الابن الضال

19/06/2016 - 11:53:28

حمزة قناوي - كاتب مصري

" الأحداث الواردة في هذا النص من خيال المؤلف بالكامل، لا علاقة لها بالواقع.. وأي تشابه بينها وبين أمور في الواقع هو محض مصادفةٍ. لا تشير القصة إلى أشخاص بأعينهم"


    في ركنٍ قصِّيٍّ من المؤسسة المعنيَّة بالثقافة والأدب أجلسوني وحيدا. أخبروني أن عملي هو التعامل مع النصوص ومُراجعتها لُغويا فقط. حاولت إقناع "كبيرهم" أنني محاضرٌ في النقد بإحدى الجامعات الصغيرة. فرمقوني بنظرات غضبٍ وإقصاء مفادها: الزم الصمت أو الزم بيتك.


    تمُر الأيام وأنا أتعامل مع نصوص كَتَبةٍ من كل الأصناف، أبراج اليوم والفَلَك وكُتب الطهو ولقاءات الفنانات. وبين الوقت والآخر تمُر عليَّ مقالات "المجلة".. مجلة الثقافة المهمة. كنت أصححها وأنا أندهش من المعادلة الكيميائية التي يحار في خلقها حجر الفلاسفة، وهي تجمع بين دفتيها شاعرين (ثمانينيين) يتناصبان العداء مجاهرة ويسفِّه كُلٌّ منهما الآخر منذ الستينيات، بينما تتجاور مقالاتهما- مُبتَسِمَيْن- على الصفحات المصقولة، تماما كما تتجاور في كشوف المكافآت الشهرية المُقدَّرة بمئات الدولارات، كأنهما صديقان في فضائها الرحب الثريّ!


    أحد الشاعرين: التقدُّمي المُبشِّر بالإنسان، والذي خاض معركة في الخمسينيات من أجل إرساء شكلٍ جديدٍ للقصيدة تأخرت عليه المكافأة بضعة أيام، فاتصل بالمؤسسة وعنَّف كل من فيها، مُرسخا شكلا جديدا للغة الحادة المؤنِّبة!


    غريمه الشاعر الآخر، المؤسِّس، المتمرِّد، رفض - أثناء انعقاد المهرجان الموسمي للمؤسسة - السيجار الكوبي الذي قدمته له الإدارة، مطالبا استبداله بواحدٍ أفخم، ورفض أيضا جناح الفندق ذي الخمس نجوم الذي حجزوه له، مطالبا بجناحٍ أفخم وأرقى، فأرسل "الكبير" شابا صغيرا يعمل في الحسابات ليدور على أسواق المدينة الثرية باحثا عن سيجارٍ فخمٍ له، وأخبره أن ذلك "تكليف وظيفي".


    هناك الكاتب الساحلي، المنتمي لمدينةٍ متوسطية، صديق العرَّاب، والذي يطبع له كل سنةٍ كتابا ضخما للغاية مليئا بالسرد الممل، يتقاضى عنه آلاف الدولارات. فقط لمجرد أنه من أهل الولاء والمضيفة العامرة.


    هناك الكاتبة، والفنانة، والمُرهفة، البروفيسورة في الأدب، والتي أشرف على رسالتها أستاذ جامعي وناقد شهير، ظهرت عليه علامات الثراء فجأة ما إن حصلت على الدكتوراه، وصار لها أكثر من عمودٍ في صحف ومجلات ثقافية، قبل أن يُسند إليها تحكيم مسابقات أدبية، تكتفي بالتوقيع على أسماء فائزيها دون قراءة أعمالهم، صورتها الفاتنة تكفي للإقناع بأهمية ما أنجزته. ثم الشاعرة الشابة التي قفزت بسرعة الصاروخ بعد فوزها في أحد البرامج التلفزيونية الأدبية المتفق سلفا على أسماء فائزيها، ومن وقتها وهي تلتقط الصور ضامَّة قبضتها بجانب رأسها أو خدَّها مُرسلة نظرة ساهمة.


