لا حيلة للمثقفين أمام الوشايات

19/06/2016 - 11:54:26

صلاح عبد الصبور صلاح عبد الصبور

حمدي البطران - كاتب مصري

   لا شك أن شكاوى المثقفين، وشايات الجمهور، من أسباب تقييد حرية التعبير. فعندما يشكو ولي أمر تلميذ، أو طالب في الجامعة، من أن قصيدة ما، أو كتابا فيه مجرد إشارة إلى الجنس. أو شبهة إساءة للعقيدة، تتحرك على الفور الأجهزة الإدارية، للحذف دون تفكير أو فحص، أو حتى مجرد مناقشة الأمر مع الشاكين أو المبلغين. وتصبح تلك الأجهزة في حالة استنفار وخوف، من ثورات وغضب رجال الدين، وما يترتب عليها من تحريض للأجهزة الأمنية، التي بدورها تخشى من الإثارة والتهييج.. حدث في أكبر الجامعات التي تنادي بحرية الفكر في الجامعة الأمريكية في القاهرة.


    في عام 1980 أصدر الدكتور لويس عوض كتابه "مقدمة في فقه اللغة العربية" عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، وظل الكتاب معروضا في مكتباتها حتى عام 1981. وفي 28 فبراير 1981، بدأ الدكتور البدراوي زهران نشر سلسلة من المقالات في مجلة الإذاعة والتليفزيون، للرد على ما جاء في الكتاب، ثم جمع تلك المقالات في كتاب، نشرته رابطة العالم الإسلامي، في مكة المكرمة بعنوان "دحض مفتريات ضد إعجاز القرآن ولغته وأباطيل أخرى اختلقها الصليبي المستغرب الدكتور لويس عوض". وبدا من عنوان الكتاب، أن هناك سجالا بين كاتب مسلم وكاتب مسيحي، حول لغة القرآن الكريم.


    وفي 17 مارس 1981، كتب حازم هاشم في جريدة "الشعب" القاهرية مقالا بعنوان "أفكار غريبة للدكتور لويس عوض" هاجم فيها الكتاب، وقال إن لويس عوض يشكك في إعجاز القرآن الكريم، وفي أصول الحكم الإسلامي، ويري أن الحكم الإسلامي يشبه حكومة الكهنة ورجال الدين في عصور أوروبا الوسطي. بعد أسبوعين من نشر الصحفي حازم هاشم مقاله في جريدة "الشعب"، تقابل مع الدكتور رشاد رشدي، وذكر حازم هاشم [ ] أن رشاد رشدي أطلعه على صورة ضوئية لثلاث ورقات بخط اليد وطلب منه قراءتها، ولاحظ حازم أن الورقات الثلاث عبارة عن ملاحظات عامة على كتاب لويس عوض، وتنتهي هذه الملاحظات بالتنبيه إلى خطورة الكتاب وأنه ما كان لصلاح عبد الصبور، رئيس الهيئة المصرية للكتاب وقتها، أن ينشر هذا الكتاب لخطورته.


    وقتها كان رشاد رشدي، يعمل مستشارا للرئيس السادات للفنون والآداب والثقافة، وكان ضمن خلصائه الذين يستدعيهم إلى استراحته ليجلس معهم. ولا شك أن الورقات الثلاث وجدت طريقها إلى الأزهر الشريف عن طريق مكتب الرئيس.


    وفي 6 سبتمبر 1981 اليوم التالي لحملة الاعتقالات الشهيرة في مصر، تقدمت إدارة البحوث والنشر بالأزهر الشريف، إلى الإدارة العامة لمباحث أمن الدولة، بمذكرة تطلب منها ضبط الكتاب. وتتشابه واقعة كتاب "مقدمة في فقه اللغة العربية" مع واقعة كتاب "في الشعر الجاهلي" للدكتور طه حسين، وكان الذي وشى هو الشيخ حسنين الطالب بالقسم العالي بالأزهر، وقدم شكواه إلى النائب العمومي، زاعما أن "في الشعر الجاهلي" طعن صريح في القرآن العظيم حيث نسب إليه الخرافة والكذب.


