محمد جبريل .. رحلة عمر بين الإبداعين الورقي والبشري

19/06/2016 - 11:48:37

محمد جبريل محمد جبريل

يوسف الشاروني - كاتب مصري

كان تعرفي إلى محمد جبريل (1938) على ما أذكر عندما كنت أعمل بالمجلس الأعلى للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية في القاهرة برئاسة يوسف السباعي، وكان يلتقي بي كصحفي يعمل في صحيفة "الجمهورية" للحصول على أخبار أدبية، وكنت أقدم له الشاي الذي يفضله تحية له في زيارتي، فإذا به ينشر مقالا في الصفحة الأدبية الأسبوعية التي كان يحررها – ولا يزال – في صحيفة "المساء" عنوانها بالمانشيت "شاي كشري في مجلس الفنون" فما إن قرأ يوسف السباعي هذا العنوان حتى اتصل غاضبا برئيس تحرير "المساء" محتجا على هذا الأسلوب في الكتابة عن نشاط المجلس الذي يرأسه، مما سبب أزمة لا أذكر الآن توابعها.


لكنني أذكر أنه في عام 1973 أهداني ربما أول مؤلفاته "مصر في قصص كّتابها المعاصرين" (الهيئة العامة للكتاب 1973) فما إن قرأته حتى أُعجبت بما بذله من مجهود في جمع مادته عن الأدباء الذين تناولهم وقدمهم للقارئ تقديما مبتكرا، فأشرت عليه أن يتقدم به لنيل جائزة الدولة التشجيعية في الدراسات الأدبية، لكنه كان مترددا ولا يريد التقدم ويفشل، مما دفعني إلى إحضار النسخ الأربع المطلوبة للتقدم للجائزة، وكتبت طلب التقدم، ولا أذكر الآن من وقّع عليه باسم محمد جبريل. المهم أنه صدق توقعي وفاز محمد جبريل بجائزة الدولة التشجيعية في الدراسات الأدبية عام 1976.


من يومها انعقدت بيننا أواصر علاقة شخصية وأدبية، فكتبت أكثر من مقال عن أكثر من إبداع من إبداعاته سأشير إلى خمسة منها:


رواية "زهرة الصباح" (1995) استخدم فيها محمد جبريل قناع التاريخ بهدف إسقاط قضايانا المعاصرة على مرحلة تاريخية سابقة. هي العصر المملوكي، واختتمت المقال بأن رواية "زهرة الصباح" جعلت مهمة شهرزاد أكثر اتساعا، لم تنقذ فقط بحكاياتها بنات جنسها بل أبناء شعبها أيضا، وهكذا حققت رواية "زهرة الصباح" مهمتها: إعطاؤنا الخلفية المحتملة التي أغفلتها الليالي، وكشفت عن مصدر سرى محتمل لمواصلة شهرزاد قصصها، وأنها ليلة أخرى تضاف إلى النص المفتوح "ألف ليلة وليلة". أما بناؤها الفني فيقوم على أساس من الخطوط المتقابلة المتكاملة، تتلاقي حينا وتتصادم حينا، لتتدفق الحياة في شرايين هذا الكائن الأدبي "زهرة الصباح" (يوسف الشاروني، قراءات في روايات، المجلس الأعلى للثقافة، 2008).


رواية "الشاطئ الآخر" (1996): يربط خيط رفيع بينها وبين "زهرة الصباح" حيث تتناثر فيها فقرات تراثية عن ظاهرة الحب كلما احتدمت عواطف بطلها المراهق واختلطت بهوايته القراءة، وإذا كانت السيرة الذاتية تتزيا بزي القالب الروائي في أدبنا الحديث، فإن "الشاطئ الآخر"، على العكس من ذلك، رواية تتخذ قالب السيرة الذاتية. أما مسرح الأحداث فهو الإسكندرية في بداية الخمسينيات من القرن العشرين حين كانت ما تزال أكثر المدن المصرية تمثيلا للقاء الشرق بالغرب. أما الزمان فهو مرحلة تغيرات سياسية واجتماعية حاسمة، شهدتها مصر مع بدايات النصف الثاني من القرن العشرين: إلغاء الملكية، تولى جمال عبد الناصر رئاسة الوزارة فالجمهورية، تأميم قناة السويس، العدوان الثلاثي (الإنجليزي الفرنسي الصهيوني)، هجرة الأجانب. لكن هذا التغير على المستوى العام لم يكن إلا خلفية لتغير آخر على المستوى الفردي، هو تطور البطل من مرحلة الصبا إلى مرحلة المراهقة وتفتحه على عوالم جديدة كانت غامضة عليه، وفي هذين التغيّرين أو التطورين يضفر محمد جبريل محوره الروائي.


