حوارية البناء السردي في رواية « أن تحبك جيهان »

19/06/2016 - 11:47:08

د. محمد السيد إسماعيل - كاتب مصرى

تعتمد رواية “أن تحبك جيهان” للروائى المصرى مكاوى سعيد على ما يعرف برواية “تعدد الأصوات”؛ حيث يقوم بسرد أحداثها ثلاث شخصيات رئيسية على درجة واضحة من التمايز والاختلاف وهم : أحمد الضوى المهندس والذى لاتتجاوز حركته حدود العلاقات النسائية وجيهان العرابى محترفة التصوير وريم مطر الفنانة المسرحية.


وتبدأ سمة الحوارية التى أشير إليها فى العنوان من هذا التباين بين الشخصيات الثلاث رغم علاقتى العشق والحب التى تربط أحمد الضوى بكل من ريم وجيهان؛ فأحمد ميدو على مدار الرواية شخصية منقادة غير مهتمة بشىء سوى رغباتها الغريبة حتى الشركة الخاصة التى أسسها أو كل إدارتها لغيره. لكى تظل حياته دائرة فى فلك ثلاث شخصيات : عشيقته ريم مطر وصديقه عماد صدقى ضابط الشرطة وجيهان العرابى التى ظلت حلما بعيدا عنه ومستعصيا عليه رغم حضورها الطاغى داخله إلى الدرجة التى بدت فيها ريم أقرب إلى البديل المؤقت دائما أو الملاذ القريب للهروب، يقول الضوى معبرا عن حالة الانقياد هذه : “أساق مع ريم لمقابلة طليقها وأساق مع عماد لمقابلة دجال.. ولست أدرى ما الذى سأساق إليه فى المستقبل” (أن تحبك جيهان) مكاوى سعيد ص 25 الدار المصرية اللبنانية 2015).


هذا التباين أو التنوع لايقتصر على متناوبى السرد الثلاثة بل يشمل بقية الشخصيات التى توزعت بين الشخصية السياسية الماركسية (حسام خالد أحمد الضوى ثم جاره شريف)، والنحات المحيط (تميم زوج جيهان) وكتاب القصة (رنا وزوجها فؤاد) وخيرى عالم الاقتصاد وتلميذ المفكر الشهير سمير أمين وغيرها من الشخصيات؛ على أن الرواية تشير بوضوح - وهذا ملمح ظاهر فيها - إلى ما يسمى بالشخصيات المرجعية الحقيقية والتى تحمل القدر نفسه من التنوع بين رجل الأعمال أحمد محمد حسنين هيكل ومحمد أبو العينين والمخرجة إيناس الدغيدى والفنان لطفى لبيب والكاتب الكبير بهاء طاهر والناشرة فاطمة البودى خاصة فى مشاهد الرواية الأخيرة التى تصور بدايات ثورة يناير . على أن هناك سمة أخرى تطال الشخصيات السردية المتخيلة وأراها أكثر دلالة وهى سمة التحول التى تقترب إلى المسخ فشريف يتحول من مناضل ماركسى إلى مريض نفسى وينتهى به الأمر إلى الموت فى إحدى المصحات النفسية وتميم يتحول من فنان يحتذى خطوات محمود مختار إلى “صنايعى” يعمل وعينه على الزبون على حد تعبير زوجته جيهان العرابى فيما يشبه الموت المعنوى الذى كان تمهيذا لموته الحقيقى المبكر؛ و “ريم” تتحول من مشروع فنانة إلى عشيقة للضوى وأخيرا تعود إلى طليقها المخرج المسرحى فى حالة يأس من الحياة كلها كما يبدو من قولها :


بل إن هذا التحول يحدث على مستوى العوالم فيتحول العالم الواقعى إلى عالم افتراضى بالنسية لشخصية بسمة التى تقع فى حب خيرى ويصبح هذا العالم الافتراضى كل حياتها تقريبا لأنه - كما تقول لصديقتها جيهان - منحها أجمل ما فى حياتها وتعنى خيرى الذى أستلبها إرادتها تماما.


