النقد الثقافي ودوره في تفكيك شفرات المعنى

19/06/2016 - 12:03:33

أزراج عمر - شاعر وكاتب جزائري

تولي الدراسات الثقافية المعاصرة أهمية خاصة لظاهرة التمثيلات الواعية أو اللاواعية التي تحفل بها الثقافات في المجتمعات البشرية، ويتجسد هذا الاهتمام بشكل استثنائي في كتاب "التمثيل: التمثيلات الثقافية والممارسات المنتجة للمعنى" الذي أشرف على تحريره أحد الرواد المؤسسين للدراسات الثقافية في الغرب وهو ستيوارت هول، وأسهم فيه عدد من الدارسين البارزين المتخصصين في هذا الحقل المعرفي وهم بيتر هاملتون، وشون نيكسون، هنريته ليدشي، كريستين جليد هيل، جاسيكا إفنز.


في هذا الكتاب سعي لتحليل جملة من المفاهيم وتسليط الضوء على عنقود من النظريات التي يقوم على ركائزها النقد الثقافي الغربي في أنصع صوره. من بين المفاهيم التي درست في هذا الكتاب القيّم مفهوم تحليل التمثيل وما يتصل به من إشكاليات المعنى واللغة والكيفية التي يتم تمثيل الناس وأشياء العالم بواسطتهما. وزيادة على هذا فإن المساهمين في هذا الكتاب يناقشون النموذج اللغوي الذي دشنه عالم اللسانيات فرنان دي سوسير، كما يحللون زيادة الكيفيات التي تشتغل بها السيميائية في فضاء الثقافة الأسطورية والشعبية والرسمية إلى تحليل الخطاب والقوة ودورهما في تشكيل الذاتية. إنه بهذا الجهاز النظري المتعدد يسعى ستيوارت هول وزملاؤه إلى تفكيك المنظورات والمفاهيم التقليدية في الثقافة والفكر والفن والسياسة وهم بذلك يعيدون النظر في مفاهيم الهوية، والذكورة، والنوع، وفي تحيز الفلسفة وسياسات التمثيل ودورها الحاسم في إنتاج وترسيخ علاقات القوة.


في مقدمته للكتاب ينطلق ستيوارت هول في سبر العلاقة القائمة بين التمثيل واللغة ويطرح بهذا الخصوص الأسئلة التالية: ما هو مفهوم التمثيل؟ كيف يرتبط التمثيل باللغة وما هي خصائص العلاقة القائمة بينهما؟ ثمَ هل يكون إنتاج المعنى عملا محايدا أم أن المعنى وعمليات إنتاجه مرتبطان بالمصالح الطبقية والسياسية وبعلاقات القوة في المجتمع وأي مجتمع؟ منذ البداية يؤكد ستيوارت هول أنَ اللغة ليست كيانا محايدا وتجريديا وإنما هي ظاهرة تؤسسها علاقات القوة وتوظف للحفاظ على هذه القوة. في التحليل الأخير، فإن المسألة هنا تتعلق بالمعنى "المشترك" الذي تحاول كل طبقة أن تستخدمه وأن تسوغه وأن تضفي عليه الشرعية في قلب عمليات فرض الهيمنة. من المعروف أن اللغة تلعب دور الوسيط الذي يعطي معنى للأشياء، وبخصوص هذه المسألة بالذات يفترض ستيوارت هول أن الأشياء في حد ذاتها لا تتوفر على معنى معطى قبلي، وموجود هناك في المجتمع على نحو غير تاريخي بل إنه يؤكد أن المعنى هو قيد الصنع والتحول دائما، ويمكن لنا القول هنا إن المعني مبني أيضا مثل الطبقة، أو القبيلة، أو الطائفة، أو الشريحة الاجتماعية، ويعني هذا أن لكل معنى من المعاني تاريخا معلنا حينا ومكبوتا أحيانا كثيرة، وأن غاية النقد الثقافي هي تفكيك الشفرات الواعية واللاواعية لكل هذا الكيان المتداخل والمعقد الذي ندعوه بالمعنى، وتبيان كيف تستخدم اللغة في معارك الصراع السياسي، والاجتماعي وفي عمليات صنع الشرعية لضمان الهيمنة، وهكذا يحتل التمثيل كمفهوم وكآلية لفرض الاستقطاب والسيطرة مكانة مهمة في السياسات الثقافية، ونظرا لذلك فإنه من الصعب أن ندرك كيف يشتغل النقد الثقافي والدراسات الثقافية والدراسات الأدبية والدراسات السياسية بدون الإلمام بمفهوم وأنظمة ونظريات "التمثيل". إنه من الضروري أن ندرك منذ البداية أنَ مفهوم التمثيل مشروط أيضا بإدراك كيف يولد المعنى وكيف تشتغل اللغة، ولا شكَ أننا نجد أنفسنا هنا أمام قضايا مهمة متشابكة ومعقدة فعلا وينبغي علينا أن ندرسها بهدوء وعناية وعمق معا.