    وزَّعت السكرتيرة في المؤسسة دعوات الحفل على الزملاء دون أن تقدّم لي واحدة. عادت بالدعوات الفائضة إلى مكتب الإدارة، فذهبت إليها وقلت: لماذا لم تعطوني دعوة؟ رمقتني باستخفاف وقالت لي: عُد إلى ركنك واشتغل.. لا علاقة لك بالثقافة.. قبل أن تلقي باقي الدعوات في أحد الأدراج..


    تسللت إلى الحفل ليلا وثيابي مُلطَّخة بحبر الكلمات، لم أكن من المثقفين المدعوين من مرتدي الحلل الكاملة كما تنص ديباجة الدعوة. اكتفيت بقميصي الأبيض ذي البقع الزرقاء وتسللت. رأف بي الحارس ورقَّ لمنظري وقال لي: أنت الوحيد الذي أتى على قدميه لا في سيارة. ادخل من هذه الفَرجة، ولا تقل لأحد إني رأيتك.


    دخلت متخفيا بالستائر والظلال. إلى الليل الثري. الفضاء الرحب. النساء الجميلات، مثقفات الباروك والأرستقراط، كانت الطاولات الممتلئة بالطعام والشراب عامرة بالجالسين، معلقي الأعين تجاه مُقدِّم الحفل. الشاب عرَّاب المجلة. الذي لا يحمل شهادة دراسية عليا ولم يُكمل تعليمه الجامعي. أتى للمؤسسة منذ تأسيسها فعينوه مراسلا بين مكاتب الموظفين بالأوراق! بعد وقتٍ من اكتشاف انصياعه وولائه لمن هم أعلى منه عيّنوه في المجلة، يستلم المواد ويُقصي منها ما يريد وينشر لمن يريد، بالاتفاق مع مدير التحرير الذي لا يجد وقتا للاطلاع على العمل وهو غارق في العلاقات والمصالح والاتفاقات التافهة حول مكسبٍ ثقافيٍّ أو آخر. وجد الشاب غير المؤهَّل ضالته في السُلطة التي قُدّمت له على طبق من ذهب. وصار ينتفخ كتمثال قشٍّ كُلما ذُكِر اسم المؤسسة التي يحمل أختامها، مبتسما ابتسامة صفراء شاحبة تقطر بالأهمية وإقصاء من أمامه!


كان يذيع أسماء الفائزين بالعطايا والمِنح.


    العطية الأولى فاز بها شاعرٌ شاب ليس له ديوان واحد منشور. ولكنه- الشاعر- نديمٌ في أقدم حانات المدينة للشاعر السكير رئيس لجنة تحكيم العطايا.


    العطية الثانية: فازت بها كاتبة، قريبة لأحد رؤساء تحكيم ديوان العطايا الثانية.


   العطية الثالثة: حُجِبَت لأن لجنة التحكيم قررت أن تريح رأسها من كتابة التقرير الفني للنصوص وحيثيات المنح والإلغاء.


   العطية الرابعة فاز بها مدير التحرير نفسه ولجان التحكيم "من بينهم ضيفة الحفل الحسناء" (والعاملين عليها).


    أخذت أبتسم وأنا أهز رأسي متمتما باللعنة على نفسي وعلى خطاي التي قادتني إلى هذا السيرك البشري.


    تركت الليل المُعطر بالنساء الجميلات وصُرر المال والشهادات المُذهّبة، الحواة والحِبَال، وغادرت المكان، بين التنانير القصيرة والكروش المتدلية، الممهورة بالثقافة جميعها بين المُسبّحين بحمدها ونِعمِها.