فى مواضع أخرى يتحول العالم الحقيقى إلى كابوس أقرب إلى الترميز المأساوى لأحداث الواقع والانعكاس الدال على علاقاته المتداخلة ويمكن التمثيل على ذلك بالكابوس الذى عاشته جيهان والذى ظهر فيه “تميم” وأستاذه “الوشاحى” ومنافسه د.نبيل الذى أفسد عليه حياته وفنه وعلى مستوى آخر يبدو الصراع بين الآلى الذى يحد من فاعلية الإنسانى مثل “التصوير” والغنى الذى يؤكد هذه الفاعلية مثل الرسم حيث يرى تميم “أن الموت الأول للرسم حدث عند اختراع الطباعة.. وأن الموت الثانى الذى حدث للرسم كان باختراع الكاميرا”، بينما النحت لايأبه بأى مخترعات حديثة وأنه نتاج ثقافة استقرار. ولاشك أن هذه الحوارية القائمة على تباين الشخصيات قد انعكست على أسلوب الرواية الذى هو - كما يقول باختين - حوار مجموع الأساليب المستخدمة، فالملاحظة بوضوح تباين أسلوبى ريم مطر وجيهان العرابى واختلافهما معا عن أسلوب أحمد الضوى؛ غير أن الأسلوب الساخر يكاد يكون ملمحاً مشتركاً بين أحمد الضوى وريم مطر والذى يصل أحيانا إلى درجة الفضائحية، ومن هنا يمكن تأويل التصدير الوارد فى البداية والمنسوب إلى أبى حامد الغزالى : “اللهم افضحنا ولا تسترنا حتى يتبين لنا الخبيث من الطيب” باعتباره إحدى غايات الرواية. فالفضح الذى يصل إلى جلد الذات يعد إحدى التيمات الرئيسية السائدة على مدار الرواية والتى شملت كل الفئات تقريبا: اليسار، المثقفين، ضباط الشرطة، الطبقة الارستقراطية؛ يقول حسام إن “الصراعات فى ذلك الوقت بين القوى اليسارية المختلفة كانت أشد ضراوة من صراعهم مع نظام الحكم القائم” .


وفى موضع آخر تصف جيهان العرابى حالة المثقفين بقولها إن بعضهم عنده إحساس مرضى بالأهمية وبيتصور إنه مستهدف ويبدأ يشك فى كل اللى حواليه ثم كل الناس” إننا لا نجد هنا كلاماً مباشراً عن قمع السلطة بل نرى آثارها على الآخرين الذين يمثلون موضوع القمع والذين لم يقتصروا على اليساريين أو المثقفين عموماً بل شملوا أناسا لا شأن لهم بالسياسية كما بدا من الحديث - أكثر من مرة - عن استغلال عماد صدقى ضابط الشرطة لسلطته، واستهانة جهاز الشرطة بدورات حقوق الإنسان، وامتدادا لهذه الروح الانتقادية الساخرة نجد حديثا عن صفات رجال الأعمال فهم - كما تروى ريم مطر - “رجال متأنقون” مدعو ثقافة تسرى الشائعات حول ثرواتهم الضخمة، تلتصق بشقاههم ابتسامة الرجال العاملين فى مجال التنمية البشرية وتصف أعضاء نادى هليوبوليس بأنهم “وسامة وشياكة وتفاهة” أما الفنانون على اختلاف أشكال الفن فإنهم “يقلدون بركاكة الصورة النمطية عن الفنانين” فى “إهمالهم العناية بنظافتهم وحرصهم على حمل كتب سميكة باللغات الأجنبية دليلا على سعة اطلاعهم” .


وبالإضافة لما سبق فإن الرواية تعتمد على أنماط أسلوبية شديدة التنوع منها الأسلوب الشاعرى، خاصة عندما يعبر الضوى عن حبه لجيهان التى لايجرؤ على البوح بحبها : “لا أجرؤ أن أقول لمن أحبها إنى أحبها حتى لايضيع هذا الحلم الجميل ويضيعنى، ولا أعرف هل تحبنى أم لا فهى كعبير زهرة يتخلل روحك ثم يفر هاربا .. أحب جيهان وجيهان ضوء قمر أراه من قعر البئر التى ترويت فيها.. أناشدها البقاء وأحلم أنها يوما ستستجيب .


يعتمد هذا الاستشهاد على الأسلوب الخبرى والأسلوب الإنشائى والمجاز بأنماطه المختلفة والصورة المشهدية. وهناك ما يسمى بالأسلوب السينمائى القائم على تتابع المشاهد بأثر من فن “المونتاج” وهو ما يأتى فى نهاية الرواية : “رأيت باب مدرسة يدفع بالتلاميذ إلى الشارع ومبنى شاهقاً تعلوه لافتة ومداخن مصانع يتصاعد دخانها إلى أعلى ..” وهذه المشاهد المتتابعة تستعيد - فى أغلبها - مشاهد حدثت على مدار الرواية وكأننا هنا أمام حركة حرة لوعى لاحمد الضوى داخل المكان والزمان والشخصيات .


