الكاتب السوري فاضل السباعي:أنا أول سوري يكتب عن محفوظ وألفت الوجه الشامي لـ « بداية ونهاية »

19/06/2016 - 11:57:28

فاضل السباعى فاضل السباعى

محمود القاعود

     الكاتب السوري فاضل السباعي الذي ولد في حلب عام 1929 هو الابن الأول لـ"أبو السعود السباعي" الذي أنجب تسعة عشر من البنين والبنات. درس الحقوق بجامعة القاهرة ، وعمل محاميا، فموظّفا في وزارات الدولة، وانتقل بعمله الوظيفي إلى دمشق عام 1966، وطلب إحالته للتقاعد عام 1982 حين كان مديرا في وزارة التعليم العالي، ليتفرّغ للكتابة، وأسس بدمشق عام 1987 دار إشبيلية للدراسات والنشر.


    له أكثر من 30 كتابا، وتُرجمت قصصه إلى عشر لغات، منها الفرنسية والإنجليزية والألمانية والروسية والفارسية، وترجم "بدر الزمان" إلى الإسبانية (1999)، وكتابه "حزن حتى الموت " إلى الفرنسية (2002).


    في حوار مع "الهلال" عبر الإيميل استعرض السباعي جانبا من سيرته، وقراءاته المبكرة للدوريات الثقافية والعامة منذ أربعينيات القرن العشرين، ومنها مجلة "الهلال" والأسبوعيات "المصور" و"الاثنين" و"مسامرات الجيب": ويوم علمت بصدور مجلة ثقافية مصرية جديدة هي "الكاتب" أواخر عام 1945، سارعت لاقتنائها شهرا بعد شهر (وهي في حوزتي مجلدة)، كنت أقرأ فيها ما أفهم وأستسيغ وما لا أفهم. ومنذ ذلك التاريخ وأنا في مرحلة الدراسة الإعدادية، حلمت بأن أكون كاتبا مثل عباس محمود العقاد. لي بيت، فيلا/ دارة على "طريق السبيل" يتنزّه بالسير فيه أهل حلب، متوجهين إلى متنزّه "السبيل" (ما زال قائما)، أكتب الأفكار من وراء نافذة مطلة، ألبس عباءة سوداء، كتلك التي ورثها أبي عن جدي، يمرّ الناس من تحت نافذتي، يرفعون البصر ويقولون: «هنا بيت الكاتب الكبير فاضل السباعي»! اليوم أبتسم، ولكن الأحلام، وإن كانت بعيدة، هي الخطوة الأولى في رحلة الإبداع.


    ويتذكر كيف تنزّل عليه الشعر في الثامنة عشرة، فتغنّى:


خذ هذه الناي، واعزفْ جوانبها


لحنا حزينا، فما يُشجيك يشجيني


أفنيت عمري بأوهام تراودني


حينا وحينا تلاقيني فتُشقيني.


    ويضيف: وأنا في الشهادة الثانوية دخلت على مدير المدرسة "عمر يحيى" وهو شاعر، وكان يلاحظ اهتماماتي الأدبية، واقترحت عليه بجرأة أن نصدر نحن طلاب "ثانوية المأمون" بحلب مجلة نحررها، وتموّلها إدارة المدرسة، وأصدرنا ثلاثة أعداد ممّا سمّيناه "صوت الطالب"، تجاوزت صفحات كل منها المئة، كنت فيها "سكرتير التحرير"! ثم التحقت بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة)، وكانت هواجس الإبداع، بذوره المبكّرة، تنمو في الصدر وتزكو، ولست أشكّ في أنّ دراستي للحقوق كانت إضافة لثقافتي الأدبية التي كنت أنهلها عصاميّا من مظانّها. وأعترف بأنها زادت في تأسيس الإحساس بالعدالة والإيمان بالحرية. في الجامعة اتجهت إلى كتابة القصة القصيرة للظنّ بأنها الأسهل، ونشرت قصة في مجلة "الأديب" اللبنانية، ومنحني ذلك ثقة لا حدّ لها، وظلت عيني ترنو إلى الرواية، وكان الإرهاص لذلك أنّ قصصي كان يغلب عليها الطول أكثر مما يلاحظ في القصص القصيرة عادة. وبعض قصصي التي استحسنتها، عدت إليها فكتبتها قصصا مطولات، "ضيف من الشرق" غدت رواية "الظمأ والينبوع" (1959، 1964)، قصة "الناس" أصبحت "مواطن أمام القضاء" (دار المعارف بمصر، سلسلة اقرأ 1959). ولكني أعُدّ كلا العملين قصصا طويلة لا من جنس الرواية.


