الدينية التى تأخذ شكل التنوع فى المقامات مع الشعر الدينى سواء أكان دعاء أو مديحا، ومن أشهر المنشدين والمبتهلين فى أواخر القرن الـ 19 وأوائل القرن الـ 20 الشيخ على محمود، الشيخ إبراهيم الفرن، الشيخ إسماعيل سكر، الشيخ طه الفشن، الشيخ محمد الفيومى، الشيخ محمد النادي، الشيخ محرز سليمان. ويدخل فن الابتهالات والتواشيح ضمن أنواع المدائح المختلفة ما بين الشعر الصوفى والدينى والدعاء، وتكون التواشيح الدينية بين الشيخ وبطانته، أما الابتهالات فتكون بالارتجال والألحان الفورية، والغناء الدينى يكون بالفصحى والعامية، وأيضا المديح الشعبى الدينى الذى ينتشر فى صعيد مصر والأقاليم.


    تتكون مفردات الابتهالات من النص والصوت الحسن والنغم والارتجال، ومعظمها ينتمى إلى أشعار مأثورة، وهى تواشيح وأشعار تتضمن العبر من سيرة النبى صلى الله عليه وسلم، إضافة إلى أن بعض الابتهالات من أشعار شاعر الرسول حسان بن ثابت أو من أشعار الصحابى عبد الله بن رواحة. وتعنى كلمة “ابتهال” فى اللغة العربية الخشوع والتضرع إلى الله لطلب العون، والتقرب إليه بالدعاء والرجاء، أما مصطلح التواشيح والموشحات من وجهة النظر اللغوية فيأتى من جمع كلمة توشيح وكذلك كلمة وشاح وأما الموشحات تأتى من كلمة موشَّح (وهما مأخوذتان من وشاح الفتاة العربية التى كانت تلبسه للزينة وللجمال) وأطلق هذا المصطلح الجمالى على هذا النوع من الشعر العربى لأنه جاء زينة لما سبقه من فنون الشعر العربى السابقة (ليس لهذا المصطلح الشعرى أو الجمالى جذور فى أيّة لغة أجنبية أخرى غير العربية)، فهو نوع من الشعر استحدثه الأندلسيون، وله أشكال مختلفة لا يتقيّد فيها النَّاظم بقافية واحدة، وغالبا ما ينتهى إلى 7 أبيات، وقد سُمّى كذلك لأنه يشبه الوشاح بأشكاله وتطريزه.


    وهناك فرق أيضا بين الإنشاد والابتهال، فالابتهال يكون دون آلات موسيقية ويعتمد على التنوع فى مخاطبة الناس من خلال مقطوعات قصيرة كذكر أوصاف النبى صلى الله عليه وسلم ثم الانتقال منها إلى الهجرة وهكذا، بينما يصاحب الإنشاد الآلات الموسيقية، ويكون بقصيدة شعرية كاملة، حيث إن الشعر الصوفى لا يترك فراغا بين المنشد.


    تأتى أهمية الإنشاد الدينى أنه حلقة الوصل بين القراءات القرآنية والغناء المتقن كما أرسى بقواعده فى عصور ازدهاره, لذا لقى الإنشاد الدينى اهتماما كبيرا من القراء والمطربين منذ مطلع دولة التلاوة الحديثة في العقد الأخير من القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين ولعل السبب فى ذلك يرجع إلى أن جميع قراء تلك الفترة ومطربيها تلقوا نوعا واحدا من التعليم الدينى الذى يشمل التوجه أولا إلى "الكتّاب" لحفظ القرآن, أو أجزاء منه, ثم يعقب ذلك دراسة علوم الدين والفقه فى الأزهر أو المعاهد الدينية فى مدن الأقاليم الكبرى كالمسجد الأحمدى بمدينة طنطا, فكان من الطبيعى أن يسبق لقب الشيخ أسماء أعلام الغناء فى تلك الفترة, لذلك عالج كثير من كبار مطربى العهد قوالب الإنشاد الدينى مثل المتعددة مثل التواشيح والابتهالات والأذان وألحان المولد النبوى الشريف وما تزخر به ليالى رمضان من سهرات الإنشاد واستغاثات السحر وتسابيح الفجر, لا بد أن تصنع فى نفس فتى حسن الصوت محب للموسيقى مثل على محمود الشيء الكثير.


