مسرح الأطفال في العالم العربي .. وعد بالوعي القادم

19/06/2016 - 11:46:30

عرض العصا السوداء عرض العصا السوداء

د.وفاء كمالو - ناقدة مصرية

   يعيش العالم العربي الآن، لحظة تاريخية فارقة، تفرض على مبدعيه ومثقفيه أن يتبنوا قضية صياغة عقول الأجيال الطالعة، وتدريبها على المشاركة والتساؤل، والرغبة فى المعرفة والمواجهة، وحين تأتى هذه الصياغة عبر الفن، فلا شك أننا سنصبح أمام ميلاد صاخب لواقع مغاير، نتجاوز فيه جمود الكائن ونمتلك مقدرة تغييره، وندرك بالفعل أننا أصحاب تاريخ مجيد، وحضارة عريقة تمنحنا شرعية الوجود والاكتمال.


    فى هذا السياق نتعرف على فلسفة مسرح الطفل، وأهميته والتى يشير إليها الكاتب الأمريكى مارك توين، مؤكدا أنه أعظم ابتكارات القرن العشرين، باعتباره أستاذ الأخلاقيات والمثل العليا، وخير معلم اهتدت إليه عبقرية الإنسان. ويعتبر كتاب "مسارح الأطفال"، لمؤلفه الدكتور عمرو دوارة، مرجعا فنيا ووثائقيا للمسرحيين العرب والمصريين، فهو يجمع بين الرؤية الفلسفية والتجارب العملية، ويقدم رصدا تاريخيا لتطور تجربة مسرح الطفل فى دول مختلفة وفى مصر. يمتلك المؤلف حضورا ثقافيا لامعا، فهو صاحب مشروع فكرى وفني، ويعد مؤسسة ثقافية مستقلة شديدة التفاعل والحيوية، وله إنجاز مسرحى بارز سوف تتردد أصداؤه على المستوى المصرى والعربى، من خلال موسوعة المسرح، منذ نهايات القرن التاسع عشر حتى الآن، كما أنه باحث ومخرج وناقد ومهندس يجمع بين دقة المنظور العلمى، ورحابة الوعى الثقافى، تلك الحالة التى تتضح عبر مؤشرات تجاربه المسرحية، التى تأتى كنتاج للموهبة، والوعى الحاد بأبعاد اللحظة التاريخية، التى يعيشها عالمنا العربى، ويؤكد النجاح المبهر الذى تحقق فى تجربته مع الإخراج للأطفال ثراء خياله وعمق رؤاه.


    كان لعمرو دوارة السبق فى إقامة أول مهرجان لمسرح الطفل، من خلال أنشطة الجمعية المصرية لهواة المسرح، وعلى مستوى آخر شارك فى مهرجان توياما باليابان، وهو أكبر مهرجان دولى للأطفال، وحصل عام 1996 على الجائزة الأولى فى الإخراج عن عرض "العصا السوداء"، الذى قدمته فرقة فرسان المسرح، وفى عام 2000 حصل على جائزة العرض الأول فى مهرجان توياما أيضا عن مسرحية "الليلة الكبيرة"، التى بعثت ردود فعل نقدية عالية، وهكذا ترددت أصداء تجربته الفنية على المستوى الدولى، عبر تجارب ترسم مسارات الانتماء، وتنسج دهشة الأحلام، لتشاغب واقعنا الشرس بإيقاعات الوعى القادم.


    تتجه المؤشرات التاريخية والفنية والعملية إلى أن مصر صاحبة الريادة فى مجال مسرح الأطفال، ورغم أن وجود محاولات فى الدول العربية، إلا أنها لاتزال فى مرحلة البدايات، حيث تتخذ هذه المحاولات مسارا جادا، فى دولة الإمارات بسبب اهتمام الدكتور محمد القاسمى، بالمسرح والثقافة بوجه عام، وكذلك فى تونس بسبب تفاعلها مع تجارب فرنسا، وتشهد لبنان مؤشرات حركة حيوية متوترة، وعلى المستوى التنظيرى تعتبر الكتب والإصدارات الخاصة بمسارح الأطفال نادرة فى العالم العربى بشكل عام، لذلك يصبح هذا الكتاب "مسارح الأطفال" وسيلة مهمة لإثراء الحركة المسرحية العربية.


