القُبلة

19/06/2016 - 11:59:17

قصة: كيت شوبان - ترجمة: الحسين خضيري - شاعر ومترجم مصري

    كانت الأضواء ماتزال خارج الأبواب, ولكن مع الستائر المسحوبة في الداخل, ودخان المدفأة المعتم واللهب الغامض, امتلأت الحجرة بالظلال الغامضة.


    جلس برانتن في أحد هذه الظلال؛ فقد أدركته الظلال ولم ينتبه.


    أعاره الغموض شجاعة ليجعل مساءه متوهجا - مثلما أحب- مع هذه الفتاة التي تجلس في ضوء المدفأة.


    جميلة كانت, ذات لون رائع وثري لا ريب فيه, ينتمي إلى طراز اللون الصحي الداكن.


هادئة تماما جلست, بينما راحت تُرَبِّتُ بيدها على المعطف الحريري للقطة التي تكورت في حِجرها, وأحيانا ما كانت ترسل نظرها على مهل إلى حيث الظل الذي جلس فيه رفيقُها.


    عن أشياء فاترة, لم تشغلهما قط, راحا يتحدثان بصوت خفيض.


    أدركت أنه أحبها, رفيقا واضحا هادرا دونما خداع, إلى الحد الذي يجعله يُخفي مشاعره, وليس به رغبة في أن يفعل هذا.


    راح يطلبها من أسرتها بشوق وعزم  طيلة أسبوعين. كانت في انتظار أن يؤكد لها بنفسه, وأضمرت في نفسها القَبول.


   كان برانتن، غير المهم وغير الجذاب إلى حد ما, ثريا ثراء فاحشا؛ وأحبت واحتاجت المحيط الذي قد تمنحه لها الثروة.


    أثناء إحدى الوقفات التي تخللت حديثَهما في استراحةِ تناولِ الشاي وغرفة الاستقبال التالية فتح الباب شابٌ يعرفه برانتن جيدا. تلفتت الفتاة إلى حيث الشاب, خطوة أو خطوتين وأضحى الشاب إلى جوارها, وعلى مقعدها انحنى – قبيل أن ترتاب في نيته, حيث لم تدرك أنه رأى زائرها – طبع قبلة متوهجة متأنية على شفتيها.


    نهض برانتن ببطء, ونهضت الفتاة ولكن مسرعة, ووقف القادم الجديد بينهما مبتسما وهو ينازع حيرة على وجهه ارتسمت. تمتم برانتن وهو يُحرك قبعته بكلتا يديه قائلا:


- أظن.. أرى أنني قد مكثت طويلا, لا أدري على وجه التحديد, عليّ أن أودعكم.


   ربما لم يلحظ أنها مدّت يدها إليه.


   إن حضورها الذهني لم يغادرها تماما, لكن لم تكن لديها الثقة في نفسها كي تتحدث.


- صدقي أو لا تصدقي, لقد وجدته جالسا هناك يا ناتالي, أعلم أن ذلك يضايقك, أتمنى أن تسامحيني هذه المرة– كان ذلك بالمصادفة, ما المسألة؟


ردت غاضبة:


- لا تلمسني, لا تقترب مني, ما الذي تعنيه بدخولك المنزل دونما استئذان؟


ردَّ مبررا سلوكه ببرود:


- دخلتُ مع أخيك, مثلما أفعل دوما, جئنا من المنعطف, صعد هو للطابق الأعلى, وجئتُ إلى هنا آملا لقاءك. المبرِّر بسيط بما فيه الكفاية, ويتعين أن يرضيك أن سوءَ الحظ لا مفر منه.


وراح يستعطفها باستكانة:


- لكن قولي إنك سامحتني يا ناتالي.


- أُسامحك؟! أنت لا تدري عم تتحدث, دعني أمر, إن الأمر يعتمد على اتفاق جيد إذا كنت أُسامحك أم لا.


    في غرفة الاستقبال التالية التي تحدثت فيها مع برانتن, دنت من الشاب حين رأته وبأسلوب صريح مبهج، وسألته بابتسامة فاتنة قلقة:


- هلا سمحت لي بالتحدث إليك لحظة أو لحظتين؟


    بدا أنه تعيسٌ للغاية, لكنها حين أمسكت ذراعه ومشت معه إلى البعيد, باحثَين عن ركن يأويان إليه, امتزج شعاع من الأمل مع التعاسة الهزلية لتعبير وجهه.


كان من الواضح أنها صريحة.


- ربما لم يكن لي أن ألتمس هذه المقابلة يا سيد برانتن؛ ولكن– ولكن آه, لم أكن مرتاحة, تعسة كنتُ تقريبا مذ حدث هذا الصدام الصغير في تلك الظهيرة. حين ظننت كيف أنك قد أسأتَ الفهم, وصدَّقت أشياء.


    بدا واضحا أن الأمل انبسط مهيمنا على تعاسة وجه برانتن المستدير الماكر.