يحتل مفهوم "التمثيل" Representation مكانة خاصة في مجالات مختلفة من الحياة البشرية وفي النقاش الفكري والثقافي والسياسي منذ أيام الفيلسوف أفلاطون مرورا بالفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز إلى عصرنا هذا، ويرى الدارسون أن معاني كثيرة قد أعطيت لهذا المفهوم وخاصة في النظرية السياسية الأوروبية والأمريكية. وبهذا الخصوص تلاحظ الدارسة "حنه فينيشيل بيتيكن" في كتابها "مفهوم التمثيل" أن هناك التمثيل الوصفي والتمثيل الرمزي، وهناك مفهوم التمثيل الليبرالي والتمثيل السياسي وهلمَ جرا. نظريا لأهمية هذا المفهوم فإنه حريّ بنا أن نسرع الخطى ونقول إن مفهوم التمثيل لا يتضمن فقط أبعادا معرفية مجردة كأن تمثل الدوال Signifiers عالم الطبيعة، وأفعال الإنسان ذات المضمون الثقافي وكفى، بل إنها تتضمن أيضا بعدا سياسيا. وفي هذا السياق بالذات نجد ستيوارت هول يعتقد جازما أن الثقافة هي قضية سياسية بدون ريب، كما ينقل عنه الناقد الثقافي الأنجلوفوني جيمس بروكتر في كتابه الذي يحمل عنوان "ستيوارت هول".


وبمعنى آخر فإن الثقافة عند ستيوارت هول حسب تأويل بروكتر "ليست ببساطة الشيء الذي تقدره أو تدرسه، وإنما هي أيضا الموقع المحفوف بالمخاطر للفعل والتدخل الاجتماعيين حيث تكون علاقات القوة مؤسسة وغير مستقرة على نحو محتمل". ما هو التمثيل إذن؟ ففي دراساته المعنونة "التمثيل: المعنى واللغة" يقول ستيوارت هول إن "مفهوم التمثيل أصبح يحتل مكانا جديدا ومهما في دراسة الثقافة، فالتمثيل يربط المعنى واللغة بالثقافة"، وهنا نجده يتساءل عن سبب ذلك وعن العلاقة بين الثقافة وبين هذا المفهوم ثمَ يجيب أن "التمثيل يعني استخدام اللغة لقول شيء ما له معنى عن العالم أو لتمثيل العالم للناس الآخرين على نحو له معنى". هل هذا كل ما في الأمر؟ يتساءل ستيوارت هول، ثم يجيب مرة أخرى بنعم وبلا في آن واحد. إنه يمكن لنا توضيح المقاصد التي يتضمنها كل من "نعم" و"لا" في هذا السياق بعدد من الجمل التالية، ووفقا لما يقترحه ستيوارت هول نفسه: فالتمثيل هو "جزء أساسي من العملية التي بواسطتها يُنتج المعنى ويُتَبَادَلُ بين أعضاء ثقافة، وإنه يتطلب استخدام اللغة والعلامات والصور التي تقوم مقام تمثيل الأشياء".


إن هذا التعريف لمفهوم التمثيل في رأي ستيوارت هول جزئي وغير كامل، ولكي يستوفي شروط إشباع الإشباع أو يحقق الاكتمال فإنه ينبغي الإجابة عن هذا السؤال المطروح علينا بقوة وإلحاح وهو: "كيف يربط مفهوم التمثيل المعنى واللغة بالثقافة؟


قبل أن ندرس الصيغ التي يقترحها ستيوارت هول للإجابة عن هذا السؤال الجوهري يليق بنا التذكير أن هذا المفكر ينطلق من فرضية أساسية وهي أن اللغة تبني المعنى، وأنها تعمل كنظام تمثيلي. فما المقصود بهذه العبارات؟ يلخص ستيوارت هول قاصده قائلا إننا نستعمل العلامات والرموز سواء كانت أصواتا، أو كلمات مكتوبة، أو صورا منتجة إلكترونيا أو نوتات موسيقية، أو حتى أشياء لكي تدل أو لكي تمثل لأناس آخرين مفاهيمنا وأفكارنا ومشاعرنا. فاللغة، سواء كانت مكتوبة أو شفوية، إلى جانب أشكال أخرى من اللغات وفقا لهذا التنظير، هي الوسائط التي من خلالها وبواسطتها يتم تمثيل الأفكار والمشاعر والمواقف والذكورة والأنوثة في "ثقافة" من الثقافات.