    في أبريل 1985 ذكر أحد الكتاب في جريدة "الجمهورية" أن كتاب ألف ليلة وليلة، يحتوي على عبارات جنسية لا يجوز تداولها. كما تقدم مواطن إلى النيابة العامة، ببرقية يتهم فيها بائع بسور الأزبكية وصاحب مكتبة، بطبع وتوزيع كتاب به موضوعات تثير الغرائز. وإثر هذا قام أحد ضباط قسم الآداب بالمباحث الجنائية بالقاهرة بحملة تفتيشية على سور الأزبكية، ومعه إذن تفتيش من النيابة العامة، وتمكن من ضبط عدة أجزاء من ألف ليلة وليلة. حرر الضابط محضرا جاء فيه: "إنه بفحص الكتاب تبين أنه يحوي قصصا وألفاظا وصورا مرسومة مخلة بالآداب العامة وخادشة للحياء العام ومنافية لآداب وأخلاق الشعب المصري مما يدعو النشء للانحراف والفساد ويقع تحت طائلة المادة رقم 178 عقوبات". وقام الضابط بضبط كتاب آخر يعد خطرا على النشء بعنوان "تسهيل المنافع" وتبين أنه يحتوي على شرح لأحسن أوقات الجماع وكيفيته وعديد من الألفاظ والعبارات المنافية للآداب. وتم عرض صاحب المكتبة على نيابة الآداب، وتحدد يوم 19 سبتمبر 1985 موعدا لمحاكمته. وظل الأمر متداولا بين المحاكم العادية ومحاكم الاستئناف، وفي النهاية أصدرت المحكمة حكمها بقبول الاستئناف شكلا وموضوعا، بإلغاء الحكم المستأنف وبراءة المتهم.


   في 10 مايو 1998 تقدمت مجموعة من خريجي الجامعة الأمريكية، لإدارة الجامعة بشكوى ضد المدرس الفرنسي، الذي يدرس مادة تاريخ العرب يتهمونه فيها بالإساءة إلى الإسلام. وفي 13 مايو 1998 طالب صلاح منتصر في عموده اليومي في جريدة الأهرام "مجرد رأي " بمصادرة كتاب المستشرق الفرنسي مكسيم رودنسون، الذي يتحدث عن حياة  رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي يدرس في الجامعة الأمريكية. وقال إن رسالة وصلته من ولي أمر طالبة في الجامعة الأمريكية. وبدا في الأفق، أن هناك حملة ستهب في وجه الجامعة الأمريكية، من الصحف المصرية وبعض المتدينين، وأصحاب الفكر اليساري، باعتبار أن الجامعة الأمريكية تمثل الفكر الإمبريالي، ومؤلف الكتاب يهودي يمثل الصهيونية العالمية، والمدرس فرنسي يمثل ما يدعيه مثقفو  الغرب بفكرة صدام الحضارات، ومما زاد في تأجج الحملة أن الكتاب يتحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.


    وعلى الفور تحركت الحكومة ممثلة في وزير التعليم العالي الدكتور مفيد شهاب، الذي وجه أمرا إلى رئيس الجامعة الأمريكية، بسحب نسخ الكتاب فورا من مكتبات الجامعة ومنافذ البيع.


    وفي 14 مايو (اليوم التالي لمقال منتصر) نشر رئيس الجامعة الأمريكية،  اعتذارا رسميا عن هذا الخطأ، وأنه قام بمجرد علمه، بسحب نسخ الكتاب فورا من مكتبات الجامعة ومنافذ البيع، وألغى التعاقد مع مدرس الكتاب الفرنسي الجنسية.


    وفي العام الدراسي نفسه (1998)، كانت الدكتورة سامية محرز الأستاذة بالجامعة الأمريكية تدرس لطلابها في قسم اللغة العربية رواية "الخبز الحافي" للكاتب المغربي محمد شكري، والكتاب صادر منذ سنوات، وتمت ترجمته إلى أكثر من عشر لغات أجنبية، وأعدت عنه أعداد من الرسائل الجامعية في جامعات مصر، والعالم العربي والجامعات الأوروبية. وعلى غرار ما حدث في قضية كتاب رودنسون، تقدم بعض أولياء أمور طلاب قسم اللغة العربية بالجامعة الأمريكية، بشكوى باللغة الإنجليزية على شكل رسالة مكتوبة إلى رئيس الجامعة، وسلموها إلى طبيب يعمل في العيادة الخارجية بالجامعة، قام الطبيب بدوره بتوصيل شكوى أولياء الأمور إلى رئيس الجامعة. هدد أولياء الأمور في شكواهم  بفضح الجامعة على صفحات الصحف والجرائد ومكاتب المسئولين. ومثلت الدكتور سامية محرز أمام لجنة من إدارة الجامعة، بعد توزيع ترجمة إنجليزية للصفحات التي ذكرها أولياء الأمور ليتمكن أعضاء اللجنة الأجانب، من قراءتها، وبعد ساعتين من التداول تم استبعاد الرواية، وطرحت أمام الطلاب خيارات أخرى بديلة لاستكمال مشروعهم النقدي، وأوصت اللجنة بعدم تدريس "الخبز الحافي".