أما ملحمته "أهل البحر" (2007)، وهو كتابه الثالث والخمسون، فيقع مجموع صفحاتها 850 صفحة من القطع المتوسط وتتضمن تقديم حي بحري بالإسكندرية ـ مسقط رأس محمد جبريل ـ من خلال 67 شخصية ما بين أعلام لهم وجودهم التاريخي أو الشعبي وأخرى ما بين خادم مسجد أو فتوة أو سيدة تنافس الرجال في أسواقهم أو حتى ممارسة الفتونة، أو كودية زار أو تيسير فرص اللقاء بين نساء محترفات وطلابهن من الزبائن، أو توشوشْن الودع، بل حتى مخلوقات قوقعية أبدعتها المخيلة الشعبية فأصبحت جزءا لا يتجزأ من مكونات تلك البيئة البحرية مثل عفريت الخرابة أو عروس البحر أو جنيّ البحر. وكما حدد محمد جبريل المكان الجغرافي فقد حدد أيضا الفترة الزمانية لشخصياته التي أبدعها واختارها وهي التي عاشت في بحري منذ مطلع القرن العشرين حتى الآن.


ويواصل محمد جبريل إخلاصه للحي الشعبي الذي نشأ فيه بالإسكندرية فيصدر "رباعية بحري" المكونة من أربعة أجزاء تنتمي أسماؤها إلى أربعة من أولياء الله هم بترتيب الرباعية: أبو العباس، ياقوت العرش، البوصيري، وأخيرا علي تمراز الذي قيل إنه لم يكن وليا بل مجذوبا أخلص في محبة الله. وهناك علاقة وظيفية بين أسماء هذه الأحياء وقاطنيها هما: التصوف ويمثله هؤلاء الأولياء الأربعة، وفي مقابله البغاء وتمثله أنسيه، وفي النهاية يلتقيان حين تقرر أنسيه التوبة، فتتحول من امرأة لكل الرجال إلى امرأة رجل واحد. (علي تمراز). هذه رباعية تشغى بأولياء الله، ويتداخل فيها عالما الواقع والفانتازيا، وحالات اليقظة والحلم، وتدرجات التدين ما بين القائم على العقل والقائم على الانجذاب والمحو.


أما "صخرة في الأنفوشى" (روايات الهلال 2011) فهي رواية على قصرها (115 صفحة) من الصعب صّرها في منديل، وهى خطوة تبرهن على أن محمد جبريل ما يزال يتقدم في طريق بلاغته الروائية، وقد التحم فيها ما يمكن تسميته بالواقع الروائي بالخيال، مما دفعه إلى التنبؤ بما وقع في مصر – وفي أكثر من دولة من دول العالم العربي – من ثورات على الفساد: وتتميز هذه الرواية بأن الشخصيات لها الصدارة، بينما الأحداث في خدمة تقديمها الدرامي. وأبرز تلك الشخصيات في مقدمتها الشيخ الأباصيري (65 عاما) يجمع بين النقيضين: كلماته محملة بالوعظ والحلال والحرام، نظرته هادئة مسترخية، صوته رائق النبرة: لكنه إنسان غير الذي ينفرد بها في حجرة اليوم، لا تعابثه الشهوة بغير أذيتها.. يواصل ضربها حتى تأتيه الرجفة، يطلق صيحة انتشاء أشبه بالحشرجة أو الخوار، يتمدد في اللحظة التالية، ويعلو شخيره. وقد أدت هذه المعاملة الوحشية إلى تمرد راوية على هذا الزوج المريض بانجذابها نحو الشاب حوده الذي يقف في دكان الأباصيري، وهي علاقة تدرجت إلى أن يفاجئها والدها رجب كيره وقد تداخل جسدها العاري مع جسد حوده لنغوص مع محمد جبريل في قاع الزلزال النفسي للوالد.


وتتناول الرواية مصائر مدحت الابن الأصغر لرجب كيره، وأخيه سعيد الذي يمثل عكس أخيه النموذج المنبسط.


ولم يقف محمد جبريل مني موقفا سلبيا وذلك بكتابته أكثر من عمود من أعمدته في صفحة المساء الأدبية الأسبوعية التي يحررها كل يوم سبت يحييني فيها ويطالب – بالنيابة عني – بما أستحي أن أطالب به. لكن ربما كانت مقدمته التي كتبها لروايتي الغرق (2006) هي أبرز ما تناول فيه أحد إبداعاتي، وأقتبس منها بعض ما سجله على الغلاف الخلفي للرواية: ورغم أن اتجاه الرواية إلى ما يصح تسميته التحقيق الروائي، فإن تفاصيل الدقائق السبع للكارثة، وما بعدها، تبين عن أستاذية الشاروني. هذه الدقائق تفيض بأجمل ما في الفن الروائي من خصائص لغوية وفنية سردية. حتى الحوار قصير، سريع، متوتر، يضيف إلى الحدث دون جهارة أو انفعال أو استعادة أصوات غير حقيقية..


وينتمي محمد جبريل إلى طائفة مَنْ أطلق عليهم "مزدوجي الإبداع"، فهو لا ينعزل في صومعته لينجز ما أطلق عليه "الإبداع الورقي أو الحاسوبي الآن"، بل يمارس أيضا ما أطلق عليه "الإبداع البشري" بحرصه على لقاء شباب المبدعين أسبوعيا في نقابة الصحفيين سابقا، ومبنى صحيفة الجمهورية حاليا، يصغى إلى إبداعاتهم ويناقشهم في أبوّة مثمرة، وقد دعاني أكثر من مرة للمشاركة في هذه اللقاءات التي تتلاقى فيها الأجيال يتبادلون خبرات الكبار وابتكارات الشباب لتواصل الأجيال مسيرتها دون انقطاع.