    يضم كتاب "مسارح الأطفال"، الصادر عن الهيئه المصرية العامة للكتاب، مقدمة شديدة الثراء، وثلاثة أبواب. الباب الأول يشتبك عبر فصوله الخمسة مع نشأة مسارح الأطفال في مصر وخارجها والتأثير الإيجابى لهذا المسرح، والأشكال المختلفة له، وطبيعة إخراج مسرح الطفل، ثم منظور الرؤية الإخراجية لخمسة عروض ترددت أصداؤها على المستويين النقدى والجماهيرى.


    كان أول ظهور لمسرح الأطفال، كما يسجل المؤلف، فى مدينة نيويورك عام 1903، وكان مسرحا تعليميا، يشرف عليه الاتحاد التعليمى بالمدينة، أما أول محاولة لتاسيس فرقة متخصصة للأطفال، فكانت فى إنجلترا، ونفذها ساجان سترلنج ماكنلى، بين عامي 1914 و1939، وكانت تعمل أثناء احتفالات الكريسماس فقط، وبدأت فرقة المسرح الاسكتلندى عام 1927، وهي أول فرقة للأطفال تقدم عروضها بانتظام فى المملكة المتحدة، ثم قامت منظمة المسرح بتبسيط مسرحيات وليم شكسبير، وتقديمها لتلاميذ المدارس، وتوقف هذا النشاط مع بداية الحرب العالمية الثانية، وبعد انتهائها تأسست فرقة اليونج فيك، ونجحت فى تقديم عروض في جولات أوروبية، وفى الخمسينيات انتشرت فرق مسارح الأطفال فى إنجلترا ونجحت فى اجتذاب جمهورها.


    كانت الدانمارك من أولى الدول، التى اهتمت بتجارب مسرح الطفل، حيث تأسست أول فرقة للهواة عام 1920، ثم تطورت بعد أن احتضنتها الدولة، وشهدت السويد وهولندا وبلجيكا وفرنسا انتشارا واسعا لتجارب مسرح الأطفال، وظلت دول الكتلة الشرقية مثل المجر وبولندا والاتحاد السوفييتى أكثر اهتماما بهذا النشاط، الذى انتشر ولقى الكثير من الدعم، والاهتمام من الحكومات والمؤسسات الكبرى، وكانت تشيكوسلوفاكيا من الدول المتميزة فى فنون مسرح الطفل، بسبب وجود وزارة واحدة تجمع بين التعليم والثقافة.


    وتقدم مسارح الأطفال فى أوروبا سنويا أكثر من خمسين عرضا جديدا من مختلف الأشكال (عروض العرائس، عروض غنائية استعراضية، عروض تعليمية، ومن بينها مسرحة المناهج)، ويقوم الممثلون الكبار المحترفون بتمثيل هذه العروض بمفردهم، وقد يشاركهم الأطفال فى بطولة بعض العروض، أو يقومون بمفردهم بالأداء التمثيلى فى تجارب اخرى.


    في مصر اتخذت التجربة المسرحية للأطفال مسارا واضحا فى ستينيات القرن العشرين، حيث تأسست فرقة القاهرة للعرائس عام 1959 بمبادرة من وزارة الثقافة والإرشاد القومى، وكان أول عروضها بعنوان "الشاطر حسن"، وفى العام التالى تكونت فرقة "القفاز والعصا"، طبقا للتكنيك الروسى، ثم انتقلت الفرقة إلى مقرها الكائن حاليا بحديقة الأزبكية، واهتمت الدولة بفنانى العرائس، عن طريق استضافة الخبراء الأجانب، وتنظيم بعثات للخارج، وقدمت الفرقة عبر مسيرتها حوالى سبعين عرضا، وكان الفنانون الكبار صلاح السقا، احمد رأفت بهجت، ناجى شاكر، نجلاء رأفت، وجمال الموجى من أهم المخرجين المتميزين فى هذا المجال.


