غياب العقل النقدي .. جولة عاجلة في عقل علي مبروك

19/06/2016 - 11:45:40

على مبروك على مبروك

د. هاني المرعشلي - كاتب مصرى

يمكن تلخيص سمات على مبروك فى كلمة واحدة ، بأنه كان صاحب شخصية جاذبة ، أشبه ما تكون بالمغناطيس، فدائماً ما ينجذب إليه الناس أكثر من تقربه هو منهم، فبالإضافة إلى كونه ودوداً، وحلو المعشر، وتواضعه، كان ذا فكر مختلف عما ألفه الكل، طلاب وقراء ومثقفون، يبتعد دائماً عن الفكر المتداول والتقليدى، ولا يبذل جهداً فى تكراره تفصيلا وشرحا، وبالتالى تكراراً وإن فى صورة مختلفة، إنما كرس كل جهده للبحث فيما وراء الأصول، ونزع أقنعة التقديس عن كل ما هو مزيف .


يشخص أزمة العقلية العربية فى أخذها بالنقل على حساب العقل، مما أدى إلى توقف العقل وتحوله إلى مجرد شكل لثقافة غاب عنها المثقف الناقد .


وإذا كان هناك من يرى أن الدولة قد ساهمت بنصيب كبير فى صنع واقعنا المأزوم بإصرارها على الاحتفاظ بالسيطرة الكاملة على المؤسسة الدينية الرسمية، والتى تعاونت معها إلى حد كبير، مما أدى إلى تشويه مفاهيم خطيرة مثل مفهوم التنوير. فإن على مبروك لا يتفق معهم، إنما يتوقف أمام خطاب التنوير متسائلاً : هل هو خطاب متسق، أم أنه مأزوم؟


ويجيب بأنه مأزوم فى داخله قبل أى شىء آخر، لماذا؟ لأن كل المؤشرات والعلامات تشير إلى بقاء هذا الخطاب معزولاً ! فهو -مثلاً- يفهم مقولة التنوير الخالدة (لاسلطان فوق سلطان العقل ) إذا تبناها أو نادى بها إنسان أوروبى، لأنه حينئد سيكون بإزاء عقل خاض معركة حقيقية فى واقعه وتاريخه ضد مؤسسات دينية وسياسية مستبدة، أما إذا نادى بها إنسان عربى، فسيكون شعاراً مزيفاً ، لأنه لم يخض معركة تحرير العقل ، بل على العكس هو خانع وخاضع فى مواجهة مؤسسات مستبدة وقامعة، ولذا فهو على الفور يسأله : عن أى عقل يتحدث ؟


وبصدد “أزمة المثقفين” يرى أننا فى حاجة إلى تفكيك بنية العقل المثقف لنعرف كيف يعمل ، لأنه عندما يعمل يعكس بنية الثقافة التى تحركه وبنية الخطاب الذى يتبناه ويفكر فيه.


لهذا انشغل بالسعى نحو اكتشاف الوحدة المعرفية، أو وحدة العقل المنتج للمعرفة لدى المثقفين من خلال كتاباتهم على اختلاف اتجاهاتهم الفكرية، الحداثية والليبرالية والاشتراكية والقومية والإسلامية، ولقد اكتشف أنهم يختلفون فى الكيفية التى تعمل بها عقولهم، فالمثقفون لا يختلفون إلا فى الأصول التى ينطلقون منها للتفكير، إلا أنهم جميعا يخضعون لسلطة “الأصل” عندما يمارسون التفكير، وطالما خضع المثقف لسلطة الأصل، فإنه لا يملك إلا أن يتصور واقعه باعتباره مجرد طرح عليه أن يخضعه تماماً لهذا الأصل، ولأن الواقع عادة يتمتع ببنية مختلفة إلى حد ما عن أى أصل، فدائماً تظل هناك مسافة بين هذا الواقع وهذا الأصل القابع فى ذهن المثقف، ومن ثم يظل عصياً على الخضوع الكامل لذلك الأصل، وفى هذه الحالة لا يطالب المثقف الواقع إلا بالخضوع لأصله الذى يؤمن به، طوعاً أو قسراً ومن هنا لا يختلف إطلاقاً الإسلامى عن الحداثى فكلاهما يتحرك انطلاقاً من أصل كامل ومطلق ، بمعنى أنهما يتفقان فى تبني منهج عقلى واحد.


وفى رؤيته للتحول الديمقراطى يربط بينه وبين الثقافة وأزمتها ، فإذا كان هناك عدة معوقات تمنع هذا التحول فأهمها في نظره هى نظرتنا وأسلوب تعاملنا مع الديمقراطية، فنحن فى ممارستنا لها لا نرى أبعد من الجوانب الإجرائية الشكلية كالاستفتاءات وصناديق الانتخابات بشكل عام، فى الوقت الذى تتم فيه الانتخابات فى مناطق عديدة بالاعتماد على أسلوب التصويت بالحشد فيمكن لكبير العائلة أو العشيرة أن يوجه أفراد عشيرته للتصويت لمرشح معين وبالتالى فنحن نكون أمام أحد أشكال التصويت الجماعى، وهذا ما يحول الانتخابات إلى شكل أقرب إلى نظام البيعة بعيداً عن الديمقراطية كممارسة سياسية حديثة، ولهذا فهو يعتبر أن ثقافة العشيرة والعائلة والتبعية والتوجيه، وهى التحدى الأكبر الذى يواجه الديمقراطية فى مصر .


وهنا يأتى دور المثقف فى تفكيك الشروط الفكرية والثقافية التى تكرس وتنتج هذه الثقافة، ثقافة تفرز التبعية وتنتج العقل التابع والخانع، وهذه الثقافة لابد من تجاوزها إلى ثقافة مغايرة، ثقافة الفرد القادر على التفكير بحرية واستقلالية. إن نجاح التحول الديمقراطى في مصر يشترط توحد الممارسة  السياسية مع نقد ثقافى يتيح تحول المجتمع من ثقافة  العقل التابع إلى ثقافة العقل المبدع المستقل .


آمن  على مبروك تماما بأن أزمة المثقف  ليست أزمته كفرد بل هى أزمة خطاب أولاً وأخيراً  فخطاب الثقافة السائدة ذاته يحتاج إلى عقل  يقوم بخلخلته وإزاحته, ذلك أن ثقافة الخنوع والعقل التابع، لها أصول وجذور، ليس فقط في الإسلام، بل وقبل ظهور الإسلام، وإنما جاءت الحداثة فقط لتغطيه بطلاء خارجى، فإذا تذكرنا أن الثقافة “ إجراء” أو “شكل” عرفنا أنه لا بد من جوهر يستبطن الشكل، وهو هنا هو الثقافة التقليدية و التى تتخفى داخل الحداثة وكأنها ثقافة حداثية ، لأنها ذات شكل حداثي.


من أجل هذا، ومثل عديد من الأهداف الأخرى، كرس علي مبروك عقلة النقدي وحياته برمتها، بحثاً وحفراً وراء الأصول القابعة خلف خطابنا الفكري والثقافي، من أجل خلخلة أصول التأسيس وزحزحة أقنعة التقديس، لكن القدر لم يمهله، فترك عالمنا الشكلي ، بعد أن عانى ما عاناه لقناعاته الفكرية، وذهب إلى عالم حقيقى، ليلحق برفيقه الغالي نصر أبوزيد.


فهل لمصر بطل أسطوري جديد، يستكمل الحفر؟