« ساعة رملية تعمل بالكهرباء » .. وثيقة إدانة للمثقف

19/06/2016 - 11:44:52

فرج مجاهد عبد الوهاب - كاتب مصري

يُدخلنا الروائي المصري رضا البهات في روايته الجديدة "ساعة رملية تعمل بالكهرباء" في إشكاليات فنية متعددة، تتقارب في مستوى وتتنافر في أكثر من مستوى، وكأن الهدف الرئيسي قائمُ على تشابك الأحداث، وكانت النساء من أهم ما يُميز السرد الذي بدأ منذ الوهلة الأولى بإشكالية العنوان الذي يُناقض نفسه بنفسه، ساعة رملية وتعمل بالكهرباء، ولكن أية كهرباء تلك التي تدفع ساعة رملية إلى العمل؟ إنها كهرباء المرأة والجنس.


وحتى يحقق هدفه يغوص في زمنه على مدى عقدين متوكئا على جملة أنساق سردية شكلت معمار الرواية في مقدمتها (الحياة، الموت، المرأة، الجنس، الدين، البنكنوت) مشكلة القواسم المشتركة الأكثر وجودا وتفاعلا على امتداد مساحة الرواية التي وصلت إلى مئتين وخمس عشرة صفحة، وهي تدفعه إلى أن يهيم الراوي/ البطل/ المؤلف في عزلة اكتشافية حاول من خلالها أن يُعري الواقع الذي عاشته مصر على مدى العقدين الأخيرين، ناقلا فضاءات الواقع المضطرب الموار بحركة التابوهات المسيطرة على الواقع، والتي وجدها تمثل عبودية الإنسان واستغلاله، وأنه لا سبيل من الخروج منها، والانتصار عليها إلا بالثورة من مبدأ القائل: "هناك خطأ شائع هو أن تكون لديك شجاعة التمسك بمعتقداتك، إنما الشجاعة أن تُهاجم معتقداتك"، لينقل ذلك كله إلى الفضاء الروائي بحرفية ربما كان من أهم ما يميزها، ذلك التشظي الذي اشتغل عليه في الرواية التي لم تنهض على حدث واحد وتبناه السرد بشكل من أشكال أساليب السرد الروائي سواء القديم الكلاسيكي منها أو الحديث المتجاوز لتقنيات السرد القديمة وهي تكشف عن أزمة المثقف وهو يعاني، ويجابه، ويتحدى.


    ولكن ذلك التشظي عبر مساراته لم ينته بهدفٍ واضح ومحدد وإنما اكتفى بذلك الشغل الطويل على التوصيف والترسيم مع اجتهاد لم يخل من تحريض وتثوير وتنوير، لذلك تعددت أوجه التشظي وانقسامه إلى سياقات متعددة، كان من أهم أهدافها، ذلك الدخول الحر والمتقن إلى كل ما كان يشغل الإنسان المثقف وهو يعيش المتناقضات المختلفة، والممارسات الخاطئة والمخيبة لآمال المواطن المشحون بمشكلات سياسية وقضايا دينية وعقيدة المرأة، وشهوة الجنس ومذاق المرارة التي عاشها وهو في السجن، وخلال تجربة السجن الانفرادي وجلسات التحقيق يكتشف أنه حتى داخل جدران السجن ثمة تفرقة بين صغار المسجونين وكبارهم من أصحاب النفوذ والمال، إن إدارة السجن نفسها تعاملهم باحترام وكأنهم القادة السياسيون الذي سيستلمون عاجلا أم آجلا قيادة البلد.


تجربة السجن سواء أكانت واقعية أم مُتخيلة لم تذهب بعيدا عما كان يحدث بالفعل بين جدران سجون مبارك.


برز عنصر المرأة والجنس بقوة: "يثيرني اضطراب الفتاة متورطة بأنوثتها لدى رجل يلاحق جسمها"، "للأنوثة سقف تقف عنده فكرة المساواة والحرية التي يجيء للأنثى بقداسة طبيعية من دون اعتساف"، "ما من امرأة أستعيذ بها من شر الوحدة. كل منهن انقضى أمرها بعد انقضاء الفورة"، "النساء نسخة عن امرأة واحدة". ومن البدهي أن يكون ثالث الرجل والمرأة: الجنس الذي تشظي بأشكال وصور وعلاقة ولغة متعددة.


