أن تكون فى نجريللى .. طرف من مقدمات بركان يناير

19/06/2016 - 11:47:57

د. رمضان رمضان متولي - كاتب مصرى

 نحن بصدد دراسة رواية ذات أبعاد سياسية واجتماعية وتاريخية، تعرض صفحات من تاريخنا القومى "ماضيه وحاضره" باحثة عما آلت إليه حالة المدينة "الإسماعيلية" باعتبارها هنا رمزاً لمصر المحروسة، والتغيرات الاجتماعية والسياسية التى لحقت بها، خاصة بعد غزو جحافل "الجلابيب واللحى"، كبادرة لسطوع الانهيار الروحى ممن لايقيم وزنا لتاريخ المدينة.. مما يشكل أزمة يعيشها مجتمع الإسماعيلية كنموذج لأزمة الوطن المصرى بأكمله، وذلك على مدى أكثر من أربعين سنة تم تجريف كل ما هو جميل به وترك الروح خرابا.


هذا .. وفى بنائه الفنى للرواية يستعير المؤلف قواعد البناء المسرحي بوحداته المعروفة. أما الوحدة الأولى فهى وحدة المكان، فأحداث الرواية تدور فى مكان واحد هو مدينة الإسماعيلية، ويذكر لنا المؤلف أن اسمها مشتق من اسم الخديو إسماعيل باقتراح من الماكر ديليسبس، كما وظف دراميا ما بها من مساجد وأندية وشوارع، وخاصة شارع نجريللى.


  هذا كما اعتمد على وحدة الزمان وقد اختار لها عصر السادات وامتداد ما ساده من فساد ناتج عن سيطرة غيلان الانفتاح الاقتصادى على مفاصل الدولة – امتداده إلى عصر مبارك. وفى حرفية تحسب له ربط العنصرين الزمان و المكان بالشخصيات، ومن خلال سرده الدرامى المنطقى حول شخصية المهندس الإخوانى البغيض "خالد" وضعنا فى نطاق عقدة الرواية. فأطلعنا على الدور الخيانى الذى قام به مع زملائه الأشرار من زبانية الإخوان من خطف للصحفى "بهجت" وإفقاده لعضو رجولته "إخصائه" جراء علاقته بأخته "جنات" المذيعة بإذاعة القناة، واتخاذهم من بيته مخبأ سرياً لأسلحتهم التى سبق أن استخدموها فى قتل الإمام الذهبى.


صنف المؤلف شخصياته فى فصيلين متواجهين ومتناقضين سلوكاً وفكراً.


أما الفصيل الأول فيضم أصحاب الجلابيب البيضاء القصيرة واللحى السوداء الطويلة، يتقدمهم خالد المهندس بشركة قناة السويس، والذى لا يستحى من لحيته التى تتدلى على صدره، وزبيبته التى تعتلى جبهته، وينتهك حرمة جاره ويتغزل فى جسد زوجته، ويطارد على بسطة درجهم جارة أخرى عجوز، لكنها تثير شيطان الجنس فيه، حتى ليغرقه بلله، ويسرع إلى المسجد – نجساً – ليحضر مع جماعته دروس شيخهم ومنظرهم "عبد الرحمن" أس الفساد فى الجماعة ومحرك الشر والتدمير فيها،  ونظرا لهذا السلوك الإرهابي الخسيس منه تفسخ الأديبة الجميلة "خديجة مريم" خطبتها منه وإن ظلت على صداقة وطيدة بأخته المذيعة الجميلة "جنات". ويبرز السياق الدرامى ممالأة السلطة الحاكمة للجماعة الإرهابية، ممثلة فى المقدم "الطحاوى" وتستره على جريمة خطف "بهجت".