    وفي باب "بريد الأهرام" كتب أحد أولياء الأمور دون أن يذكر اسمه أن تلاميذ الصف الأول في المرحلة الإعدادية يدرسون ضمن منهج اللغة العربية قصيدة اسمها عند الجدار للشاعر نزار قباني، وتحتوي على دعوة صريحة للانحراف، والخروج على القيم والمبادئ الإسلامية. وبعد النشر قام مجلس المنظمات والجمعيات الإسلامية في الأردن، بإصدار بيان جاء فيه أن قصائد نزار قباني، كانت ضمن أسباب الهزيمة العسكرية في يونيو 1967، وألقى المجلس اللوم على المسئولين في وزارة التربية والتعليم المصرية ووزارة الأوقاف والأزهر الشريف والعلماء وأساتذة الجامعات المصرية لسكوتهم على هذا التخريب، الذي تتعرض له عقول تلاميذ المدارس المصرية من جراء تدريس مثل هذه القصائد الماجنة. وبعد أن أصدر المجلس بيانه، أصدر الدكتور فتحي سرور وزير التربية والتعليم وقتها قرارا بحذف القصيدة من منهج التلاميذ، وأحال المسئولين عن اختيار القصيدة إلى التحقيق.


    وبعد قرار الوزير أرسل مجلس المنظمات والجمعيات الإسلامية في الأردن خطابا يشيد فيه بالقرار الذي اتخذه وزير التربية والتعليم، واعتبر القرار غيرة وحرصا على تربية الأجيال تربية قوية "لينشئوا مسلحين بالإيمان والخلق القويم والتطلع إلى معالي الأمور ليصونوا وطنهم ويحموا أمتهم من كيد الكائدين".


    أما ما حدث مع الشاعر الكبير صلاح عبد الصبور والذي كان رئيسا لمجلس الهيئة العامة لقصور الثقافة فلا أجد وصفا محددا له. فقد قتلته كلمة لوم وجهها له أحد أصدقائه. وقتها كان الجو العام بين المثقفين ملبدا بالغيوم، حيث السادات قد فرغ لتوه من إنهاء معاهدة كامب ديفيد، وكان الرئيس يريد لكل أبناء الشعب أن يؤيدوه، ولكنه فوجئ بأعداد كبيرة من المثقفين تعارضه، فيما أيده عدد منهم، وبدأ تراشق الاتهامات بين المثقفين. كان موقف بعض المثقفين من المسؤولين عن المواقع الثقافية صعبا، فهم مطالبون بتأييد الرئيس السادات بحكم انتمائهم المهني والوظيفي. وهو ما عرضهم لسهام النقد الجارح من زملائهم. غير أن الموقف تأزم عندما عرض وزير الثقافة منصور حسن وقتها على صلاح عبد الصبور توجيه دعوة لإسرائيل لحضور معرض القاهرة الدولي للكتاب الذي تنظمه الهيئة العامة للكتاب برئاسة عبد الصبور، وبالفعل حضرت إسرائيل المعرض للمرة الأولى. وهو ما زاد من حدة هجوم المثقفين، وقام بعض المثقفين بمظاهرات احتجاجا على وجود إسرائيل، وبعضهم طالبه بالاستقالة احتجاجا على دعوة إسرائيل. ولكن الرجل لم يقدم استقالته، وكانت وجهة نظره أنه لو استقال فسيترك مكانه لمن هو أسوأ منه، ويرى الدكتور جابر عصفور أن مجهودات عبد الصبور ومقاومته لفكرة حضور إسرائيل المعرض حالت دون حضورها أي معرض كتاب بعد ذلك.


    والذي حدث أن أحد أصدقاء عبد الصبور قال له: لا يثور الشعب لأن المثقفين أمثالك يخونونه. وهنا انفعل عبد الصبور، وخيل إليه أنه متهم بخيانة الشعب وتأييد اتفاقية كامب ديفيد. وبدأ يشعر بالتعب، وتوفي على الفور.


    وعندما مات نزار قباني في لندن في مايو 1998 أدخلوا جثمانه في مسجد مصري يقع في ضاحية وينجت في لندن للصلاة عليه باعتباره مسلما. إلا أن مجموعة من المتطرفين أخرجوا الناس من المسجد ورفضوا أن يصلي عليه أحد باعتباره زنديقا وملحدا. وقال زعيم الجماعة الإسلامية التي رفضت الصلاة على الجثمان إنه لا يجب الصلاة عليه في المسجد، لأن أهل المسجد يصلي عليهم أهل المساجد، وأهل المراقص يصلي عليهم أهل المراقص والذين يريدون أن يصلوا على نزار فليصلوا عليه في شارع الهرم .