الفن والأخلاق

19/06/2016 - 11:55:11

محمد عبد الوهاب محمد عبد الوهاب

د. سعيد إسماعيل علي - كاتب مصري

     منذ أيام كنت مستقلا سيارتى عائدا، إلى المنزل، من مكتبتى (الصالون)، وأخذت أستمع، بحكم عادتى، بالنسبة إلى محمد عبد الوهاب وأم كلثوم، على اعتبار أن تلك صورة من صور تنظيف الأذن، وتدريب حاسة السمع على حسن التلقى، وكان عبد الوهاب يغنى "الجندول"، من شعر على محمود طه، وترامى إلى أذنى صوت عبد الوهاب يغنى:


       بين كأس يتمنى الكَرْمُ خمره / وحبيب يتشهى الخمر ثغره


  مع احتمال نسيانى موضع كل من "يتمنى"، و"يتشهى"، فأشعر بنشوة لا تسعفنى الكلمات على وصفها، وكذلك:


       حين مست شفتى أول قطرة / خِلْتُه ذوّب فى كأسي عِطرا


      فأجد نفسى، وكأنى قد "سكرت"، رغم عدم اقتراب لسانى من المسكرات طوال حياتى.. وبعد أن تنتهى القصيدة الرائعة، يهمس هاتف فى أذنى يدير معى حوارا مثل:


   أيها الزاعم بأنك "متدين"، كيف لك أن تنتشى بلحن كلمات تتحدث عن الخمر والعشق؟!


   وأرد على هذا الهاتف: وهل رأيتنى أعكس فى سلوكى "مضامين" هذا الغناء؟


   فيقول: يكفى أن تستهلك جزءا من وقتك ونشاطك فى الاستماع إلى كلام يدخل فى باب المحرمات؟


    وأرد: إنك تعلم أنى أقرأ جزءا كاملا من القرآن الكريم كل يوم منذ ما يقرب من سبعة وعشرين عاما!


   فيقول: وكيف تجمع بداخلك صوت الله وصوت الشيطان؟


   فأرد: صدقنى، إننى ـ مثل كثيرين ـ عندما أستمع إلى مثل هذا النغم الحلو، والشعر الرائع، والصوت المعجز، أهتف دون أن أدرى: الله!!


   فيسأل: وما معنى هذا؟


   فأرد: معناه، أن وعيى يتجه بسرعة وبقوة إلى الخالق المبدع الذى أودع فى هذا وذاك هذه الموهبة الفنية والأدبية...


   إلى غير هذا وذاك من حوارات عادة ما تجرى بداخلى، دون أن أغير اتجاهى هنا أو هناك.. إنها قضية لا ينقطع النقاش حولها، حيث يهب أنصار الدين والأخلاق إلى تجريم بعض الأعمال الإبداعية، من مسرح ورواية وشعر وسينما، على اعتبار ما قد يكون فيها مما ينبو عن الأخلاق، ويصادم معتقدات دينية.


   ويهب المدافعون إلى التنادى إلى ضرورة أن يكون "الحَكَم" على مثل هذه الأعمال، واحد متخصص فيها، وأن تكون المعايير مستمدة من الفن والأدب، وليس من غيرهما. إنها قضية مستمرة، منذ سنوات غير قليلة، ولا نظن أن النقاش فيها يمكن أن ينتهى، على الأقل، فى الأمد المنظور.


   وأنا نفسى، أقف حائرا بين هذا وذاك، وأزيد على ما سبق، أننى عندما كنت أذهب إلى لندن فى الثمانينيات، وأوائل التسعينيات، عدة مرات، كنت أهرع دائما إلى مشاهدة عروض الباليه التى أغرم بها جدا، وعندما يعرف بعض القريبين منى هذا، يعاتبنى: كيف تسمح لنفسك أن تشاهد عروضا مثل هذه، الأجسام فيها عارية؟


   ولا يقتنع اللائم لى بأننى لا أذكر ولو لحظة واحدة أن خطر ببالى هذا الذى يخشاه صاحبنا على أخلاقى، وإنما تتفتح حواسى على الاستمتاع البصرى باللوحات الراقصة المعروضة، وبالنغم الممتع، وكأنى أرى فراشات رائعة الحسن والجمال، تتهادى فى عالم سحرى، ينتزعنى من هموم الواقع إلى سموات علا..