    بعد ذلك، ومنذ أواخر عام 1961، بدوت وكأني غبت عن دنيا القصة القصيرة، بأن انكببت على كتابة روايتيّ "ثمّ أزهر الحزن"، و"رياح كانون" (كانون الأول هو ديسمبر، ويناير اسمه كانون الثاني، وما كنت موفقا في تسمية الرواية!)، وقد أربت صفحات كلّ منهما على الأربعمئة.


- بعد هاتين الروايتين، كيف كان الانحياز للرواية أم القصة؟


   * كنا نحن جيل الخمسينيات، مولعين جدا بالواقعية في الأدب، ونهلنا من الأدب الروسي: جوجول، جوركي، ومطوّلات تولستوي، وشفافيّة تشيخوف وصفاء قلبه. وبعضنا اهتمّ بالفرنسي موباسان (أخصّ رائد القصة السورية في زمنه مظفّر سلطان 1912 ـ 1986)، وتهاويل الأمريكي ادجار آلن بو.


    ولكن ما طرأ على الأوضاع أنّ مقاليد الحكم أمست في يد حزب واحد، واجترحت الحريات العامة، وأجهضت المؤسسات الشعبية. ووجدتني أُحمل لواء الدفاع عن حرية الإنسان. كان أول ما كتبت في هذا المضمار قصة "يقظة بعد سُبات طويل" (1966)، ونُشرت، وبكلّ فخر، في مجلة "المجلة" المصرية الراقية، وتوالت هذه القصص، أكتبها بـ"فانتازيا" متميّزة، تفلّتا من الوقوع في قبضة النظام، إلا أني وقعت في أيديهم مرة (22 ديسمبر 1980) متلبّسا بقراءة واحدة من هذه القصص "الأشباح" (نشرت بعدئذ في مجموعتي "آه، يا وطني!") التي قدّمتها في كلية الآداب بجامعة حلب... ومن باب الجامعة إلى المعتقل!


    من هذه القصص قدمت مجموعة إلى "اتحاد الكتّاب" في بلدي (وأنا عضو مؤسس فيه عام 1969) سمّيتها "حزن حتى الموت"، فسعى مَن أسمّيه "عبقريّ القصة القصيرة السورية" المتولّي أمور النشر في الاتحاد، إلى الحيلولة دون نشرها، إلى أن ظهر الكتاب ببيروت بثلاث طبعات، والرابعة في الدار التي اضطررت إلى إنشائها بدمشق (إشبيلية للدراسات والنشر)، وكان الإصدار الخامس باللغة الفرنسية بباريس عام 2002.


