أم كلثوم : إنها تضحك أيضا.. أليس كذلك؟!

19/06/2016 - 11:44:11

أم كلثوم أم كلثوم

أحمد عنتر مصطفى - شاعر مصري

ليس على الله بمستنكر / أن يجمع العالم في واحدِ


أبو نواس


  كثيرة هى المقالات والدراسات والكتب التي تناولت حياة كوكب الشرق أم كلثوم؛ وما أكثر ما سيكتب عنها في قادم السنين والأعوام؛ فهى ليست مجرد حياة لفنانة عادية؛ أو صوت جميل عابر في تاريخ العرب الفني والموسيقي. فأم كلثوم عاشت سبعا وسبعين سنة (1898 ـ 1975) قضت أكثر من ثلثيها سيدة وملكة متوجة لفن الغناء العربي. خلال تلك السنوات الطوال بادت دول وسقطت حكومات؛ وتغيرت أنظمة وظهرت واختفت صراعات.. اختلفت أمزجة وميول وتناقضات وائتَلَفَت مناخات وسلوكيات وطبائع؛ وظلت هى في شتى الحالات تعتلي صهوة الفن تروِّضه وتسُوسُه؛ وتقف وحدها على قمته شامخة مجدِّدة.


    وقد اختصرت كلمات الموسيقار محمد عبد الوهاب عند رحيلها تلك المعاني في قوله: "..إن فيها ملامح وقسمات عصر كامل... في طريقة الغناء والسلوك؛ والشخصية؛ والخُلُق.. قدمت فنا بلا ابتذال؛ وسَمَت بأخلاقيات المهنة".


    ولم يكن تربع أم كلثوم على هذا العرش الأثيل؛ وفي عصر غني بالعمالقة متخم بالعباقرة بالأمر السهل ما لم تكن أم كلثوم نفسها تمتلك تلك الشخصية الفريدة؛ وذلك الحضور الشامل الآسر... وهذه محاولة تدور في فلك ذلك الكوكب الغامض / الواضح؛ للاقتراب من عالم تلك الشخصية الاستثناء.. محاولة  لسبر أغوارها القصية / القريبة؛ ويقيني أن تلك المحاولة؛ مهما أوغلت ستظل مجرد إطلالة على بانوراما ثرية التفاصيل والدقائق؛ أو سباحة على شاطئ رمليّ لبحر شاسع المساحات يموج بتيارات متجددة؛ يختزن في أعماقه الدرر الغوالي التي تغري دائما بمتعة الكشف والمغامرة.


   إطلالة البهاء


    يصف جورج جرداق لقاءه الأول مع أم كلثوم؛ حين استدعته من بيروت ليحضر جلسة الإعداد للحن (هذه ليلتي)؛ ذهب إلى منزلها بصحبة محمد عبد الوهاب. وبعد وصولهما بثوان.. "سمعنا وقع أقدام هى من القوة والثبات بحيث تظن أن القادم إليك إنما هو فارس في ربيع العمر من فرسان القرون الوسطى" ويُردِف جرداق: "وأطلت أم كلثوم تحمل ما يقرب من السبعين عاما؛ على تذكرة الهوية؛ وست عشرة سنة من حيث العافية والحيوية والنشاط؛ وعمرا يداني أعمار الفراعنة من حيث ما لها من سلطان على القلوب والأذهان جميعا؛ حتى ليخيل لمن يراها ويجالسها أنها من سيدات الأساطير اللواتي يتميزن بحكمة الزمن القديم وعزيمة الشباب الجديد وقدرة الخالدات على الهيمنة والسلطان؛ فهى حين تشاء صبية مرحة لعوب؛ أو ملكة ذات جلال ومهابة تأمر فتُطاع...".


    لكأنها؛ من خلال هذا الوصف؛ جمعت في وعاء تلك الشخصية الماء والنار معا.. البساطة والمرح الطفولي، الشموخ والاعتداد بالنفس والسمو بها؛ هذا الاعتداد الذي انعكس على كثير من تصرفاتها وسلوكياتها وجعلها تصل بهذا الاعتداد حد المغالاة؛ وبثاقب الرأى حد التطرف؛ وبصلابة الموقف حد العناد. وقد جمحت أقلام الكثيرين في تناول شخصيتها من تلك الزوايا ساعدهم على ذلك العديد من المواقف التي تواترت وتراكمت في سنيِّ عمرها المديد.


    الصرامة والتحدي سمتان غالبتان على شخصية أم كلثوم؛ فهى؛ وكانت تحلق في الذروة؛ تخاف الجمهور وتحسب له حسابا أى حساب وتستعد للحفلات بإجراء التمارين في جدية تشوبها المبالغة؛ وتحرص على دقة مواعيد البروفات وتلتزم بها؛ وتُحنِي رأسها الشامخ لمعلومة أو توجيه يُسلِّم عقلُها بسلامته.. وقد روى نزار قباني في حديث صحفي أنه حضر تسجيل قصيدة "الثلاثية المقدسة" شعر صالح جودت في استوديوهات الإذاعة المصرية وقال: "كانت تنصت إلى توجيهات وملاحظات رياض السنباطي وتصويباته وتجيبه عليها بقولها: حاضر يا افندم... وكأنها تلميذ مُحِب للعلم".


