لونيات رمضان الغنائية .. لوحات تشكيلية عابرة للأجيال

19/06/2016 - 12:05:38

على إسماعيل ونبيلة قنديل على إسماعيل ونبيلة قنديل

د. رانيا يحيى - عازفة وكاتبة مصرية

    يطل شهر رمضان الكريم كل عام بظلاله وجماله وجلاله؛ فهو شهر الروحانيات التى نستشعرها مع قدوم الليالى الأخيرة من شهر شعبان استقبالا لهذا الشهر المبارك، ونستزيد بهجة وفرحة شوقا لرمضان وخاصة مع سماع مجموعة من الأغنيات التى كانت تعبر عن جيل كامل وثقافة شعب بأكمله، مع اختلاف شرائحه الاجتماعية، حيث خلقت حالة جمالية وجدانية سيكولوجية تعمل على توحيد القاصى والدانى بمنتهى الصدق والتعبير، برقة الكلمات وبساطتها واستخدام ألفاظ وتعبيرات متداولة، فهى انعكاس حقيقى لواقع تستشعره الأغلبية العظمى من الشعب المصرى، أيضا الطبيعة الدينية الفطرية للمصريين، فجاءت الأغنيات ترجمة واقعية وكأنها إقرار بمشاعرهم الصادقة، وكان الجمال هو السمة السائدة التى توارثناها جيلا بعد جيل لتظل هى أيقونة هذا الشهر الفضيل.


    ورغم مرور عقود على انتشار هذه الأغنيات الرمضانية إلا أننا نتغنى بها إلى الآن، ونسعد بسماعها وكأنها وليدة جديدة كل عام، وهو ما يثبت جمال وإتقان الفن الحقيقى الذى يحيا بآثاره دون طمس أو تحريف مهما مرت الأعوام، فأطفالنا لم يعاصروا على سبيل المثال أغنية "وحوي يا وحوي" إلا أنها تشع البهجة والفرحة وترتبط فى أذهانهم بفانوس رمضان. وأود أن أقف عند هذه الأغنية التى تتسم بالبساطة الشديدة فى اللحن والأداء، ورغم ذلك تعد من أروع ما غنى لرمضان وظل عالقا بالفؤاد. فالأغنية تراثية رائعة ارتسمت فى خيالنا بهدوء صوت أحمد عبد القادر، واستلهم المؤلف حسين حلمى المانسترلى الكلمات من مخزون الفولكلور الشعبى المصرى الذى يمتد عمقا إلى عصر أجدادنا الفراعنة، فهى ذات كلمات تتوغل فى القدم يصعب تحديدها زمنيا بدقة، وكانت تُغنى مع كل الشهور القمرية إلى أن جاء عهد الفاطميين ودخلت الفوانيس للاحتفال بشهر رمضان فارتبطت بهذا الشهر فقط. واستخدم المؤلف كلمات تعود للغة المصرية القديمة والتى ظلت مستمرة على امتداد العصور وكذلك بعض كلمات متداولة بين الأطفال فى ليالى رمضان.


    تعتمد هذه أغنية على تيمة موسيقية لحنية وضعها أحمد الشريف فى مقام الهزام وهو مقام شرقى الطابع، واللحن مونوفونيك أحادى يؤديه التخت الشرقى، والبعد الجمالى هنا نتذوقه بسهولة دون حاجة لفهم أو دراسة لاختراقه الوجدان من بساطة الأداء والصوت التلقائى للمطرب بلا تصنع فى طبقة صوتية متوسطة تشعرنا وكأنه يتحدث، فالأداء أشبه بالرسيتاتيف أو الإلقاء المنغم، كما يزيد الرؤية الجمالية واقترابها من وجدان الجمهور مجموعة الأطفال الكورال أثناء الرد على المطرب وأصوات الأطفال تعكس حالة البهجة ببراءة الأطفال، فتبالغ فى الحالة التلقائية والحسية البديعة، ويظل اللحن فى المقام نفسه، ويتصاعد لحنيا حتى يصل إلى "شهر مبارك وبقاله زمان" فيلمس الملحن مقام الصبا ذا الثلاثة أرباع النغمة والطبقة الصوتية تميل للحدة، بعدها ينتقل لمقام الهزام، ومنه للصبا مرة أخرى مع نفس السجع الموسيقى للكلمات فى "جيت بجمالك سقفوا يا عيال". ودائما يعود للمقام الأساسى للأغنية الهزام.


    الأغنية فى مجملها لوحة بسيطة رقيقة يسهل ترديدها وهو ما أصبغها بهذا التلوين الجمالى المسيطر علينا وعلى كل الأجيال العاشقة لها حيث استطاعت أن تخاطب الوجدان بمنتهى الصدق، وحققت نجاحا منقطع النظير حتى وقتنا الحاضر لأنها أغنية طربية ذات سرعة متوسطة تميل للبطء فى مقام شرقى صرف، وظهرت لجمهور متذوق محب للاستماع وكانت تتناسب مع فرحة الاستقبال بالشهر الكريم فظلت عالقة بالأذهان.