ـ ما السياق الذي كتبت فيه "رياح كانون"؟


    في الستينيات لاحظت أنّ صعود بعض الكاتبات سلّم الشهرة والانتشار كان سهلا ميسورا، وكان لكلّ واحدة من هؤلاء رجل ما يكمن في الظلّ يمارس دوره في تصحيح النص المكتوب وتعديله، وفي إعادة صوغه، وفي نشره، والترويج له بالاتصال بمن يكتب ويُشيد، على حين أنّ "الرجل" يمشي في الطريق الطبيعي معانيا الإبداع والبحث عن ناشر، وانتظار من يكتب عنه ويُروّج. استعرت هذه "الحالة" - ولا أقول "الظاهرة" فهي لم تبلغ ذلك - ونسجت منها رواية، ما كنت أحسب أنها تطول حتى تزيد على الأربعمئة صفحة. والذي أثرى الرواية طولا ومضمونا، أني عرّجت فيها على عالم الأدباء والمثقفين، فرصدت مجالسهم وحواراتهم، الجادة والمبتذلة، وجعلت من بطلها الذي ينتمي إلى الطبقة الشعبية "رامي حسام الدين" ناقدا لأدب الرواية، يتطلّع إلى أن يبدع فيها ولا يرضى عن محاولاته في هذا المجال، وفي التقائه الأديبة الشابة "لبنى آل الأمير"، التي تنتمي إلى "الطبقة المخملية" يكون ما يكون، «فظُنّ خيرا ولا تسأل عن الخبر»! وقد بدا لي أني لم أكن موفقا في تسمية الرواية ب"رياح كانون". لقد تحرّكت أنسام الإبداع، أو رياحه، عند الناقد رامي حسام الدين، خلال شهرَي الشتاء، كانون الأول (ديسمبر) وكانون الثاني (يناير). وإذا كان العنوان معبّرا من ناحية، فإني أدركت فيما بعد أنّ في كلمة "كانون" تغييبا للمضمون عند القارئ المتعجّل، وتمنّيت لو أني سمّيت هذا العمل الكبير "رياح الإبداع". ويظلّ ما أصرّح به الآن وليد القلق الذي يظلّ يعانيه المبدع أملا في أن يقترب نتاجه الفني من الكمال. وتلك غاية لا تُدرك! وفي انتشار "رياح كانون" أسمح لنفسي بأن أنوّه بدراستين ممّا كُتب عنها، أولاهما للناقد السوري الدكتور سمر روحي الفيصل في السبعينيات، والثانية خطّتها للناقد المصري الدكتور حلمي محمد القاعود في أواخر التسعينيات.


-  ولكن رواية "الظمأ والينبوع" أثارت جدلا من نوع آخر.


    * هذا النص كتب في المرة الأولى كقصة مطولة في مجموعتي القصصية "ضيف من الشرق" (1959)، ولما رأيت استحسان القراء لمضمونها أعدت كتابتها على نحو تشغل به كتابا متوسط الحجم. اقترح عليّ الناشر الدكتور سهيل إدريس صاحب دار الآداب ببيروت، أن أتخذ للكتاب عنوانا آخر، فاستحدثت "الظمأ والينبوع"، ورسم غلاف الطبعة الثانية الفنان المصري جمال قطب.


      وما تبدّى من الفتى ـ بطل القصة ـ تجاه زوجة صديقه الألماني، الغائب عن البيت، في إقبالها عليه متعرّية، قد أثارت "عفّتُه" إعجاب بعض الكتّاب، وفي طليعتهم الشاعر اللبناني (رشيد سليم الخوري، الملقّب بالشاعر القروي)، فدبّج مقالة معبّرة عن منتهى إعجابه نشرها في مجلة "الأديب"، مع أني عمدت، في ختام هذا العمل القصصي، إلى أن أوجز عوامل عدة، لا عامل العفة وحده، في إحجام الفتى "سامي" عن مقاربة "هيلغا" زوجة الصديق "اوتو ميلر". ويظلّ اختلاف التأويل مُثريا للإبداع.