وفى مواضع أخرى نجد تصميما لبعض المقولات الفلسية فى التفريق بين الظاهر والباطن مثلا كما يبدو فى قول زكى نجيب محمود : “إن أغلب الثمار تفسد من الخارج كالجوافة والمانجو والخوخ وهذا هو الظاهر بينما مهما كانت الثقافة فاسدة وعطنة من الداخل تبدو لامعة ويانعة من الخارج وهو ما يطلق عليه الباطن” وهناك ما يعرف بالأسلوب الكنائى حين تجعل ريم مثلا “صفاء” وهى حرباء تربيها فى شقتها جزءاً من كيانها حين تقول للضوى: بس صفاء مختلفة.. لو نطت على جسمى حتبقى زيى بالظبط” أو حين تخلع ملابسها تماما فى أحد مشاهد الرواية المتأخرة كناية عن خلاصها من علاقتها بأحمد التى بدأتها وأنهتها فى الوقت الذى تريده. ويقترب من هذا الأسلوب الكنائى ذلك التداخل بين حالة الشخصية وحالة الطبيعة يقول أحمد الضوى واصفاً الطبيعة التى أصبحت مثل مرآة عاكسة لحالته النفسية: “بدأت أسمع أصواتاً تأتى من بعيد فيها خليط من هدير الرياح الشديدة أو قعقعات العواصف متبوعة بأصوات تبدر كنباح الكلاب عندما تزوم بشكل مخيف”.


وهى كلها تهيؤات بدليل أنها توقفت بمجرد سماع الضوى لصوت أقدام بشرية تصعد إليه بصوت رتيب .


يلجأ مكاوى سعيد إلى ما يمكن أن نطلق عليه المعانى العرفية التى تكتسبها بعض التراكيب اللغوية فحين نقول “حفلة استقبال” فى سياق الحديث عن أحد أقسام الشرطة فإن هذا التركيب يتجاوز معناه اللغوى المباشر ليكون معبراً عما نعرفه من أشكال التعذيب المختلفة؛ بما يعكس حس السخرية المريرة التى يمتاز بها المصريون، وهناك تراكيب لغوية حديثة لاتستطيع أن تصل إلى دلالاتها إلا بإرجاعها إلى معناها العرفى كما يبدو من وصف هايدى واستيلا لريم مطر بعد ارتباطها بأحمد الضوى أن ذوقها انحدر وأصبح “بيئة طحن” وهناك ما يعرف بالنحت اللغوى القائم على اشتقاقات فعلية أو مصدرية مبتكرة بقول الضوى “لاحظت أن السائق بدا متشفياً فى” وهو يختلس النظر فى مرآة السيارة ويبتسم ابتسامة الرجل الذى زوجته “تشبشب له” وها هو فرحان لأنه وجد زميلا فى الشبشية أو قول بسمة ناصحة جيهان “أنا لو منك ابعتله - تقصد الضوى - رسالة ثانية أقول أنا مش عايزة أشوف خلقتك تانى وأبلكه من الفيس وأخليه يمشى يكلم نفسه” وواضح أن ما أقصده هو فعل “أبلكه” ناهيك عن الكناية الواضحة فى “أخليه يمشى يكلم نفسه”.


هناك - أيضا - نمطان من الوصف؛ الوصف التقريرى الذى يكتفى برصد محتويات المكان فيما يشبه الحياد كما فى وصف جيهان لبيت الوشاحى والوصف التعبيرى الذى يعكس مشاعر الشخصية الواصفة على الأشياء كما يبدو فى قول جيهان “سمائى التى أحبها وتحبنى بدت لى لحظة خروجى من بيت الوشاحى كأنها تدعمنى وتشاركنى ضيقى”.


هناك إشارات لأحداث وشخصيات تدلنا على زمن هذه الرواية مثل أحداث كنيسة القديسين وجماعة 6 أبريل وخالد سعيد مما يدلنا على أننا فى الفترة القليلة السابقة لثورة يناير وهو الحدث الرئيسى - رغم وروده فى نهاية الرواية - الذى أعاد أحمد الضوى إلى توازنه وإلى جيهان العرابى  التى ظلت حلمه البعيد، حلمه الذى انتظر أن يمد له يدا وهو واقع فى قاع بئر عميقة.