    أما التوشيح فهو عمل فنّي ديني يوجد بواسطة اتحاد عملين فنّيين آخرين هما فنّ الشعر وفنّ الموسيقي وبناء على ذلك فإن للتواشيح تعريفين منفصلين هما:ـ التواشيح من حيث الشعر والأدب، والتواشيح من حيث النغمات الموسيقية.


    ومن حيث الاستعمال العام والمصطلح الشامل فإن التواشيح هي غناء ديني ومواضيعه واستعمالاته كثيرة، على شكل دعاء أو مدح للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الأطهار عليهم السلام وإمّا أنواع أخرى. ولغة التواشيح عربية صرفة إذ لا تستطيع استيعابه لغة أخرى وغالبا يكون دون مرافقة الآلات الموسيقية ويشترك في أداء التواشيح فرقة يختلف عدد أفرادها بين كثرة وقلّة وتسمى هذه الفرقة (البطانة) وقد ينفرد أحد أعضاء الفرقة بأداء منفرد جميل يضفي على التواشيح جمالا وفنّا وسحرا فيصبح الموشح قطعة فنّية جمالية موسيقية تستلذّها الأذهان وتستسيغها القلوب.


    والتوشيح هو عماد الوصلة الإنشاديّة، وهو مقابل الدور في وصلة المقام العربيّ، على أنّ الدور به أجزاءٌ جماعيّةٌ وأجزاءٌ فرديّة، أمّا التوشيح، فإنشاده بالكامل للبطانة، أي مجموعة المنشدين، ودور المنشد المنفرد هو ملء فراغات النقلات النغميّة ودور المؤدّي المنفرد داخل التوشيح لا يتعدّى دور أيّ فرد في البطانة، بل يحرص المنشد المنفرد دائما أن يكون هكذا، حتّى لا يختلّ أداء التوشيح، لكنّ دوره حقيقة هو التفريد، والتفريد هو الارتجال أثناء التوشيح بعددٍ من الطرق، أوّلها الترنّم، كالآهات، أي عدم استخدام أيّ كلام، إنّما استعمال الصوت كالآلة الموسيقيّة لإعطاء نغمٍ لا كلام فيه، والثانية هو الارتجال على كلامٍ من داخل النصّ، والثالثة هو استخدام نصّ خارج نصّ التوشيح، وعلى الأغلب يرتبط هذا النوع الأخير بمناسبةٍ ما.


الشيخ علي محمود «مؤسس فن الإنشاد الديني»


    حين تحار اللغة في إنشاء عبارة يجدر بها وصف المُعجزِ من الأشياء، تسوقنا حيرتنا إلى البحث في أقوال السابقين. وعند محاولتي صياغة جملة مفيدة لوصف صوت عمدة المنشدين وإمامهم، الشيخ على محمود، لم أجد أبلغ اختصارا من قول الشيخ عبد العزيز البشري، أحد أقطاب الأزهر الشريف بعصره الذهبي: "إن صوت الشيخ على محمود من أسباب تعطيل حركة المرور في الفضاء، لأن الطير السارح في السماء يتوقف إذا استمع إلى صوته".