نظريات التمثيل


في البداية ينبغي علينا تقديم مزيد من التعريفات لمفهوم "التمثيل"، وللكيفية التي يعمل بها نظرا لأهميته المركزية في النقد الثقافي، وفي فهم الثقافة وفي إدراك علاقات التواصل بين البشر في أي مجتمع. بهذا الخصوص أريد أن أقول مباشرة إننا لا نستطيع أن نقدم أفكارنا للناس بدون اللغة والتمثيل، وهنا نتساءل: كيف يحصل التمثيل إذن؟ لكي نجيب عن هذا السؤال ينبغي علينا أن نستمع إلى المفكر ستيوارت هول الذي يقدم هذا المثال من أجل التوضيح: "إذا قمت بوضع الكأس التي تحملها بين يديك وخرجت من الغرفة فإنك تبقى قادرا على التفكير في تلك الكأس رغم أنه لم يعد موجودا فيزيائيا هناك. وفي الواقع فإنك لا تقدر أن تفكر بالكأس وإنما تستطيع فقط أن تفكر بمفهوم الكأس. وكما يقول علماء اللسانيات فإن "الكلب ينبح" ولكن "مفهوم" الكلب لا يستطيع أن ينبح أو يعضّ"، ونستنتج مما تقدم أن الكلمة هي العلامة، وأن "التمثيل هو نتاج المعنى والمفاهيم التي توجد في أذهاننا من خلال اللغة". بالإضافة إلى ذلك فإن الربط بين المفاهيم وبين اللغة هو الذي يمكننا من الإشارة إما إلى عالم الأشياء الحقيقي، والناس، والأحداث أو إلى العالم المتخيل للموضوعات الخيالية والناس والأحداث".


بعد هذه التوضيحات التي يقدمها ستيوارت هول نعلم أن هناك عمليتين ونظامين من التمثيل يمكناننا من تأويل العالم وتنظيمه، فما هما تحديدا؟ يسمي ستيوارت هول النظام الأول بنظام التمثيل الذي يعني في نهاية المطاف ذلك النظام اللغوي الذي يجعلنا نربط "جميع أنواع الأشياء والناس والحوادث بمجموعة من المفاهيم أو التمثيلات الذهنية التي نحملها في رؤوسنا" وإنه "بدون هذه المفاهيم لا نقدر أن نؤول العالم". وفي هذا السياق يؤكد ستيوارت هول أن عمليات التواصل بين الناس تستدعي التشارك في ترتيب وتنظيم المفاهيم في إطار الثقافة المشتركة وبدون ذلك فإن التواصل يبطل، كما يوضح أن تنظيم العلامات في اللغة هو الذي "يمكننا من ترجمة أفكارنا [مفاهيمنا] إلى كلمات". أما النظام الثاني فيعتمد على "بناء مجموعة من التماثلات [التطابقات] بين الخريطة المفهومية وبين مجموعة العلامات وترتيبها وتنظيمها في اللغات المتنوعة التي ترمز أو تمثل تلك المفاهيم. إن هذه العلاقة بين الأشياء والمفاهيم والعلامات تكمن في قلب إنتاج المعنى في اللغة. أما العملية التي تربط هذه العناصر الثلاثة فندعوها بالتمثيل". ويخلص ستيوارت هول إلى القول بأن أبناء الثقافة المشتركة ينبغي أن يشتركوا أيضا في الخرائط المفهومية وأنظمة اللغة والشفرات "التي تتحكم في علاقة الترجمة بينهم"، ويضيف مبرزا أن "الشفرات تثبت العلاقة بين المفاهيم والعلامات". بعد هذه المقدمة المختصرة التي يبين فيها ستيوارت هول كيف يعمل التمثيل، وما هي الشروط الضرورية التي يجب أن تتوفر حتى ننتج المعنى في إطار ثقافة مشتركة، ننتقل الآن إلى سبر نظريات التمثيل.


مقاربات التمثيلات الثلاث


في نظر ستيوارت هول هناك ثلاثة مقاربات نظرية للتمثيل وهي المقاربة القصدية، والمقاربة العاكسة، والمقاربة البنائية أي المقاربة التي بواسطتها يبنى المعنى.