    شهد الواقع المسرحى المصرى وجودا لفرقة مسرح الأطفال، إحدى فرق التليفزيون المسرحية، ولكن نشاطها توقف عام 1966، أما مسرح الطفل بالثقافة الجماهيرية فتأسس عام 1971 بمبادرة من الكاتب يعقوب الشارونى، وتشرف حاليا الإدارة العامة للطفل على جميع فرق الأطفال فى كل أقاليم مصر، ومن أبرز من أسهموا فى هذا المجال سمير عبد الباقى، وفاطمة المعدول، وحسنى بشارة.


    فى إطار فرق البيت الفنى للمسرح، تأسس المسرح القومى للأطفال عام 1981، بهدف تقديم عروض تعتمد على الأداء البشرى، وكان مقرها هو مسرح متروبول، وأول عروضها "الطيب والشرير"، أما قائمة مخرجي هذه الفرقة فتضم السيد راضى، سعد أردش، أحمد زكى، محمود الألفى، حسين حامد، فهمى الخولى، هناء سعد الدين، جلال عبد القادر، وهم من كبار مخرجى مصر المتخصصين فى مسارح الأطفال.


    تمتد معلومات هذا المرجع الثرى القيم، وفيه يسجل عمرو دوارة أن فرقة تحت 18 التى أسسها الفنان عبد الغفار عودة، عام 1993، قدمت عددا كبيرا من العروض الاستعراضية للأطفال وعروض مسرحة المناهج، وشارك فيها بالإخراج د. محمد عبد المعطى، د. عمرو دوارة، د. عامر على عامر، د. حسام عطا، ولايزال نشاطها مزدهرا حتى الآن، ويرى المؤلف أن عدم وجود كوادر متخصصة للعمل بمسارح الأطفال، خصوصا فى مجال الإخراج، لا يسمح بفرصة تبادل الخبرات وتكاملها، وأن العديد من العروض تفتقر إلى الرؤية الفنية والصورة الجمالية، بسبب فقر الميزانيات، وأحيانا فقر الموهبة. وعلى مستوى آخر لا تهتم العروض بطرح قضايانا القومية أو باهتمامات الأطفال الحقيقية، حيث تتجه إلى استخدام الأساطير القديمة، أو تقديم الخيال العلمى بشكل ساذج. وفى السياق نفسه يعلم القارىء أن حركة المسرح المدرسى انطلقت نتيجة لجهود الرائد المسرحى زكى طليمات، الذى تقدم بمذكرة تاريخية لوزارة المعارف عام 1936، واتضحت بعد ذلك أغراض المسرح المدرسى وأهدافه الفنية والتعليمية والتربوية.


    إذا كان المسرح هو الحرية والديمقراطية، وهو المسار إلى تكريس القيم، وتنمية الذوق والجمال، فإن مسارح الأطفال تواجه بشكل عام الكثير من المعوقات، بداية من اختيار النص المناسب الذى يخاطب العقل والخيال والواقع والأحلام والبيئة، ويحافظ على المفاهيم التربوية وعلى سحر الفن وجمالياته من إبهار ووعى وتصاعد وإيقاع، وكما يقول ستانسلافسكى فإن التمثيل للأطفال يجب أن يكون مثل التمثيل للكبار، ولكن بطريقة أفضل، لأنه يجب الحرص على المتفرج الطفل أكثر من حرصنا على حبات العيون.