    الشيخ على محمود, سيد القراء وإمام المنشدين، وصاحب مدرسة عريقة فى التلاوة والإنشاد تتلمذ فيها كل من جاءوا بعده من القراء والمنشدين. ولد سنة 1878 بحارة درب الحجازى كفر الزغارى التابع لقسم الجمالية بحى الحسين بالقاهرة لأسرة على قدر من اليسر والثراء، وبعد مدة أصيب بحادث أودى ببصره كاملا. التحق بالكتاب ويحفظ القران الكريم ودرس علومه صغيرا، حيث حفظ القرآن على يد الشيخ أبو هاشم الشبراوى بكتاب مسجد فاطمة أم الغلام بالجمالية، ثم جوده وأخذ قراءاته على الشيخ مبروك حسنين، ثم درس الفقه على الشيخ عبد القادر المزنى. ذاع صيته بعد ذلك قارئا كبيرا وقرأ فى مسجد الحسين فكان قارئه الأشهر، وعلا شأنه وصار حديث العامة والخاصة. درس علم النغمات ومعرفة أصول المقامات الموسيقية على يد الشيخ إبراهيم المغربى الذى تعلم على يديه جمهرة من أعلام مدرسة الشيوخ فى الغناء المصرى مثل درويش الحريرى, والسيد الصفتى, وأحمد إدريس، وعرف ضروب التلحين والعزف وحفظ الموشحات، كما درسها أيضا على شيخ أرباب المغانى محمد عبد الرحيم المسلوب وحيد عصره وفريد دهره فى الموسيقى. كما أخذ تطورات الموسيقى على الشيخ عثمان الموصلى وهو تركى استفاد منه فى الاطلاع على الموسيقى التركية وخصائصها.


    صار الشيخ على محمود أحد أشهر أعلام مصر قارئا، ومنشد مصر الأول الذى لا يعلى عليه فى تطوير وابتكار الأساليب والأنغام والجوابات. وصار قارئ مسجد الإمام الحسين الأساسى، وبلغ من عبقريته أنه كان يؤذن لصلاة الفجر فى المشهد الحسينى كل يوم أذانا على مقام موسيقى، فنغمة السبت "عشاق" والأحد "حجاز" والاثنين "سيكا" إذا كان أول اثنين فى الشهر الهجرى، و"بياتي" إذا كان ثانى اثنين فى الشهر و"حجاز" إذا كان ثالث اثنين فى الشهر و"شورى" على "جاركاه" إذا كان رابع اثنين فى الشهر، وكانت نغمة الثلاثاء "سيكا" والأربعاء "جاركاه" والخميس "راست" والجمعة "بياتى"، وكان يصعد منارة المشهد الحسينى الصغيرة وكان أستاذه الشيخ محمد القشيشى يصعد المنارة الكبيرة يؤديان التسابيح والأذان.


    كان الشيخ على محمود شغوفا بفن عبده الحامولى، وعرف الحامولى هذا الميل الشديد من نفس المبدع الصغير فقربه منه وكان يناديه "على الحسينى" نسبة الى الحسين رضى الله عنه. كان يعتز كثيرا بتلميذ موهوب من أفراد بطانته وتنبأ له بالمجد وتحققت نبوءته فأصبح شيخا للملحنين: لازمه الشيخ زكريا أحمد فترة طويلة ضمن بطانته ينشد معه الابتهلات والتواشيح, وكان بيت الشيخ على محمود المكان المفضل للشيخ سيد درويش عند قدومه للقاهرة ولحن للشيخ على محمود الموشح الشهير:


"ان ميلاد الرسول المصطفى / سامى المكان


خير عيد يتجلى بالصفا / فى كل آن"


    ومن أشهر النوابغ الذين اكتشفهم الشيخ على محمود القارئ العملاق الشيخ محمد رفعت الذى استمع إليه سنة 1918 يقرأ وتنبأ له بمستقبل باهر وبكى عندما عرف أنه ضرير، وتعلم الشيخ رفعت فى بداياته كثيرا من الشيخ على محمود، وصار سيد قراء مصر وصوت الإسلام الصادح فيما بعد. وتعلم على يديه الشيخ العبقرى طه الفشني الذى كان عضوا فى بطانة الشيخ على محمود وأخذ من خبرته الشئ العظيم، حتى صار سيد فن الإنشاد بعد الشيخ على محمود, والشيخ كامل يوسف البهتيمى القارئ والمنشد المعروف, والشيخ محمد الفيومى, والشيخ عبد السميع بيومى, والموسيقار محمد عبد الوهاب, وسيدة الغناء العربى أم كلثوم, والمطربة أسمهان.