- بالطبع, أعلم أن ذلك لا يعنيك, ولكن لأجل خاطري أريدك أن تعي أن السيد هارفي صديقٌ حميمٌ منذ وقت طويل, لذا دائما ما كنا كابني عم – أخا وأختا– بوسعي القول إنه الصديق الأكثر حميمية لأخي، ودائما ما يتوهم أن ذلك يخوِّل له ذات الامتياز كالعائلة. أوه أعرف أن هذا شيء سخيف, ومناف للكرامة حتى, وطلبتك لأخبرك بهذا.


كانت تبكي تقريبا.


- لكن ذلك صنع اختلافا كثيرا بالنسبة إلى ما تعتقد بي.


أضحى وجهها خفيضا ومنفعلا.


تلاشت كل التعاسة من وجه برانتن.


- إذن فأنت تبالين حقا بما أعتقد, آنسة ناتالي؟ هل لي أن أدعوك آنسة.. آنسة ناتالي؟


    ثم انتقلا إلى رواق طويل معتم يتصل بالجانب الآخر عبر نباتات طويلة جميلة. على مَهل مشيا إلى نهايته. وحين التفتا ليعودا من حيث أتيا, تألَّق وجهُ برانتن, وابتهج وجهُها.


    كان هارفي من بين الضيوف في حفل الزفاف, وطلبها على انفراد في الخارج إذ رآها تقف وحيدة في لحظة نادرة.


قال مبتسما:


- أرسلني زوجك لأقبّلك.


ثم غمر وجهَها وجيدَها المستديرَ المصقولَ توردٌ رشيق.


- أعتقد أنه من الطبيعي لرجل أن يشعر ويتصرف بكرم في مناسبة من هذا النوع. أخبرني أنه لا يريد بزواجه أن يقطع علاقة المودة هذي التي بيني وبينك كليا, لستُ أدري ما الذي أخبرتِه به.


وقال وهو يبتسم ابتسامة وقحة:


- لكنه أرسلني إلى هنا لأقبّلك.


    شعرت كما لو أنها لاعبة شطرنج ترى أن اللعبة تتخذ مسارا مقصودا وذلك بحركة ماهرة منه لإحدى قطعه. في وهن أشرقت عيناها بينما راحت ترمقه بابتسامة, وبدت شفتاها جائعتين لقبلته وهما تدعوانه إليها.


وقال بهدوء:


- لكنك تعلمين, أني لم أخبره, كان سيبدو ذلك نكرانا للجميل, لكن بوسعي أن أخبرك, أنني توقفت عن تقبيل النساء؛ إن ذلك شئ خطير.


    حسنا, لقد حصلتْ على برانتن وذهب مليونه.


    ما بوسع المرء أن ينال كل شيء في هذا العالم, كان ذلك- إلى حد ما- من غير المعقول لها أن تتوقعه.


عن الكاتبة:


    كيت شوبان Kate Chopin (1850 ـ 1904) أديبة أمريكية كانت تتحدث الفرنسية وتربَّت على اللغتين الإنجليزية والفرنسية.


    وطبقا للباحثة الأمريكية إيميلي توثEmily Toth  فإن كيت شوبان (أو كاثرين أوفلاريتي) وُلدت عام 1850 في سان لويس في شارع 8 ما بين شاتو وجريتيوت وانتقلت أُسرتها إلى شارع 1118 أنج أفينو في سان لويس. وكما قيل, كانت كيت القصيدة والشاعرة أيضا؛ حيث عاشت حياتها كما أرادت. كتبت كيت العديد من الأشكال الأدبية: (موسيقى البولكا للبيانو من أجل ابنتها ليلي، وبدأت الكتابة عام 1889 بقصيدة "ربما"، ونشرت قصتيها "أكثر حكمة من إله" و"موضوع مهم" في فترة  كانت تُسمى فيها شيكاجو بأمريكا. أما روايتها الأولى "مُذنبة" (1890) فقوبلت باعتراضات نقدية لأنها تضمنت نساء يدمنَّ الكحول، ويدخلن في علاقات غرامية.


       تُرجمت أعمال كيت شوبان إلى لغات عدة. روايتها "استفاقة" تُرجمت إلى الفرنسية بواسطة سيريل أرنافونCyrille Arnavon  عام 1953 ورسم رسومَها التوضيحية أندر هوبرت André Hubert ثم تُرجمت مرة أُخرى للفرنسية وإلى لغات أُخرى كالهولندية والبرتغالية والتشيكية والكورية والبولندية والألمانية والإسبانية. كما ترجم يوشيكو تاكيتاYoshiko Takita  "استفاقة" إلى اليابانية في طبعتين عامي 1995 و2004, بعد ثلاث ترجمات يابانية للرواية نفسها لثلاثة مترجمين، منهم كازوكو سوجيساكي Kazuko Sugisaki عام 1977، وكيكو ماياكيتا Keiko Miyakita عام 1999.


    أما قصة "القُبلة" فنشرت للمرة الأولى في يناير 1895، وهي من مجموعة بعنوان "وبطيئا جاء الليل" تصدر ترجمتها قريبا في القاهرة.