الأدب الرمضاني في نثر شوقي والمازني

19/06/2016 - 12:06:49

د. محمد فتحي فرج - كاتب مصري

 يحفل الأدب العربى بكمّ هائل من المؤلفات التى وضعها العلماء والمفكرون والأدباء حول شهر رمضان، وحول الصيام وآدابه؛ فقد عرف أولو الرأى من أصحاب الأفهام، وحملة الأقلام من الأدباء الأعلام، وكذا الشعراء من ذوى الإلهام فضل عبادة الصيام، التى هى سر بين العبد وربه.


    فقيمة شهر رمضان المعظم. الذى شرفه الله تعالى بنزول القرآن الكريم فيه. تتجسَّد فى إصلاح الروح، والنفس، والجسم، على مستوى الفرد والمجتمع؛ ولهذا شحذ هؤلاء الأعلام هممهم، وأعملوا فكرهم، فنشطت أقلامهم، فى بيان حسن مناقبه، وجميل أفضاله، فجاءت مؤلفاتهم حوله قطعا أدبية على درجة عالية من الصدق والروعة والجمال؛ لأنهم سطروها بمهج أفئدتهم، وذوب قلوبهم، وتكوَّن محصولٌ هائل من هذه الروائع يصح أن نطلق عليه "الأدب الرمضاني" دبجته يراعة أحمد شوقي، والعقاد، والمازنى، والزيات، وزكى مبارك، وأحمد أمين، ومصطفى الرافعى وأمين الخولى، وغيرهم.


    وسننتقى هنا بعض النماذج القليلة الممثلة. بصدق وجمال. لبعض من هذا الأدب الرمضانى، وسأكتفى هنا بعلمين من أعلام الأدب العربى الحديث هما أمير الشاعر أحمد شوقي، والكاتب إبراهيم عبد القادر المازنى. رحمهما الله.


    أرى هنا أن من نافلة القول أن نؤكد على عبقرية أحمد شوقى الشعرية، فقد كان شاعرا ينطبق عليه قول القائل، فى سلفه العظيم أبى الطيب المتنبى: من أنه قد "ملأ الدنيا وشغل الناس"، بيد أن لشوقى أيضا قطعا نثرية لا تقل فى براعة حبكها وحسن سبكها، وجودة صياغتها عن عيون شعره، فضلا عما تضمنته من تعبيرات سامية، وأفكار عميقة، غير مطروقة، كما "اشتملت على معانى شتى الصور، وأغراض مختلفة الخبر، جليلة الخطر"، وقد ضمنها كتابه النثرى الوحيد "أسواق الذهب". وتمشيا مع الأجواء الروحية لشهر الصيام، نجتزئ من هذا الكتاب قطعة أدبية بلغت الغاية فى البيان، وهى بعنوان: "الصوم"، وعنه يقول شوقى:


   "حرمان مشروع، وتأديب بالجوع، وخشوع لله وخضوع. لكل فريضة حكمة، وهذا الحكم ظاهره العذاب وباطنه الرحمة، يستثير الشفقة، ويحض على الصدقة، يكسر الكبر، ويعلّم الصبر، ويسنّ خلال البر، حتى إذا جاع من ألف الشبع، وحرم المترف أسباب المتع، عرف الحرمان كيف يقع، والجوع كيف ألمه إذا لذع". (مطبعة الهلال بالقاهرة 1932).


   ولِعُمق هذه القطعة وصدقها، وحسن سبكها، وتضمينها وصفا دقيقا أمينا للصيام، وتلخيصا وافيا مختصرا فى الوقت ذاته لحكمته السامية. رغم اعتراض بعض الأدباء عليها! فقد كان الخطباء، وما يزالون، يستشهدون بها على المنابر كلما أهلّ علينا رمضان، حتى حفظناها، عن ظهر قلب، ونحن أطفال صغار، وكنا نحسبها. وقتذاك. من الأحاديث أو من مأثور القول مما ينبغى أن يُردّد فى هذه المناسبة كلما يحين أوانها، أو تهل علينا بأجوائها الروحية وفيوضاتها الوجدانية؛ ذلك أن الخطيب لم يكن عادة يشير إلى قائلها. رحمه الله.


    أما المازنى فقد كان على النقيض من صديقه العقاد. رحمهما الله. مُقِلا فى الكتابة أو الحديث حول الموضوعات الدينية المباشرة بشكل عام؛ إذ كان كما عهدناه يطلق العنان لنفسه على سجيتها حينما يتحدث عن أى شأن من الشؤون، وهكذا كان حديثه عن الصيام، فقد تحرى فيه صدق الشعور، بغض النظر عن انعكاس حديثه الصادق الصادم على الجمهور، فهكذا كان المازنى، لا يكتب أو يقول إلا ما يؤمن به ويتحمَّس له. ومن أحاديثه الإذاعية القليلة عن ذكرياته المبكرة حول الصيام، والتى استطاع الناقد الأكاديمى الدكتور عبد السلام حيدر أن يوثقها ويضمنها الجزء الأول من أعمال المازنى الكاملة التى عُنِي بنشرها المجلس الأعلى للثقافة بمصر (2006)، يقول فيه المازنى:


   "كان يسوؤُنى من رمضان الجوع الذى أكابده، والحيرة التى أعانيها، فأنا أصوم غير مأمور ولا مكلف؛ لأن الجو الذى أعيش فيه لا يسمح لى بالتفكير فى غير الصيام، ولكن معدتى جديدة شديدة الإلحاح، لا تكف عن الطلب والصخب، ولا تعبأ بألف جو كالذى هو حولى، ولكنى لا أجد ما آكل، وتحدثنى نفسى أن أخرج إلى السوق وأشترى بعض القوت، غير أنى أنظر فى يدى فألقيَها فارغة أو كالفارغة، فقد كان أهلنا يعطوننا الملاليم، ويحسبون أنهم يُسرفون، ويحاسبوننا عليها آخر النهار، ويسألوننا فى أى شىء أضعناها، كأنما كنا نبعثر ثروات روكفلر وروتشيلد، فليت أهلنا أولئك عاشوا إلى اليوم ليروا ماذا يأخذ منا أبناؤنا اليوم ولا يقنعون". ولو عاش المازنى. نفسُه. إلى يومنا هذا لهاله مقدار ما يهدر أبناؤنا من أموالنا غير مبالين، بل وغير معترفين بما نبذله من تضحيات بكل غال ورخيص من أجلهم!!