- ما مصدر الشجن الذي حفلت به رواية "ثم أزهر الحزن"؟


   * أتممت المسوّدة الأولى في مارس 1962. وفي ربيع 1958 وأنا منهمك في التحضير لـعيد الأم، بصفتي الموظف المسؤول في وزارة الشؤون الاجتماعية (مديرية حلب) عن الاحتفالات الاجتماعية والجمعيات الخيرية والثقافية عمّمت عبر وسائل الإعلام عن الحاجة لاختيار "أمّ مُثلى" وعشر من الأمهات الفُضْليات، فجاءني كثيرٌ من الأمهات الشعبيات، ولكلّ منهنّ بنون وبنات، يعملون شبابا وشابّات في مجالات التعليم والطبّ والهندسة وفي سائر مناحي الحياة، ورأيت أنّ بعض هؤلاء قد انفردنَ - بعيدا عن الزوج المعيل - بالتربية والرعاية مع كلّ شظف العيش وبؤسه أحيانا، فطرحت على نفسي، بصفتي كاتبا روائيا: هي ذي "نماذج بشرية" ماثلة أمامك باللحم والدم والأعصاب، جديرة بأن تستوحي منها خير القصص والروايات، فماذا يُقعدك، أيها القاصّ الشاب! ولما كنت معنيّا بكتابة القصة وإن كانت مطوّلة أحيانا، فقد نسجت قصة أمٍّ رحل معيلها غير ذي مال فتولت هي قيادة المركب، آخذة دور الأم والأب معا إلى أن بلغت الوقوف على منصّة المسرح "أمّا مُثلي" تُتلى سيرتُها أمام جمهور التهبت أكفّه بالتصفيق، وسمّيتها "العناقيد الستة وزهرة التفاح"، وأسرعت إلى نشرها في مجلة "الثقافة" الدمشقية لصاحبها الشاعر مدحة عكاش! ولكنّ الفكرة ظلّت تؤرّقني: لماذا لا أكتبها رواية؟


    وهكذا شرعت أكتب بلسان بطلة الرواية: «اسمي هالة. عشت وأخواتي طفولة»، هكذا، بدأت الرواية، بضمير المتكلم، تسرد الأخت الوسطى بين خمس شقيقات، قصة الأسرة ومتاعبها ومآسيها، في قسم أول سمّيته "الحزن"، وفي القسم الثاني "الحبّ" تروي ما جرى لها وهي طالبة بالجامعة، وفي الثالث "الفرح" كان ما كان! في الفصل الأول تأتّى لي أن أرسم - بدقّة أدعيها - ملامح الأب، الحنون، المشتاق إلى أن ينجب صبيّا والبنات يتوالين حتى أصبحنَ خمسا، ويغمض عينيه الإغماضة الأخيرة، تاركا للأمّ كلّ شيء. وجنينا في ضمير الغيب. لماذا اخترتهنّ بنات؟ لأنّ البنات كما أعى لاستثارة الشفقة والحنان من قبل القارئ، ولأني أردت أن أقدم نماذج للبنات العاملات المجدات الواصلات إلى النجاح في جوار الأمّ. ولن أنسى الإشارة إلى إحدى مفارقات الحياة: وضعت الأمّ وليدها فكان صبيّا.


-  أعتقد أن ثمة تشابها بين "ثم أزهر الحزن" و"بداية ونهاية" لنجيب محفوظ؟


   * نعم. يمكن النظر إلى "ثمّ أزهر الحزن" على أنها "الوجه السوري" للأسرة التي رحل معيلها، ويمكن أيضا اعتبار "بداية ونهاية" وجها من كثير من الوجوه المصرية، عمد فيه محفوظ (الذي نقدت له شخصية "نفيسة" في هذه الرواية بمقالة مطولة نشرتها في مجلة "الأديب" اللبنانية عام 1956، وكنت أول كاتب سوري يكتب عن محفوظ!)، إلى أن يجعل بطلته تنحرف انحرافا يُفضي بها إلى الموت، ويجعل من حسنين انتهازيا براجماتيا، ومن حسن بلطجيا في المقاصف الليلية، وما ترك لنا من الأشقاء طيّبا إلا حسين!


    وستصدر قريبا الطبعة الرابعة من "ثمّ أزهر الحزن" في سوريا المدمّاة. ولن تفوتني الإشارة إلى أنه أديرت عليها أطروحات في موسكو وبولندا، وتحدثت عنها المستعربة الإسبانية "ماريّة خيسوس فيغيرا" بجامعة غرناطة وأفردت لها مكانا في كتابها عن الرواية العربية.