يواجه هذا الفكر الإرهابى العفن جماعة سنابل الثقافية، سلاحهم الكلمة الراقية المستنيرة – سواء فى ندواتهم التى تعقد على سطح بيت زميلهم محمد الملط، ذلك الوجودى الذى يملأ سطح بيته بغية حمام يناغيه ويلاغيه ويسكن إليه. وحيث يقوم زميلهم شاعر المدينة مدحت الشاهد بإلقاء قصائده المنحوتة من التراث الشعبى، ويغنى زميلهم مرسى بركة أغانى السمسمية على نغمات زميلهم يحيى مولر، ويحدثهم سائق التاكسى المثقف اليسارى– عضو حزب التجمع عن نشاط الحزب فى التصدى لمظاهر الفساد التى تعم المجتمع المصرى– وتقرأ عليهم الأديبة الثورية الجميلة "خديجة مريم" واحدة من قصصها التى تتحدث عن فترة التهجير من مدن القناة. وتنقل المذيعة المتصوفة جنات ندواتهم فى برامجها فى إذاعة القناة. وعلى هذا النحو قام المؤلف بخلق علاقات قوية ومتشابكة بين شخصيات الرواية بما لها من أدوار حيوية وبما ترسله من أهداف مشتركة فى بنية العمل. كما خلق عن طريق الوصف ميدانا فسيحا متنوعا يتطلبه انفجار الحدث الذى يتشكل فى أزمة، بقدر ما يعنى رؤية الآخرين قبوله، وما يستدعيه من ردود أفعال وانفعالات وخواطر، وما يعكسه على سلوكيات من تأثر به، وهذا ما لمسناه بالفعل إثر قيام إخوان الشياطين بخطف الصحفى الوطنى "بهجت" وإخصائه وبالتالى إفقاده آدميته ورجولته، فبعد رفع الحجب عن الذهنية انكشفت نوازع الشر لدى جماعة إخوان الشياطين، ولعبت الشياطين برؤوسهم وانتزعت من بهجت آدميته ومعنى الحياة والحب والعشق الذى كان يحياه مع جنات.


وفى المقابل ومن خلال ما حدث من اعتداء صارخ وظالم على بهجت وُضعت باقى شخصيات الرواية فى مواقف متفجرة، خاصة أصدقاءه وزملاءه فى جماعة سنابل – تفجرت فيهم أحاسيس وانفعالات الثورة، فخرجوا فى مظاهرات حاشدة، هزت المدينة وأيقظت نُوّامها، فانفجر البركان الثوري، حتى حمامات الملط أثر فيها ذلك الفعل الثورى فخرجت من أعشاشها وملأت فضاء المدينة هديراً يصم الآذان، واضطرت السلطة الغاشمة الظالمة – أمام هدير البركان الثوري لسنابل ومؤيديها من جماهير الإسماعيلية - إلى إطلاق سراح من احتجز من قادتها وثوارها.


وعلى هذا النحو حرص السرد الدرامى فى الرواية على وضع المتلقى فى قلب الحدث الذى تسلسلت منه مجموعة من السلاسل السردية المترابطة، وهى فى ترابطها خلقت منطق بنيتها الذى هو منطق توالى أحداثها فى تماسكه وفى تمدده بنهاية هذه الأحداث، التى تلتحم بها الشخصيات، الأمر الذى أثرى التجربة، وذلك بما زرعه من آمال وآحلام فى ختام روايته.


وكانت مظاهرات سنابل وشعب الإسماعيلية أشبه بمخاض أشعل فتيل الثورة فى نفوس أهل المحروسة جميعاً، فانفجر البركان الثورى الهادر فى 25 يناير، وما أعقبها من فعل ثورى حقيقى فى 30 يونيو. وفعلها هذا الثائر الوطنى الهمام الذى جاء به قدر مصر الطيبة، والذى وجدت فيه مصر خلاصها من الحكم الإخوانى البغيض. وفى ذلك دلالة وتورية فى الانتقام لما حل من ظلم ببهجت وجنات ومن تدمير لأحلامهما.