وأزيد فى ردى على من ينتقدنى، ويخشى على أخلاقى: إن راقصى الباليه عادة كما نقول فى لهجتنا العامية "جلد على عضم"، لا يستدعى أبدا تفكيرا حسيا بالمعنى السيء!


   لكن هذا لا يمنع من إثارة تساؤلات حول القضية، لا أريد أن أقدم إجابات عليها، وإنما أكتفى بطرحها للتفكير، ولا أسوقها بصورة تظهرنى متناقضا مع نفسى، فأنا هنا مجرد صوت يردد تساؤلات أطراف أخرى:


   فعندما بدأ الفكر الاشتراكى فى الانتشار، ارتفعت أصوات تنادى بضرورة أن يتجه كل من الأدب والفن إلى القيام بوظيفة اجتماعية تنمى الوعى المستنير، وتحث على العمل والكد، وتبتعد عن بث قيم الخنوع والترف والاستعلاء. بل كان البعض يرى فى أم كلثوم قوة "تغييب" للوعى الاجتماعى؟!


   فهل كان ذلك اتجاها إلى فرض معايير أخلاقية على أعمال أدبية وفنية، لها قواعدها وأصولها ووظيفتها فى الإمتاع الجمالى؟


   وعندما يُتهم قاص أو شاعر بالتجنى على مقدس دينى (الله، الرسول، القرآن)، فيتم الرد بألا نُحكم المعايير الدينية فى العمل الفنى والأدبى، ويكون التساؤل المقابل: فهل يمكن- مثلا - أن يجئ شعر أو قصة، تحمل ما يعتبر نقدا شديدا لقمة السلطة السياسية؟


   بل حدث بالفعل أن منعت كتب، وأُبعدت عن مكتبات المدارس على أساس أنها تحمل فكرا تفوح فى سطوره نزعات إرهابية وتكفيرية؟


   إن تاريخنا للأسف يشهد بأننا لم نكن منصفين طوال الوقت، ففى الوقت الذى حالت فيه اعتراضات دينية على بعض الأعمال الأدبية والفنية، مثل فيلم "الشيخ حسن"، وكان الراحل الفنان حسين صدقي قد قدم فيه مسيحية أسلمت وتزوجت شيخا مسلما، وكان يعاملها معاملة طيبة للغاية، فتم منع عرض الفيلم.


   وفى صيف 2000 ثارت ضجة كبرى حول رواية "وليمة لأعشاب البحر" لأديب سورى، نشرتها وزارة الثقافة، جرت وراءها صور استغلال سياسى سواء من الدولة أو المعارضة.


    ومثلما سعى رجال دين للتنديد ببعض الأعمال الأدبية والفنية، فإن الدواعى السياسية فى تاريخنا ربما تكون أكثر، وترجع إلى عشرات سنين خلت:


  فقد كان فيلم "لاشين" يعرض لثورة شعبية قادها ثورى، ضد حاكم مستبد، ومُنع عرضه فى العصر الملكى.


   ولما غنى محمد عبد الوهاب قصيدة رائعة يصف فيها حال مصر عام 1950، يقول فيها:


  إلام الخُلف بينكما ألامَ / وهذه الضجة الكبرى علام؟


  وفيم يكيد بعضكمُ لبعض / وتبدون العداوة والخصاما؟


  وأين الفوز لا مصر استقرت  / على حال ولا السودان دام؟!


   فصدر أمر من مصطفى النحاس، رئيس الوزراء الوفدى فى ذلك الوقت بمنع إذاعة القصيدة، والوفد كان يوصف دائما بأنه حزب "ليبرالى".