    عُدت إلى ركني البعيد أراجع الكلمات وأصححها، عندما وجدت المدير يهرول ناحيتي، ويغلق الباب. نظر لي كأنما يتفحصني. قال لي إنه يعرف أنني أقوم بتدريس النقد بالجامعة، وأنه يحتاجني في "خدمةٍ لن ينساها لي طوال العمر". سألته عن المطلوب فقال لي إنه يريد مني أن أكتب تقارير منح الجوائز التي تم تسليمها بالفعل لأن "الكبير" سأله عنها! قلت له: ولكنكم سلمتم الجوائز بالفعل! قال لي متوترا: استر عليَّ أرجوك. ساعدني أو سننفضح! هل يرضيك أن أخسر سمعتي المهنية إلى الأبد؟!


    تفرسته بإمعان. تذكرت أمرهم لي بالخرَس وأن أموت بداء الصمت في هذا المكان. تأملت شيئا وأنا أبتسم في مرارةٍ وسخرية. نظرت إلى الأوراق المتناثرة من حولي. إلى تقويم الحائط، والسنوات العشر التي نزفها عُمري في هذا المكان. إلى آلاف المشاهد الخرساء المزيَّفة التي مرَّت عليَّ ولم أستطع أن أكون شاهدا على شيء منها.


    نهضت وأنا أنظر إليه وإلى يديه المرتعشتين ووجهه المحتقن انفعالا. سرت إلى الباب.


............  


خرجت من المكتب الفخم  مغلقا الباب خلفي بهدوء، تاركا "الكبير" وهو لا يزال يقرأ استقالتي غير المسببة.


    على أدراج المؤسسة مررت بهم جميعا: الشاعر الأرستقراطي ذو المناديل الملونة حول رقبته، الذي ينتظر جائزة عالمية منذ سنوات لن تأتيه لو ذهب إلى القبر، والشاعر الآخر.. المبشِّر بالإنسان الجديد وحريته وقيمه، صاحب معركة القصيدة الجديدة في الخمسينيات، عابد الدولارات والمكافآت، والصحفية التي تشتغل بالصحافة لأنها لا تجد شيئا آخر تعمله في البيت، والشاعر السكير عضو لجان التحكيم، وقد نسيَ الشعر ونظمه منذ عقدٍ كامل، ومنذ استهوته لعبة التحكيم والأموال السهلة، والقاص العجوز عضو لجان التحكيم الذي شحب بصره فلم يعد قادرا على القراءة أو الحكم على النصوص، عوضا عن ممارسة الإبداع. الشاعر الشاب الفائز السعيد بالجائزة، وهو يتصل بصديقه - المُحكِّم- ليدعوه إلى البار ليلا وهو يمسك بمظروف الدولارات. والكاتب المتمرس الذي يرسل نصوصا قديمة له لتُنشر في المجلة بعدما نضب معينه. وضيفة الحفل الفاتنة، المُحكِّمة، التي سارت برفقة أحد الكبار من رعاة الثقافة نحو سيارته الفخمة، بينما يهمس في أذنها بشيء فتطلق ضحكة محرِّضة!


   تعثرت في صندوق به مئات الرسائل من شباب فقراء في الأقاصي البعيدة ببلادهم الفقيرة، امتلأت رسائلهم بكلمات تشبه التوسُّل إلى السيد مدير التحرير ونائبه "الشاب حامل الأختام" لينشروا لهم ولو مقطعا أو نصا صغيرا، بينما لُصِقت على الأظرف طوابع ذات جنيهات ودنانير قليلة.


    وشردت بذاكرتي إلى مواقف طالما مرَّت عليَّ لكُتَّاب "حقيقيين" كانوا يُقدّمون كتبهم ومقالاتهم للمؤسسة ومجلتها، فيعتذرون لهم عن نشرها بدون سبب، بتعالٍ واقتضاب.


سرتُ دون وجهة..


    في المدى لم يكن أمامي سوى الريح. وقميصي الأبيض المليء ببقع الحبر يقيني صهد الشمس، الطريق غائم وإن كنت أرى البحر في آخره.


   ما لفتني ليس البحر وإنما أنني أراه. كانت المرة الأولى التي أرى بها!