    يشير المخرج عمرو دوارة إلى سنوات مشاركته المسرحية الأولى بالإخراج فى السبعينيات، حيث قدم خمسة وثلاثين عرضا لمسارح الكبار، قبل أن تواتيه الشجاعة لاقتحام عالم مسرح الأطفال عام 1996، وشارك حتى الآن بإخراج خمسة عروض لمسارحهم المختلفة من إجمالى خمسة وخمسين عرضا هي مشاركاته فى عالم الإخراج المسرحى، وكانت العروض الخمسة التى قدمها قطعا فنية رفيعة المستوى، تمثل نماذجا شديدة العمق والثراء والجمال، تطرح برشاقة طبيعة هذا المسرح ودلالة مفاهيمه، وهذه العروض هى "العصا السوداء" باليابان، "قطار الحواديت" لفرقة تحت 18، "حقوق الأبناء" باليابان، "عصفور خايف يطير" لفرقة أنغام الشباب. "التاج المسحور" عام 2005 وهو الإنتاج الأول لفرقة المسرح الخاصة التى شارك فى تأسيسها.


    عندما نتوقف أمام مسرحية "العصا السوداء" باعتبارها حدثا ثقافيا دوليا، نجد أن دكتور مورت كلارك، الرئيس الفخرى للاتحاد العالمى للهواة يقول: إن هذا التميز والإبداع ليس غريبا على أحفاد الفراعنة، أصحاب أول حضارة فى التاريخ. بينما تقول د. لينا سيمارد رئيسة وفد موناكو: إن العرض يتميز بلغته العالمية، وسرعة الإيقاع، والإتقان فى جميع المفردات المسرحية، أما الأقنعة فلم تكن تعبر فقط عن الحيوانات، بقدر نجاحها فى التعبير عن مشاعرها المختلفة، وكذلك كانت الموسيقى العربية البديعة، وارتكز منظور الإخراج على توظيف استخدام الأقنعة مع العرائس ومع الفنون الشعبية، من رقص وغناء واستعراضات، وقد اتجه المخرج إلى البانتومايم، بعيدا عن الحوار باللغة العربية، الذى لن يفهم وسط فرق المهرجان التى ينتمى معظمها إلى دول شرق آسيا، أما نص المؤلف عز الدين طوخى علام فقد جاء ثريا بالقيم الإنسانية.


    يكشف مؤلف هذا المرجع أسباب غياب كبار مخرجى المسرح المصرى، عن تجارب الأطفال، مثل كرم مطاوع، جلال الشرقاوى، سمير العصفورى، عبد الرحيم الزرقانى، حمدى غيث، وكمال ياسين، وسوف يعلم القارىء أنهم جميعا كانوا حريصين على البحث عن ذلك النص الذى يمكنهم من الإضافة إلى رصيدهم، بدلا من السحب من هذا الرصيد. كما يقدم الكتاب نماذج من النقد التطبيقى لأهم عروض الأطفال فى مسارح الدولة، وهيئة قصور الثقافة، وفرق القطاع الخاص، والمهرجانات الدولية والعروض الأجنبية، وعبر هذه البانوراما الثرية، نتعرف على إنجازات كثير من المؤلفين والمخرجين والممثلين والملحنين، الذين شاركوا فى تجارب مسرح الأطفال.


    يفيض الكتاب بموجات المعلومات الدقيقة الموثقة، التى تمثل إنجازا ثقافيا ومسرحيا رفيع المستوى، تفتقده المؤسسات الرسمية المسئولة عن المسرح. هو بالتاكيد كنز معرفى للباحثين فى هذا المجال، أما الفصل الثالث من الكتاب فيضم القوائم الكاملة لعروض مسارح بمصر، وهو فى حد ذاته إضافة حقيقية للمسرح المصرى، وسوف تدرك الأجيال الطالعة حجم الدور الثقافى الضخم، الذى يلعبه الدكتور عمرو دوارة، بحب شديد، وأمانة مطلقة، ويقين بأن المسرح هو الطريق إلى الحرية والديمقراطية، وامتلاك الذات.