    رحل الشيخ على محمود إلى جوار ربه عام 1943 تاركا عددا غير كثير من التسجيلات التى تعد تحفا فنية رائعة, ومن تسجيلاته الباقية للأناشيد والموشحات والأغانى:


ـ أشرق فيومك ساطع بسام


ـ أدخل على قلبي المسرة والفرح


ـ ته دلالا فأنت أهل لذاكا


ـ خلياني ولوعتي وغرامي


ـ السعد أقبل


ـ هتف الطير بتحلال الصبا


ـ أهلا بغزال


ـ أنعم بوصلك


ـ سل يا أخا البدر


ـ يا نسيم الصبا


ـ فيا جيرة الشعب اليماني


ـ طلع البدر علينا


ـ شكوت لخاله لما جفاني.


الشيخ طه الفشني «ملك العذوبة»


    خير خلف لخير سلف باعتباره التلميذ النجيب للمنشد المهيب الشيخ على محمود. بدأ الشيخ طه الفشنى حياته العملية مطربا، وكان بوسعه أن يستمر فى الغناء لولا النزعة والتربية الدينية التى اكتسبها من دراسته فى الأزهر, وكان لسكنه فى حى الحسين أثر كبير فى تردده على حلقات الإنشاد الدينى، إلى أن نبغ وأصبح المؤذن الأول لمسجد الإمام الحسين، كما كان يرتل القرآن الكريم فى مسجد السيدة سكينة، واشتهر بقراءته لسورة الكهف يوم الجمعة وكذا إجادته تلاوة وتجويد قصار السور.


    كان والده الشيخ طه مرسى الفشنى تاجر أقمشة من ميسورى الحال، اختار لابنه أن يكمل تعليمه بعد أن دخل الكتاب وحفظ القرآن وعمره عشر سنوات وقبل أن يبلغ العشرين أكمل تعليمه وحصل على مدرسة المعلمين وفى دراسته فى تلك المدرسة كما يحكى ابنه المستشار زين اكتشف عذوبة صوت الشيخ طه الفشنى ناظر المدرسة وأسند إليه القراءة اليومية للقرآن فى الطابور وحفلات المدرسة, وكان طموح والده أن يكمل ابنه دراسة القضاء الشرعى وبالفعل ذهب الشيخ طه الفشنى إلى القاهرة للالتحاق بمدرسة القضاء الشرعى إلا أن ثورة 1919 كانت مشتعلة, والأحداث حالت دون استقراره فى القاهرة فعاد مرة أخرى إلى بلده الفشن وإن كان اختار طريقه فذهب يحيى السهرات فى المأتم كقاريء للقرآن فى بلدته والقرى المجاورة لها.


    وبدأ يأخذ سمعه أنه قارئ للقرآن الكريم ولكنه لم يكن مضطرا للاستمرار فى القراءة للقرآن خاصة أنه من أسرة ميسورة الحال وكان شيء ما يجذبه ناحية القاهرة، فعاد إليها ومنظر حى الحسين فى خاطره. كان شيء يناديه فى القاهرة وسافر إليها مرة أخرى ليلتحق بالأزهر وغرضه أن يتعلم فنون القراءات خاصة أنه وجد نفسه وصوته يتجه به لذلك وحصل بالفعل على إجادة علم القراءات على يد الشيخ عبد الحميد السحار وأتقن علوم التجويد, وكأن وجوده فى القاهرة حوله لشيء آخر فأثناء دراسته فى الأزهر أخذه حى الحسين بعد أن اتخذه مسكنا له وكان قريبا منه فى السكن الشيخ على محمود ملك التواشيح الدينية وكان للشيخ على محمود فرقة تواشيح خاصة فعرض على الشيخ طه الفشنى أن ينضم لبطانته.