ويضعنا أمام مواقف متعددة بعضها يشير إلى الشطط في الآراء وبعضها لا يخلو من نقد وبعضها الآخر نراه مشفوعا بالرضا والقبول، من تلك المواقف المتأرجحة بين المستويات الثلاثة يمكن أن نستعرض بعض ما جاء منها في سياقات مسرود الرواية التي أفصحت عن مثل هذه المواقف المتباينة: "الإيمان الحقيقي والإلحاد الحقيقي يلتقيان عند نقطة محزنة، هي أزمة إنسان يفكر بسعادته على الأرض"، "اللهم الهمني حساسية الشعور بالزمن والقدرة على تشغيل مخي، ولا تجعلني ممن يركن إلى يقين رخيص من جملة وجملتين.. اللهم لا تحرمني نعمة التضور قلقا إلى نفسي أنى أودعتها.. اللهم إني أستعيذ بك من توحش المال وما خلقت من أرقام وشفرات بيع وشراء وإيجار ومضاربة... اللهم أدخلني في التجربة ولا تجعلني ممن يتواطأ على نفسه، فيستبيح الجاهل بجهله، والضعيف بحاجته والبريء بصفاء نفسه، والقلم بقدرته على الغدر.. اللهم اجعل لي قلما مبصرا يكمل رواية بدأها يا أرحم الراحمين". فالوقفات الروحانية المتفاوتة في مواقفها إنما تعبر عما في داخل البطل من إرهاصات تتعلق بالدين، ولذلك يرى فيه حاجزا من الضروري تجاوزه إلى جانب تلك الإرهاصات تشظت الرؤية السياسية في أكثر من موقف وهي مواقف منها ما هو له إحساس بالواقع الداخلي ومنها ما هو له علاقة بالواقع السياسي العربي والدولي وقد تشظت مستويات هذه المواقف على الشكل التالي: "العمل دائما أغلى من المال الذي يدفع فيه، فالعمل يبقى والمال يتبدد"، "رصد سفينتين متماثلتين تحملان السلاح، واحدة تتجه إلى العراق والأخرى إلى إيران، أو أن فاتورة حرب تحرير الكويت بلغت 228 مليارا من الدولارات تسددها دول الخليج مجتمعة بعدما وقعت عقودا لشراء أسلحة بقيمة 112 مليارا أخرى"، "مفيش في التاريخ الحديث حاكم كره مصر والمصريين بالشكل ده".


لقد كان للسياسة دور فعال في نسيج حكايات الساعة الرملية التي تضافرت مع الأنساق السابقة لتُشكل مفاصل تراجيدية الرواية نفسها والتي لم تخل أيضا من النقد الواضح والصريح لممارسات بعض الكتاب والمثقفين "هو من النوع الذي انتشر مؤخرا، يدل على أصوله الريفية بإلغائه لأذنيه ونهمه للطعام واقتنائه للموضة على حد ياقة قميص لها زوايا من المعدن وسعيه الدائم لعقد الصلات برجال السلطة وأن يكون في حوزته عدة رجال يتبعونه"، "وها أنذا أحيا نصف كاتب محب، نصف يعظ، نصف فاهم، نصف زوج وأب مصابا بلعنة التوسط بين نقيضين".


        لم يكن هناك حدث معين مترابط ومتزامن مع خط سردي متناغم مع تلك الأحداث المتفرقة والمواقف المبعثرة لتشير إلى هدف واضح ونبيل في الوقت نفسه، وهو الشغل على فضح الأساليب التي مورست على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والوجدانية والكشف عن غباء سلطتها وفشل القائمين عليها ولذلك جاءت وثيقة صادقة على طبيعة الأزمة التي عاشتها مصر في العقدين الأخيرين من حكم مبارك وبالتالي وثيقة تدين المثقف الذي شغلته التابوهات وبقى طوال تلك الفترة انهزاميا في كثير من مواقفه وذلك بفرضيات السجن وآليات تعذيب رجال الأمن وهذا ما دفع البطل إلى الخمر والنساء كتنفيس عما كان يكابده في عزلته النفسية ووحدته الجسدية فعاش غريبا عن واقعه لإحساسه بأن المجتمع ليس بحاجة إليه. مما زاد من قيمة الرواية، الذي حاول مبدعها أن يجمع ذلك كله في رواية تجاوزت الأساليب السردية القديمة وحتى الحديثة منها لتتمحور في إطار تناولي سردي قام بحالة رصد أمينة لمصر على مدى السنوات الأخيرة بلغة الفن الروائي الحديث لكاتب ما زالت ذاكرته مفعمة بالأحداث في ظاهرها حكاية لكاتب متمرد، أما في أعماقها فهي سبر نقدي إصلاحي تنويري لفترة خانقة ومدمرة للروح والإنسان وكان على مصر أن تتجاوزها وبالفعل، نهض شبابها ومثقفوها وأضرموا نار ثورة يناير التي أعادت مصر إلى طريق النور والحياة الجديدة.