   ثم يصف المازنى ما كان يشعر به، بل ما كنا نحن أيضا نشعر به صغارا حول رمضان، بيد أننا لم نصفه أو لم نستطع أن نعبر عنه مثلما فعل الرجل حيث يقول: كان رمضان يشعرنى بالحرمان فى بقية شهور العام لا من الطعام، فإن الأكل أقل ما يعنى به الطفل. والطفل كلُ شىء يسدُّ رمقَه، وأيسر ما يجده يكفيه، وهو يستوى عنده الديك الرومى والجبن الرومى، بل لعل الجبن الرومى عنده أشهى إليه، ولكن رمضان فيه معنى الوفرة والكثرة، وفيه يكون السهر والأنس، والنور والبهجة، والتسامح والأفضال والكرم، وهذا ما لا تجده. أو يندر أن تجده. فى غير رمضان.


    ثم يقول المازنى فى صراحة غير معهودة فى كثير من الكتاب والمتحدثين إلى الرأى العام من الإذاعة المصرية:


  "وشببت عن الطوق. كما كان لا بد أن يحدث مع الأسف ما دمت قد حييت وبقيت فى الدنيا التى لا يبقى فيها شىء على حال. وصار الصيام عندى كما يصير عند الأكثرين عادة لا أقل ولا أكثر، وكنت أشعر فى صدر شبابى أنى خسرت روح الطفولة ولم أعتض منها حكمة الرجولة أو علمها وتجربتها وحنكتها وسداد نظرها، وذلك شيء لا يُستفاد من المدارس، ولا يكتسب من الكتب، ولو كان إليه سبيل من هذه الطرق لفزت منه بالحظ الأجزل والنصيب الأوفر، فقد كنت شرها نهما أقرأ كل ما تصل إليه يدى وتسمح لى مواردى بالحصول عليه، ولكن كثرة القراءة بلا مرشد، وسعة التحصيل بغير هاد مسدد، كان من نتائجها أن قمعت فى نفسى روح الطفولة قبل الأوان، وأن تخطيت عهد الشباب ووثبت إلى الكهولة دفعة واحدة، حتى لكنت أحس. بلا مبالغة. أن نفسى شابت، وكنت أستثقل الحياة وأستهول طول مدتها، وأستبطئ الأجل وأشعر أن الدهر عمرى وأنى أخو نوح وأنى أحمل عبئا. بل جبلا. من السنين الثقال، وبسرِّ هذا كله أن وثبت من الطفولة قبل أن أستوفى حظى منها إلى الكهولة النفسية، من غير أن أذوق طعم الشباب لأن بلادنا. بل الشرق كله مع الأسف. ليس فيها مجال كاف لحياة الطفولة وعهد الشباب. شباب النفس لا شباب الجسم فما لى بهذا شأن هنا. ومن أجل ذلك تروننى. إذا كنتم تروننى. أستعيد. ولا أقول أحاول فإنى أستعيد فعلا. فى كهولتى الحاضرة هذا الشباب المفقود الذى ورثته وفجعت فيه، فما يليق أن أخرج من هذه الدنيا. حين أخرج بعد عمر طويل جدا إن شاء الله. وما عرفت هذا الشباب".


    ثم يصل المازنى إلى فلسفة الصيام التى تتلخص فى فعل ما يجب لا فعل ما يروق. والإنسان الذى لا يستطيع أن يفعل ما يجب حين يجب لا يكون إنسانا، وأى خير فيمن لا يستطيع أن يفعل إلا ما يعجبه ويروقه ويطلبه ويخف عليه ولا يتعبه أو يكلفه عناء. ومن ذا الذى يعجز عن ذلك.. فالصيام من هذه الناحية رياضة وتربية تتكرر بعد فترات طويلة يفتر أثرها فى خلالها، فيحتاج الأمر إلى إعادتها وتكريرها، والتربية هنا شاملة للنفس والجسم جميعا وهذا عندى خير ما فى الصيام؛ ولهذا يوافقنى لأنى رجلٌ مولعٌ بتربية نفسى ورياضتها حتى ليخيل إلىَّ أن نفسى تعتقد أنى خصم لها وعدو رُمِيَت به.


    رحم الله المازنى، الأديب الصادق، الذى كان يقول فى صراحة وبساطة مفرطة، وبدون تفلسف مُعقَّد، وفى كلمات قصار، ما يعجز كثيرون عن قوله فى صفحات وصفحات، دون أن يبلغوا معشار ما يريد أن يقوله الرجل فى هذه الكلمات! وهذه إحدى سمات الشاعر. وقد كان المازنى أيضا شاعرا هجر الشعر بإرادته. الذى يستطيع أن يكثف معاني كثيرة فى كلمات قصيرة مثلما رأينا فى صدر هذا المقال حينما أوردنا كلمة أمير الشعراء حول الصيام.