    وفى هذه الفترة كانت فرصة جيدة أن يتعلم الشيخ طه الفشنى الطرب خاصة أن الشيخ على محمود يعد مدرسة الطرب المصرى, ولكن طريق الشيخ الفشنى كان مختلفا ففى أحد الليالى بحى الحسين عام 1937 كان فى حفلة ضخمة بحضور سعيد باشا لطفى رئيس الإذاعة المصرية، وكانت علاقة خاصة تجمع بين الشيخ على محمود والشيخ طه الفشنى الذي يعتبره امتدادا له، وأعطى الشيخ على محمود الفرصة والمقعد للشيخ طه الفشنى أن يقرأ أمام رئيس الإذاعة، وبدأ يقرأ القرآن, وكان يوم تجل للشيخ طه، وغرد فيه بشكل غير طبيعى لدرجة بهرت رئيس الإذاعة، وبعد أن أنهى الشيخ طه القراءة استدعاه رئيس الإذاعة ،وقال له: "يا شيخ طه بكره لازم تكون عندنا فى الإذاعة المصرية, وصوتك لازم يأخذ فرصته ويستمع له الناس فى كل بر مصر". وفى اليوم التالى ذهب الشيخ طه الفشنى للإذاعة وأجرى اختبارا, والتحق بالإذاعة المصرية سنة 1937 وقدرت لجنة الاستماع صوته بأنه قارئ من الدرجة الأولى الممتازة وكان مخصصا له قراءة ساعة إلا ربع فى المساء فى الإذاعة.


    وكان دخول الشيخ طه الفشنى الإذاعة فرصة مهمة، إذ بدأ اسمه ينتشر وتذاع قرءاته فى كل مكان فى بر مصر نتيجة عمله بالإذاعة، وتلازم مع الشيخ مصطفى إسماعيل فى السهرة الرمضانية فى السرايا الملكية عند الملك فاروق.


    وعلى الرغم من أن نجم الشيخ طه الفشنى لمع فى عالم تلاوة القرآن إلا أنه استمر كمنشد دينى، وحانت له الفرصة عندما مرض الشيخ على محمود وكانت هناك مناسبة كل شهر هجرى تنظم الإذاعة حفل إنشاد، وطلبت منه الإذاعة أن يحل محل شيخه على محمود ولكنه رفض قبول طلب الإذاعة إلا بعد موافقة الشيخ على، وذهب إليه فقال له الشيخ: اذهب يا طه يا ابنى اقرأ انت خليفتى. وأذيعت الحفلة وازدادت شهرة طه الفشنى فى فن الانشاد الدينى فأنشأ فرقة خاصة للإنشاد الدينى عام 1942 مع استمرار عمله كمقرئ. ويحكى أنه كان يأخذ حفلات يحييها بشكل كامل، ففى الأفراح مثلا كان يبدأ بقراءة القرآن كفاتحة لليلة، وبعد أن ينتهى من التلاوة يبدأ فى الإنشاد الديني, دليلا على مساحة صوت هذا العملاق في تنوعه بين التلاوة القرآنية والإنشاد الدينى، وكان الجمهور يستمع له حتى الصباح وبدأت شهرته تتسع سواء فى التلاوة القرآنية أو الإنشاد لأنه يملك النغم وكان له صوت خاص ولقبه المختصون بملك العذوبة فى الصوت، ووصل لدرجة يطلق عليها علماء الأصوات الأكتفن أى أن صوته يصل لقمة الدرجات الموسيقية لصوت الرجال وهو ما يعرف باسم جواب الجواب.