رمضان جانا


    ومن أجمل ما غُني قدوما لرمضان أغنية "رمضان جانا" بكلماتها الواضحة المعتمدة على الوصف المباشر والتى تعد إحدى علامات الشهر الفضيل، وجعلت من صوت مطربها دلالة قوية لمجيء رمضان حيث ارتبط صوته فى وجدان الأجيال المتعاقبة بشهر رمضان، واللحن من البداية إلى النهاية وحدة لونية متكاملة فى سياق متماثل يميل إلى الخفة والنشاط فى المقدمة الموسيقية التى تستبق دخول المطرب وخاصة مع المساحة الصوتية العالية التى تؤدى فيها آلات التخت وعلى رأسها الفيولينة والناي، وإيقاع الفوكس فى البداية أصبغها بحالة جمالية تستمد منه رقتها ورشاقتها، واستطاع الملحن الكبير محمود الشريف أن يترجم سعادة البشر وفرحتهم بمجيء الشهر المعظم، وعبر أداء المطرب محمد عبد المطلب ببساطته وروعته وهدوئه وتلويناته الصوتية عن الكلمات البديعة لحسين طنطاوي بدون مبالغة أو انفعال فكانت خير معبر بتلقائية، فلم نشعر بغربة مع اللحن السلس أو الكلمات أو الأداء التطريبي لعبد المطلب، وهو الثالوث المكون لأي أغنية، إذا تكامل وحدث الهارمونى والتناغم بين أضلاعه نجحت الأغنية وتربعت فى قلوب عشاقها.


    ويرتكز لحن الأغنية على مقام العجم، وهو السلم الكبير فى الموسيقى الغربية، ويتيمز هذا المقام بسهولة الانتقال منه وإليه، فيقوم الملحن بلمس مقامات ذات طابع شرقى مثل الراست، وكذلك الحجاز والنهاوند بلمحتهما الشجنية، لكنه سرعان ما يعود للمقام الأساسى العجم. واستخدم محمود الشريف بجانب إيقاع الفوكس البسيط إيقاع المصمودى الصغير الذى ينتمى لعائلة إيقاع المقسوم، ومن أجمل ما فى أداء عبد المطلب البساطة وأسلوبه الشبيه بالإلقاء المنغم رغم المصاحبة الموسيقية إلا أنه أداء فطرى تلقائى، وهدوؤه فى الغناء يشعرنا بالتراث والقيمة الحقيقية لهذه الأغنية التى تستمد رحيقها من زمن الفن الجميل، أيضا أدائه الجليساندو الهابط المعبر والتلوينات النغمية بصوته والتى قد تحول أن تؤدى بنفس البراعة من مطربين آخرين. ودعم الكورال التلوينات الجمالية للأغنية وجعلها تطل علينا بأصوات تتكاتف وتتآزر معبرة عن الفرحة برمضان. ومن الطريف أن عبد المطلب كان يعتبر هذه الأغنية أهم من بيان المفتى لما لها من تأثير على نفوس جموع الشعب المصرى والعربى.


مرحب شهر الصوم


    رائعة عبد العزيز محمود "مرحب شهر الصوم" من أجمل الأغنيات التى نسعد بسماعها وترتبط وجدانيا بالحالة المزاجية للشعوب العربية التى تحتفى بقدوم هذه الأيام المباركة، وأبدع عبد العزيز محمود فى لحنها وغنائها بصوته العذب وقدرته الصوتية المتميزة وتلويناته النغمية فى الأداء والتى تعكس الرغبة فى مزيد من الترحيب بالشهر الفضيل، وهو ما يضفى على الأغنية جمالا مضاعفا، فإن كانت الكلمات تحمل هذا الترحيب بشكل واضح ومباشر إلا أن اللحن كذلك خرج فى مقام الهزام، وهو كما أسلفنا من المقامات التى تساير هذا الجو الشعبى فى الغناء والمعبر عن البيئة المصرية ببساطتها وتلقائيتها.


    ونلاحظ أن أكثر من أغنية رمضانية اعتمد ملحنها على هذا المقام لما له من طبيعة تتلاءم مع هذه المناسبة الدينية الروحانية عند المسلمين، وقد دعم الملحن هذا البعد الجمالى بوجود الكورال الذى ظل يناجى رمضان مرددا "يا رمضان" فى طبقة صوتية توحى بالمرح والتفاؤل بالأصوات النسائية التى تؤكد على البهجة الرمضانية وتناجيها، كما كان لحالة التناقض ما بين طبيعة الأصوات النسائية الحادة وصوت المطرب بغلظته وقوته وذكوريته انعكاس واضح على تدعيم الأثر الجمالى للمتلقى. ويستم أداء الفرقة بالبساطة وخاصة مع المقدمة الإيقاعية التى أفردها الملحن للأغنية والتى تربطها بالجو المصرى الشعبى ليس فقط باستخدام المقام الموسيقى وإنما بالتوزيع الآلى داخل الفرقة فنجد الإيقاع المنفرد فى البداية أصبغها بلون مبهج وزاده دخول آلة الناى الشرقية بصوتها الدافئ، وإن كانت فى طبقة صوتية حادة إلا أنها ترتبط وجدانيا باللمحة الشرقية، ومع مشاركة باقى آلات الفرقة تكتمل الصورة الغنائية بالصوت الغنائى المحبب لعبد العزيز محمود، وأدائه السهل فى الغناء يجعل الأغنية على مقربة من القلوب، والزخارف اللحنية التى يؤديها المطرب مع تطويل بعض النغمات فى تماهى مع الكلمات تشعرنا ببساطة اللحن ورقته، ومع أدائه لبعض الجمل التى يسبقها الإيقاع المنفرد تشعرنا بالأداء الحر المقيد بالإيقاع فقط، وترديد الكورال يزيد الأغنية بهاء وجمالا. وتختتم بصوت المطرب بأداء رقيق يتناسب مع نهاية الأغنية فى هبوط صوتى ولحنى معا.