- كيف تنظر إلى معالجة الدراما الإذاعية والتلفزيونية لهذه الرواية العائلية؟


    * منذ البدء لم أكن محظوظا في التعامل مع الإذاعة والتلفزيون، في بلدي. لكن بعد صدور الرواية بعام تقريبا علمت أنّ الإذاعة الأردنية قدمت "ثمّ أزهر الحزن" مسلسلا إذاعيا في راديو عمّان بثلاثين حلقة يومية في رمضان، لكن باسم "الغد المجهول" مع تغييب اسمي! ثمّ اتفق أن زرت العاصمة الأردنية أوائل عام 1966، وسألت مديرها، فاعتذر وكانت مراضاة و"عفا الله عما سلف"! وعدت إلى بلدي سعيدا بما عرفت من "النجاح الكاسح" الذي حظي به المسلسل، كان المستمعون - كما حدّثوني - ينتظرون حلقة جديدة بعد كلّ إفطار! وما نحن، الكتاب والفنانين، إلا أطفالا أو... مثل "الغواني يغرّهن الثناء"! بعد عامين قدمتها إذاعة "صوت العرب" مسلسلا باسم "ثم أزهر الحزن" مقرونا باسمي هذه المرة. ولما زرت القاهرة بعد حين، وتوجهت إلى مبنى الإذاعة والتلفزيون لأسأل عن المكافأة، فبحثوا فوجدوا "الملف" فارغا بفعل الزمن! وبدا أنّ عزائي كان فيما كتبوا عن أحداث الرواية في مجلة "الإذاعة" حين تقديمها في حلقات سبع من أنّ «في الأدب العربي الحديث أدباء يمكن أن نسمّيهم "أدباء الأسرة"، فهم يدرسون العلاقات داخل الأسرة إيمانا منهم بأنها أصدق تعبير عن حياة المجتمع، ومن الأدباء العرب الذين يمثّلون هذا الاتجاه»، وذكروا اسم نجيب محفوظ وبعده اسمي! ويمضي ثلاثون عاما أو يزيد، وتزورني بدمشق شابة تعرض أن تعدّها عملا تلفزيونيا، وقُدّمت في التلفزيون السوري ببضع وعشرين حلقة، تمزّقت فيها حوادث الرواية، واستُبعد العنوان الجميل إلى "البيوت أسرار"، وتبدّدت المكافأة بين الأيدي المتعاقبة، ومن عجب أنّ المسلسل ما زال يعرض مرة بعد مرة في الفضائيات العربية ويلقى الاستحسان... إلا ممن قرءوا الرواية!


-  ماذا تمثّل "المرأة" في حياة فاضل السباعي، وفي أعماله الإبداعية؟


   * المرأة هي الأمّ، والأخت، والزوجة، والابنة. وقد رزقت بثلاث بنيّات قبل أن يأتي الرابع صبيّا، وهذا الصبيّ بعد أن كبر وتزوج رزق بثلاث بنيّات، هنّ "زين" و"نايا" و"جودي"، وبعدهنّ جاء الصبي "فاضل الصغير".


   وقد كتبت "ثمّ أزهر الحزن" لأدلّل على أنّ الأمّ - مع حاجتها إلى الرجل - تستطيع أن تحمل العبأين، مسؤولية الأب والأمّ معا، عند الضرورة. ولست ممّن يعتبرون المرأة ملكا نازلا من السماء، ولا الرجل، وقد قدّمت في "رياح كانون" الصورة السلبية لها، "لُبنى آل الأمير"، مع تقديمي ملامح إيجابية للأمّ في أسرة البطل "رامي حسام الدين".


- كيف ترون رحلتكم إلى أمريكا بين عامي 2013 و2015؟


    * بسؤالك هذا تدخل عالمي الخاص (العائلي). لما قامت الانتفاضة في بلدي في مطالع عام 2011، وكان هتافهم الأول في "سوق الحريقة" بدمشق "الشعب السوري ما بينذلّ"، ولما اتهم النظام المتظاهرين المطالبين بالحرية بأنهم ينوون الفتك بالأقليات ارتفع هتاف آخر "سلميّة، سلميّة"، وعندما وصمتهم السلطة بأنهم يمزّقون الوطن أضافوا هتافا ثالثا "واحد واحد واحد، الشعب السوري واحد"!