    كما كانت لديه ميزة أخرى أنه يملك الذروة الصغرى لقرار القرار وهى الدرجة الهامسة من الصوت المنخفض التى تعطى نغما خاصا لا يملكها إلا صاحب الصوت العذب فكانت تنويعات الصوت عند الشيخ طه الفشنى مثار استغراب لأنه كان ينتقل بين جواب الجواب وقرار القرار، فى سحر رباني. وقد لحن للفشنى كبار ملحنى التواشيح منهم درويش الحريرى وزكريا أحمد وسيد شطا ومحمد إسماعيل وموسى الحريرى. وكان الملك فاروق يحرص على حضوره حفلاته وتم اختياره لإحياء ليالى شهر رمضان بقصرى عابدين ورأس التين لمدة تسع سنوات، وعندما بدأ التليفزيون إرساله كان الشيخ الفشنى من أوائل المقرئين وظهر للمرة الأولى يوم 26 أكتوبر 1963 وهو يتلو بعض الآيات من سورة مريم، وكان القارئ المفضل للزعيم جمال عبد الناصر وكذلك الرئيس أنور السادات الذى كرمه مبعوثا إلى تركيا لإحياء شهر رمضان حيث فوجئ عند زيارته لجمعية القراء الأتراك الذين أعجبوا إعجابا شديدا بتلاوته وبصوته وجعل المدعوين يستمعون إليه فى خشوع ويبكون بين الحين والآخر أثناء تلاوته، وتكريما له بعد وفاته فى الخامس من فبراير 1972 أطلق اسمه على أحد شوارع مدينة نصر بجوار مسجد الأرقم – بالقاهرة. ومن أعمال طه الفشني:


ـ اسقني في الحان راحي


ـ أنت للإحسان أهل


ـ إهدى قلبي وخاطري وضميري


ـ إذا باهى الأنام بأي هاد


ـ آخذ بالروح مني


ـ ألا زعمت ليلى بأني أحبها


ـ بشراك يا نفس


ـ لي فيك يا أرض الحجاز حبيب


ـ ترنم يا شجى الطير


ـ كن عن همومك معرضا


ـ الله زاد محمدا تعظيما


ـ السيري العطرة


الشيخ إبراهيم الفران


    كان الشيخ إبراهيم الفران قارئا للقرآن الكريم, علما من أعلام فن التواشيح والمديح النبوى فى زمنه حتى الآن, فهذا الرجل المبارك كان موسوعة فى الخلق الحسن وموسوعة فى الكرم والتواضع وموسوعة فى حب الوطن والوطنية, وكان يدعو للعلم والتعلم فى كل المجالات الدينية والعلمية والثقافية والإجتماعية وغير ذلك, وكان أيضا يقضى حوائج المحتاجين من جيبه الخاص وكان بيته مفتوحا لكل كبير وصغير للعلماء والأدباء والذين يريدون تعلم فنون وقواعد التلاوات القرآنية وقواعد تعلم فن الإنشاد الدينى والتواشيح النبوية, وكان يُصلح بين المتخاصمين وكان يدعو للوحدة الوطنية بين المصريين مسلمين ومسيحيين وكان يرفع شعار(الحب بين المصريين جميعا).


    ولد الشيخ إبراهيم الفران بحى المغربلين بالقاهرة عام 1883 وحفظ القرآن الكريم على يد الشيخ الكبير الجريسى رحمه الله وتعلم على يديه القراءات السبع والعشر وتعلم على يده العلم فى العلوم الأخرى، وقد تعلم فنون علم التواشيح والمديح النبوى وهو صغير وصار أستاذا كبيرا فى هذا الفن الطيب تعلما ومعلما وإلقاء وكان أيضا يلحن معظم أعماله.


    الشيخ الفران من مدرسة الشيخ إسماعيل سكر, والشيخ أبو العلا محمد، صاحب المؤلفات الكبرى فى فنون التواشيح والقصائد النبوية وغيرها. وقد تأثر الشيخ الفرن كثيرا بطريقتهما. وقد عاصر شيخ المنشدين وإمام القراء الشيخ على محمود والشيخ محمد رفعت وكان من أصدقائهما المقربين, وقد أحدث الشيخ إبراهيم الفران انقلابا كبيرا فى فن التواشيح والمديح النبوى حيث كان المنشدون يتحفظون إنشاد هذا الفن باللون الدينى ولكنه أدخل الفن الثقافى على هذا اللون الراقى، فبدأ بإنشاد موشحات الغزل الطيب مثل "يذوق النوم من جهل الغرام" وغيره. ومن تلاميذ الشيخ إبراهيم الفران كثيرون من مشاهير الإنشاد النبوى منهم الشيخ درويش الحريرى ومحمد الفيومى والنقشبندى والشيخ عبد العزيز حربى وغيرهم.