هذا .. كما تجلت مهارة مؤلفنا الفنية فى تناوله لشخصيات الرواية بما يؤكد أننا أمة تتوارث الإبداع جيلا بعد جيل كما سبق أن ورثت الإبداع المعمارى والإنشائى عند جدودنا الفراعنة. ومن ذلك قيامه بإضافة وظيفة الراوى إلى شخصيات         الرواية، فجعلنا نتتبع تطور أحداث الرواية ودور كل شخصية فيها على لسان الشخصية نفسها. وعلى هذا فقد قام كل راو بالإفصاح عن ملامح شخصيته بشكل تفصيلى، فلم يترك من معالمها شيئا إلا سلط زوايا العدسة السردية عليه، وذلك فى إطار الهيكل العام للخطاب، وكل ما يمنح الشخصية أبعادها، فظهرت كل شخصية مكتملة القسمات، متوازنة السمات، مع حركتها ولغتها وكل مكوناتها الفنية والإنسانية ارتكازا على الإيجاز، فتجلى إنجاز الرؤية بقربها وبعدها متناغما فى صدقه الفنى ومصداقية الخبر، فانتقل كل راو كما شاء فى تصوره للأحداث وفى وصفه للخلفية سواء كانت مكانية أو زمانية. وفى عرضه للحدث وطريقة      تسلسله، ثم فى انتقالاته الحرة كما يشاء فى الزمان والمكان موفراً لنفسه وسيلة تعبير حر لا تعرف الحدود. وذلك باعتبار أن تحقق السرد هو "تحقق لرؤية فكرية يمكن استنباطها منها باعتباره إحدى وحدات السرد وحاملا لرؤية المؤلف والقائم على إنجاز هذه الرؤية ومشتبكا بفعله ". وكانت جنات فى خطابها السردى لتفاصيل وأحاسيس ومشاعر علاقتها ببهجت وخاصة لقاءاتهما الحميمية أصدقهم تعبيراً. وعلى هذا النحو .. اعتبر كل راو فى هذه الرواية مبدعا يطل من علٍ على عالمه الروائي، وإن لم يتدخل فى خلقه.


هذا ..وقد وفق المؤلف فى ضبط إيقاع افتتاحية روايته حين دفع بطلها " الصحفى الوطنى صفوت" فى التجول فى شوارع أنحاء المدينه وخاصةً فى شرقها وغربها فبدت مرافقها وكأنها تعزف له لحناً كله تفاؤل وأمل فى غد مشرق طيب .. وها هو يوفق فى ضبط إيقاع نهايتها فنيا وفكريا فيقيم بينهما علاقة ذات طابع نفسى محض وذلك باعتبار الأولى عتبة الدخول إلى النص، والثانية عتبة الخروج منه . فثمة تغير حدث فى المدينة من ناحية وعلى مستوى ذاته من ناحية أخرى، فاختلفت الرؤية لدى بهجت، فعلى مستوى ذاته كان مثخن الجراح مقهور النفس تسيطر عليه نظرة سوداوية تشاؤمية محبطة بعد أن فقد رجولته وفحولته، وعمت هذه النظرة اليائسة البائسة على كل ما وقعت عليه عيناه من مرافق وجماد وإنسان. ودفعه كل ذلك إلى التخلص من حياته بطلقة مسدس .


لغه الرواية : هى أجمل مافى الرواية، فمؤلفنا صاحب لغة عذبة راقية بليغة عالية الإحساس، رقيقة فى تعبيرها عن مشاعر وأحساسيس شخصياتها  ويؤخذ على مؤلفنا ما عاب بعض فصول الرواية من حشو ولغو لايفيد السرد الدرامى بل إنه قد يصيبه بالشلل . ومن ذلك ما ذكره لنا ص93 على لسان محمد الملط عن تاريخ إنشاء مدينة الإسماعيلية، فقد اتسم حديثه هنا بطابع تسجيلي وتقريري وكأنه يقتطع صفحات من كتاب تاريخى. وفى ص99 وعلى لسان الملط أيضا يلقى علينا محاضرة عن تاريخ احتفال المصريين بشم النسيم، ومحاضرة أخرى ص 112 على لسان طبيب بيطري من جماعة إخوان السوء عن تاريخ التسجيل لأقدم حالات الإخصاء وكيفية ذلك فسيولوجياً.