    أسرتي "الكبيرة" تقيم في حلب، وإذا كان أبي أنجب تسعة عشر من البنين والبنات، فإني لم أنجب غير أربعة، كان الأُوَل منهم ثلاثَ بنات وآخر العنقود هو الآن رجل في الأربعينيات. الأربعة غادروا العاصمة، موزعين، ثلاثة في فلوريدا وابنتي الفنانة التشكيلية "خلود" وابنها التشكيلي "ماجد" بالقاهرة، ولا تسل عن الأحفاد والأسباط... وبقيت وحيدا في بيتي بدمشق!


    مسّ الخوفُ عليّ قلوبَ الأصدقاء. وِحْدَتي وليس في البيت من يعتني بهذا "الثمانيني" مأكلا ومشربا ورعاية، وقد رأوني أصرّ على البقاء في بيتي، في الوطن! ولكنّ خوفا آخر اعترى المحبّين: أني أكتب في "شبكة التواصل الاجتماعي" (الفيسبوك) كلاما أحامي فيه عن الانتفاضة وأندّد بالنظام، دون أن يفطنوا – هؤلاء المحبين - إلى أني في ذا أتابع ما بدأته قبل خمسين سنة.. وهكذا وجدتني أسافر مع ابني، المتجنّس أمريكيّا، عصر يوم إلى مطار بيروت، وامتطيت متن الريح باتجاه الغرب. وفوق المحيط الأطلسي، كتبت تغريدة نشرتها لدى نزولي على جدار صفحتي:


والله


ما فارقتك يا وطني


خوفا من عيونهمُ المبثوثة


ولا رَهَبا من سيوفهمُ المسلولة


 ولكنْ


لأنّ الأسرة التي أنجبتها


على مدى خمسين عاما ويزيد


قد تفرّق أفرادها في كلّ اتجاه


ولم يبقَ في دمشق


من إذا انتابني وجعٌ


يمدّ يده إليّ بكأس ماء!


وذيلتُها: (فوق المحيط الأطلسي عصر الثلاثاء 7-10-2013).


- وهل تابعتم الكتابة في هذا المنحى، وأنتم في أمريكا؟


  * لم أزل أكتب في وتيرة واحدة، دفاعا عن حرية شعوب العالم الثالث، حتى ادعيت يوما أني تجاوزت أن أكون كاتبا سوريا أو عربيا، فالقهر "عملة" متداولة في كل أنحاء العالم حتى في أمريكا، وإن كان ما يظهر لنا من وجه أمريكا الجميل أكثر ممّا يَختفي من القبح. لا تفوتني الإشارة إلى أن بعض الغيورين عليّ حبسوا أنفاسهم ساعة اجتيازي الحدود السورية – اللبنانية عصر ذلك اليوم. وأما يوم اعتزمت العودة إلى الوطن كثيرا وكثيرا جدا من الأصدقاء نصحوني، بل ونَهَوني عن العودة.


    وفي شأن الرعاية فإنّ ابنتي وحفيدي كانا قد عادا من مصر وأقاما في بيتي بدمشق. ولكنّ أكبر ما أملى عليّ العودة، وكان يؤرقني وأنا هنالك، أنّ في بيتي، في الأضابير والملفات، يرقد كثير وكثير جدا من الفصول والنصوص التي يتعيّن عليّ أن أجمعها لتضمها مشاريع كتب تُعدّ للنشر، دراسات أدبية، وبحوث في التراث الأندلسي خاصة، وأخرى في التراث، ومقالات، وقصص وروايات، مع إدراكي التام أنني إن لم أعمل على تصنيفها وتنضيدها (ضوئيا) وإعدادها للنشر لذهبت أدراج الرياح. ليس هناك من يعرف ماهيتها ومكامنها في مكتبتي الكبيرة. واليوم تساعدني في هذه المهام بعض الطالبات الجامعيات.