    توفى الشيخ إبراهيم الفران عام 1947. وقد سجلت الإذاعة المصرية الكثير من أعماله وهى موجودة فى الإذاعة حتى الآن, منها:


ـ  إلهي عبدك الجاني


ـ كم ليلة منع الغرام مناما


ـ دعوني أناجى حبيبي


ـ هيمتني في هواها


ـ بلبل الأفراح


ـ وأجمل منك لم تر قط عيني


ـ يا جامعة الحسن


ـ زها في خدك الخف


ـ أموت في حبك


ـ بدر قد لاح


الشيخ درويش الحريري "أستاذ الأساتذة"


    من الفنانين العباقرة الذين قطعوا شوطا كبيرا فى حياتهم، فلم ينحن، ولم يفتر، بل ظل شعلة متقدة لا يخبو نورها، ولا تبرد نارها. ولد فى القاهرة عام 1881، وكان ذا عقل خصب مطاوع، وأنف كبير يشير إلى كبريائه وله فم متورم الشفتين، وصوت أسدى، لا يخطئ النغم وإن لم يكن حلوا، ظل حتى آخر رمق صاحب ذاكرة حديدية مغناطيسية مكنته من حفظ القرآن الكريم ولما يبلغ التاسعة.


    نشأ درويش الحريرى محبا للموسيقى منذ طفولته، شغفا بسماعها، يتمنى جاهدا أن يكون من أبنائها، فتتلمذ على زميليه الشيخين على محمود وإسماعيل بكر، وكانا يكبرانه فى السن, فتعلم منهما ما كانا يلمان به من أصول الموسيقى. ولكنه لم يكتف، فهرع إلى كامل الخلعى وداود حسنى، محمود رحمى، إبراهيم المغربى، محمد عبد الرحيم المسلوب، والسيد محمود كحال الدمشقى، يرتشف من مناهلهم، ويحفظ ما عندهم عن ظهر قلب. وكلما رأى عند موسيقى ما ليس عنده تعلمه منه، حتى استطاع أن يبزهم جميعا ويحملهم حملا على الاعتراف له بالأستاذية والعبقرية.


    ومن العجب أن يتتلمذ عليه بعد ذلك أستاذاه الأولان علي محمود وإسماعيل سكر، وكذلك طائفة كبيرة من الموسيقيين المحترفين والهواة، يتقدمهم حسن والى، مصطفى رضا بك، صفر بك على، حسن أنور، الشيخ أبو العلا محمد، محمد عبد الوهاب، زكريا أحمد، عبد الحليم نويرة، وأخيرا أحمد صدقى الذى نهل من أستاذه الشيء الكثير. ولعل أعجب شيء فى المسيرة الموسوعية للشيخ درويش الحريرى أنه لم يكن يعزف على آلة موسيقية، ولكنه كان يصحح للجميع وضع أصابعهم على مخارج الأصوات. ولما كان راوية للجميع لألحان القدامى، فقد سجل نخبة النخبة من ألحانهم فى مؤتمر الموسيقى العربية الأول عام 1932، من كبار شخصيات الموسيقى العربية من الشرق والغرب، عربا ومستشرقين.


    كان لدرويش الحريرى ابتكاراته فى التلحين، بل فى وضع أوزان غير مطروقة، ولعله أول من لحن من المصريين من مقام حجاز كار كورد فى لحنه للموشحة شبه المعجزة «حبي زرني ما تيسر» كما ابتكر مقام صبا الحجاز لحن منها سماعيات وموشحة مشهورة. يعتد درويش الحريرى بنفسه اعتدادا كبيرا، وبعض الناس يرميه بالكبرياء والتعالى، ولعله هذا عيبه الوحيد، فلم يكن يطيق النقاش أو المجادلة، على أنه كان محل احترام الجميع نظرا لشخصيته الحازمة الحاسمة. وتوفى فى القاهرة عام 1957.