    وتتأثر القاعدة العريضة من الشعب مع الأغنية لما لها من خصائص كفن سريع التواصل مع الجمهور بقدرة وفاعلية، حيث يسهل ترديدها فى أى زمان ومكان، بالإضافة لجودتها والتوافق ما بين عناصرها المكونة مما يجعل الرؤية الجمالية أكثر عمقا، ولذا غالبا ما نراهن على استمرارها وبقائها.


    وهناك الكثير من الأغنيات التى تجذب الجماهير مثل "أهو جه يا ولاد" التى شدت بها فرقة الثلاثى المرح من كلمات نبيلة قنديل وألحان زوجها علي إسماعيل، وتعتمد على تلقائية الكلمة وبساطتها واللحن مميز وتذاع عبر القنوات والإذاعات فى هذه المناسبة وصارت إحدى علامات الشهر الكريم.


    ومع توديع الأيام المباركة أتذكر دائما أغنيتين لهما فى النفس أجمل الأثر، هما "تم البدر بدرى" لشريفة فاضل ونشعر فيها بوداع هذا الشهر الذى فضله الله على شهور السنة ببركته، وصوت المطربة رائع فى أدائها وإحساسها، كما تدمع الأعين فى ختام شهر رمضان المعظم ونستشعرها بصوت الفنان المبدع محمد رشدي بصوته القوى "والله بعودة يا رمضان"، وكأنه يناجى الشهر الكريم ويرجوه العودة، وحينما تتوارى الأحاسيس والمشاعر وتظل خبيئة داخل النفوس ونجد من يعبر عنها فى كلمات ولحن أغنية بأداء صادق يحدث الشعور الجمالى والترجمة الحقيقية لهذه المشاعر التى تعلن عن الإفراج عن حبسها وكبتها داخل النفس لتنطلق فى الشعور الجمعى معلنة عما بداخلها.


    ورغم وجود العديد من الأغنيات الأكثر حداثة لتتواءم مع هذه المناسبة الجليلة إلا أن تلك المحاولات لم ترق بالوصول للحالة الفنية والوجدانية لهذه الأغنيات التراثية فقد يكون ضعف الكلمات أو الألحان أو عدم بلوغ الصوت الغنائى حد الاكتمال أو الجاذبية الجمالية فى نبرة صوت المطرب، وقد يكون من ضمن الأسباب رغبة القائمين على صناعة الأغنية فى البقاء والخلود، وهو ليس بهدف وإنما هو الإبداع الحقيقى والجمال القابع فى مكنونه هو الذى يضفى النجاح ويفرض الاستمرارية. فقد استطاعت هذه التلوينات الغنائية الرمضانية التراثية أن تحقق سعادة فى جميع الأوساط على اختلاف ثقافتها ومستواها الثقافى والاجتماعى حيث لملمت شمل الجميع فى مناسبة دينية عظيمة ننتظرها جميعا لما فيها من خير وبركة وضياء، وهنا يأتى دور الفنون فى ترجمة الشعور الجمعي وتوجيهه إيجابيا، وبالفعل كانت ولا تزال أغنيات رمضان من أجمل ما قدم كأغنيات ترتبط بمناسبة معينة، وحققت التوازن النفسى مع الجمهور كما حققت الشهرة لأصحابها وأكدت أن الأغنية حية بكلماتها وألحانها وأدائها الصادق، فقد كانت كل أغنية بمثابة لوحة تشكيلية رائعة بمادتها وتلويناتها فأصبغتها بجمال حسي ليس له مثيل من الإبداع والروعة جعلتها محفورة فى الوجدان. وإن كانت المادة اللونية تختلف حسب خامتها ورغبة الفنان فى صياغتها وتكنيكها. الأمر كذلك فى الأغنية؛ فالمقام الموسيقى والآلات الموسيقية المشتركة وصوت المطرب والكورال إن وجد هى الأدوات التى تعتمد عليها الأغنية، وكلما تآزرت هذه الأدوات وتكاملت فى خلق لوحة متفردة كلما ظلت فى المخزون العقلى حبيسة الفؤاد كى تتعاقبها الأجيال معلنة عن عشقها لهذه الحالة الجمالية بكل ما فيها من فن ورقيّ.