   بل أصدر النحاس كذلك أمرا بمنع أغنية لعبد العزيز محمود، والتهمة هنا كانت "الهيافة وسوء الأدب"، لقول المطرب: "يا شبشب الهنا، يا ريتنى كنت أنا"!


   وكان عبد الوهاب قد أعد نشيدا قبل ثورة يوليو من تأليف كامل الشناوى، الشاعر الكبير، يستهله بقوله "أنت فى صمتك مرغم / أنت فى صبرك مكره"، فتم منعه، ولما قامت ثورة يوليو بدل كلمة "أنت" إلى "كنت" فتمت إجازة النشيد، بل اتخذت موسيقاه مقدمة لنشرات الأخبار فى الإذاعة.


    وكان يوسف وهبى قد حصل على رتبة البكوية عام 1944 عن فيلم "غرام وانتقام" مع أسمهان، والسبب الرئيسى، هو وجود أوبريت طويل، رائع، وضع كلماته الشاعر بيرم التونسى، ولحنه العبقرى رياض السنباطى، عن تسلسل حكام أسرة محمد على، فإذا بالمسئولين فى ثورة يوليو يحذفون هذا الأوبريت الرائع من الفيلم كلية، ولا نكاد نجد له أثرا.


   وكان عبد الوهاب قد غنى أنشودة أكثر من رائعة من كلمات الشاعر صالح جودت، وهى (أنشودة الفن)، لكن، بعد ثورة يوليو، يكتفون بإذاعة المقدمة فقط، لأن الأنشودة كانت تقول:


   الفن مين يوصفه / إلا عاش فى حماه


  والفن من يعرفه / إلا اللى هام فى سماه


  والفن مين ينصفه / غير كلمة من مولاه


 والفن من شرفه / غير الفاروق ورعاه.


 ( مع احتمال نسيان بعض الأجزاء، بحكم السن!!)


    فضلا عن منع إذاعة أية أغانى كانت تشير إلى الملك فاروق.. ومنذ أكثر من سنتين، كان للكاتب "بلال فضل" مسلسل باسم (أهل اسكندرية) تم تصويره بالفعل، وتكلف مئات الألوف من الجنيهات، وكان معدا للعرض، لكن، تم منعه، حيث لأسباب "شُرطية".. وهل يمكن عرض فيلم أحمد زكى الرائع "البرئ"، فى الظروف الحالية؟


   الأصوات المعترضة إذن على بعض الأعمال الفنية والأدبية لا تصدر فقط من المعسكر الدينى، بل كذلك من الجانب السياسى.. ولا ننسى أيضا أن جهات طبية، نادت بضرورة التزام أبطال المسلسلات والأفلام بعدم التدخين، حتى لا يُؤخذوا قدوة من جانب الصغار.


   وفى ندوة للفنانة آثار الحكيم، فى صالوننا الثقافى، ردت على من سألها عما إذا كانت قد اعتزلت الفن، بنفى ذلك، لكنها فسرت ندرة ظهورها، بأنها منذ فترة رأت الالتزام ببعض النواهى الأخلاقية، مثل التقبيل، والتصوير لمشاهد فوق سرير النوم، وملابس كاشفة لكثير من أجزاء الجسم، فانصرف عنها المنتجون تدريجيا!


    مرة أخرى.. أكرر أن القضية، على الرغم من قدمها، وبروز النقاش فيها من حين لآخر، تحتاج إلى "كلمة سواء"، إن لم تمنع معاودة الخلاف والاختلاف، فعلى الأقل: تسعى إلى نزع الأشواك من الطريق، ليكون السند للجميع مقولة الإمام الشافعى الشهيرة: رأيى صواب، يحتمل الخطأ، ورأى غيرى خطأ يحتمل الصواب؟ على أساس أن هذه المقولة تحصر الاختلاف فى حدود الرأى، والرأى الآخر، دون تجريم أخلاقى أو تخوين سياسى، أو تكفير دينى من هذا إلى ذاك!!