    كتب الشيخ درويش الحريرى كتابا عن الإيقاع والنغمات بعنوان "صفا الأوقات فى علم النغمات" دون تاريخ شارحا فيه دروب النغمات والمقامات وجامعا فيه العشرات من التواشيح والأدوار القديمة.


    وترك أعمالا كثيرة ومنها:


ـ شادن باللحظ


ـ طاف بالأقداح


ـ طال ليلي


ـ فاتن الغيد الملاح


ـ قام يسعى


ـ قل لمعشوق


ـ كثير النفار


ـ ليالي الوصل عندي عيد


ـ املا واسقني


ـ زارني باهي المحيا


ـ اشفعوا لي عند حبي.


الشيخ محمد الفيومي


    ولد الشيخ محمد الفيومى بحى الجمالية بالقاهرة سنة 1905 كفيفا فعوضه الله عن بصره بصوت عذب وأذن مرهفة, أهلاه ليتبوأ منازل الإنشاد الأولى، وكان والده أزهريا يعمل مصححا للغة العربية بالأزهر الشريف. درس الشيخ الفيومى بالأزهر وحفظ القرآن الكريم وتعلم أصول تجويده عن الشيخ حسن الجريسى فدفعه تكوين هذا إلى احتراف قراءة القرآن، وكانت تستهوية ألحان داود حسنى فحفظ جانبا كبيرا منها من أدوار وطقاطيق وموشحات وأصبح يجمع بين تجويد القرآن والإنشاد الدينى والغناء وحدث أن استمع إليه داود حسنى فنصحه بالإنشاد الدينى الذى رآه أنسب لصوته، واستجاب الشيخ الفيومى لهذه النصيحة وأقبل على الإنشاد مستمعا إلى أئمته وقتها، وكان الشيخ على محمود وإسماعيل سكر وسيد موسى فحفظ أعمالهم وسرعان ما لمع الشيخ الفيومى قارئا ومنشدا واكتسب تقدير كبار القرآن والمنشدين، واشتهر الشيخ الفيومى بحسن المعشر وسرعة البديهة، مما جعله محل حب وحفاوة لدى الجميع وكان بيته قبلة للأصدقاء من الفنانين والمبدعين, وهو أحد أساطين الإنشاد الدينى فى مصر والعالم العربى, بلغ فى صوته شأنا عظيما زاحم به كبار مطربى الطرب فى القرن العشرين, وهو صاحب مدرسة عريقة ومتميزة فى الإنشاد الدينى نهل منها كثير من المنشدين الذين تربعوا على عرش الغناء والإنشاد الدينى


في جلساته الخاصة مع محبيه وبمرافقة الفرقة الموسيقية، كان يعطي أجمل ما لديه ومن منا ينسى له موال "لك يازمان العجب" وهذا الأداء الساحر والذي يأخذك الى عالم من السلطنة والنشوة.


    وقد تتلمذ على الشيخ علي محمود، ولكنه لم يخلفه في أداء التواشيح وإنما خلفه في أداء الأذان من على منائر مسجد الإمام الحسين حيث أجريت مسابقة لاختيار مؤذن يخلف الشيخ على محمود بعد رحيله من الدنيا أواخر عام 1943 وفاز في هذه المسابقة الشيخ الفيومي.


    واختفلت المراجع التاريخية حول تاريخ وفاته، حيث ذكر البعض أنه توفى فى أواخر السبعينيات، وآخرون ذكروا أن وفاته كانت فى الثمانينيات. من أعماله:


ـ قم يا نديمي


ـ عادت ليالي الفرح


ـ نور النبي


ـ أسعى لخلاقي وأقصد وجهه


ـ بين التقى ومفاتن العصيان


ـ يا سيد السادات


ـ هتف الطير


ـ تجلى مولد الهادي


ـ يا مليح اللمى


ـ يحن إلى أرض الحجاز


ـ يا من يرجى


ـ يا أرشد داع إلى طريق فلاح


ـ وأصحب أمالى إلى فضل جوده.