    يزعم أصحاب المقاربة العاكسة أن المعنى موجود في عالم الأشياء والناس والأحداث بمختلف أنواعها، كما يحاججون أيضا أن مهمة اللغة تتلخص في أنها مجرد وعاء شفاف ينعكس العالم الذي يوجد فيه. من الطريف وأصحاب هذه المقاربة يدعون بالجوهرانيين وتعني الجوهرانية أن العالم متكون من الجواهر الثابتة، وأن ما يفعله الإنسان هو أن يقلدها بواسطة اللغة فقط وذلك عن طريق المحاكاة. تاريخيا يعتبر أفلاطون الفيلسوف الذي أسس هذه المقاربة النظرية ودافع عنها في مؤلفاته الفلسفية وخاصة في كتابه الشهير "الجمهورية"، ولكن هذه النظرية لا تصمد أمام النقاش لأن الحضارات المتعددة لا تقول شيئا واحدا، بل فإنها تنتج تجارب متنوعة ومختلفة في ميادين الآداب، والمعمار، والفلسفة وأنماط الحكم والدين والزراعة الخ أما عندما تتحاور وتقيم التناص فيما بينها فإنها تنتج هجينا مركبا متعدد السمات. لو أن الجواهر هذه موجودة قبليا وعلى نحو نمطي مكرر في كل الثقافات لأصبحت هذه الثقافات متشابهة بالكامل. ولكي يتم دحض مزاعم الجوهرانية لا بد من القول إن العلاقات الزوجية في الحضارات المنتمية إلى المجتمعات المشاعية متباينة في الشكل وفي المضمون عن العلاقات الزوجية في المجتمعات البطريركية، أو في المجتمعات الرأسمالية، كما أن المعنى الذي يعطى في المجتمعات الوثنية للوثن يتباين مع المعنى الذي يعطى له في المجتمعات الدينية التي تدعى بمجتمعات أهل الكتاب.


أما المنافحون عن المقاربة القصدية فيرون أن المتكلم أو الكاتب أو الرسام يعبر فقط عن المعنى الذي يقصده، وينطلقون من فرضيّة أن المتكلم أو الكاتب هو حيوان ناطق وقادر على ممارسة الرقابة المطلقة على وعيه و"لا وعيه"، وأنه في آن واحد هو صاحب ملكية ما ينتجه، ويعتقدون أيضا أن النصوص المنتجة لا علاقة لها بالمؤثرات التاريخية التي جاءت من الخارج إلى منتجها. كما نرى فإن المدافعين عن هذه المقاربة يقصون تأثيرات التاريخ كما يقصون سلطة اللاوعي ويديرون بالظهر للموروث الذي يمارس تأثيرات مباشرة وغير مباشرة على المتكلم أو على الكاتب. بعكس فرضيات أصحاب المقاربة القصدية يرى علماء اللغة الذين يعتقدون في سلطة اللغة على صنع التاريخ حيث ينطلقون من فرضية مفادها أن الإنسان لا يولد وهو مجهز باللغة، بل فإنه يولد ثم يدخل فيما بعد إلى مسرح لغة محيطه، أي محيط عائلته أولا، ثم إلى محيطه الاجتماعي المصغر، ثمَ يشرع في بناء العلاقات بمحيطه الأوسع بواسطة استخدام اللغة السائدة فيه وبذلك يدخل في المرحلة الرمزية التي تساهم في تشكيل ذاته، وتجعل منه حيوانا اجتماعيا يتحرك ضمن بنيات أخلاقية وثقافية لا يمكن أبدا إنكار دورها في بناء وعيه ولا وعيه. وهنا ينبغي الانتباه إلى محاجة هؤلاء التي تؤكد على دور اللغة في تشكيل الذوات. فالذات، سواء في جزئها الواعي أو اللاواعي، هي ظاهرة تاريخية وبقدر ما يؤسسها السجل الرمزي بما في ذلك اللغة بأوسع معانيها من علامات، وشفرات ودوال مختلفة فإن صنع حرية هذه الذات مشروط بالتعديلات التي تدخلها على ذلك السجل الرمزي.


    ننتقل الآن إلى المقاربة الثالثة المدعوة بالبنائية التي يعتبرها ستيوارت هول بمثابة المنظور الذي يترك تعتمده الدراسات الثقافية. فماذا يعني بهذا؟ منذ البداية يرى أصحاب هذا المنظور البنائي أن الأشياء ليس لها معنى بمعزل عن اللغة وهذا يعني أن المعنى لا يوجد مسبقا في أشياء العالم وفي الحوادث بل إننا نحن الذين "نبني المعنى" ونصنعه وذلك وفقا للسياق والظروف والانتماء الطبقي وليس على أساس عرقي وهلم جرا.


    إن هذا المنظور يجعل التاريخ منتصرا حيث ندرك من خلاله أن كل ظاهرة ثقافية، أو اجتماعية، أو اقتصادية هي إنتاج تاريخي، وأن "الذات" هي إنتاج تاريخي أيضا وليست جاهزة أو مكتملة، بل هي قيد الصنع دائما كما تقول المفكرة جوليا كريستيفا.