حرائق الحضور


    وهى؛ على حبِّها لأمير الشعراء أحمد شوقي؛ وتقديره لها؛ لم تترنم بأية قصيدة من شعره في حياته؛ على الرغم من ذهاب شوقي إلى منزلها بأبي الفدا ذات مساء؛ ليهديها قصيدته التي نظمها عنها: (سلوا كؤوس الطِلا) وكان شوقي يأمل أن تشدو بها إلا أن ذلك لم يحدث إلا بعد رحيله بسنوات (توفي شوقي عام 1932وغنت أم كلثوم القصيدة لأول مرة بالإذاعة في 7 مايو 1937 وشَدَت بها لأول مرة في حفل عام؛ أقيم بقاعة إيوارت التذكارية؛ في 7 أكتوبر من السنة نفسها وسجلتها على أسطوانة عام 1946) ثم بدأ تعاملها مع شعر شوقي لتبلغ القصائد التي شدت بها من شعره عشر قصائد؛ كلها قدمتها بعد انتقاله إلى العالم الآخر. وقد جاء هذا الموقف الصارم من شوقي؛ في حياته؛ عنادا منها؛ وردا على إيثاره لعبد الوهاب ورعايته؛ وكان عبد الوهاب - وظل طويلا – المنافس والخصم اللدود لها.


   ومع عبد الوهاب؛ المنافس العنيد؛ تصاعدت حِدَّةُ المواجهة بينهما إلى مستوى الحرب الباردة التي أجَّجها التحدي والعناد. وقد استمر تنافر القطبين منذ بداياتهما في أواخر العشرينيات من القرن الماضي حتى وضعت هذه الحرب أوزارها في بداية الستينيات التي شهدت ميلاد (إنت عمري). وفضلا عن اتجاه كل منهما فنيا؛ حيث كان عبد الوهاب غارقا في تنفيذ مشروعه لتطوير الموسيقى العربية واستكمال ما بدأه سيد درويش؛ وكانت أم كلثوم تمثل خط الدفاع الأول والأخير عن الموسيقى العربية وقد تحصنت في مواجهة عبد الوهاب بثلاثة من أساطينها: (محمد القصبجي وزكريا أحمد والسنباطي) فضلا عن تلك المواجهة الفنية والصراع الإبداعي؛ كانت هناك معارك جانبية كثيرة  وتفاصيل طريفة.. على سبيل المثال صراعهما لرئاسة نقابة الموسيقيين التي نجحت أم كلثوم مرارا في الظفر بها.. وحينما بدأت الإذاعة المصرية أبرمت أول عقودها مع أم كلثوم وقَّعَتهُ بتاريخ 5 يونيو 1934 وكانت حريصة على أن تضيف  إلى بنوده بخط يدها؛ بندا تشترط فيه ألا يتناول أي مطرب آخر – من مصر؛ والمقصود هنا عبد الوهاب – أجرا أعلى من أجرها. كما أنها أجهضت مشروع فيلم مشترك بينهما تبنَّى فكرته طلعت حرب بسبب إصرارها على أن تكون ألحان الفيلم مناصفة بين عبد الوهاب والثلاثي الكلثومي: القصبجي وزكريا والسنباطي.. وفي مرحلة أخرى تفكر في إنتاج وبطولة فيلم سينمائي بعنوان (الوردة الحمراء) ردا على فيلم عبد الوهاب (الوردة البيضاء) الذي نال نجاحا ملحوظا.. وتصلها الأنباء أن عبد الوهاب عاكف على تلحين قصيدة من شعر شوقي: (مقادير من جفنيك) فتسبقه إليها وتدفع بها إلى السنباطي وتسجل اللحن ولكن بعد أن سبقها عبد الوهاب إلى إذاعة ونشر لحنه للقصيدة. وإزاء نجاح اللحن الوهابي وذيوعه تضطر  إلى إخفاء محاولتها والتكتم على التسجيل الخاص بها.


    والشيخ زكريا أحمد؛ وهو أحد أضلاع المثلث الذي قامت علية أسطورتها الفنية؛ حين طالب بمشاركتها عائد ربح ما يقدمه لها من ألحان (وكانت أم كلثوم تدفع أجرا مقطوعا ثابتا لكل ملحن أو مؤلف وفق اتفاق مكتوب يحظر مطالبته بأية حقوق أخرى) كان ذلك في بداية الخمسينيات من القرن الماضي. وعرف الخلاف بينهما طريقه إلى القضاء؛ وإصرارا على العناد لم تقدم أم كلثوم في حفلاتها خلال تلك الفترة؛ حتى عام 1960 أيا من ألحان زكريا السابقة؛ وبسعى حثيث من رفيقهما بيرم التونسي؛ وبمحاولة جادة من المستشار عبد الغفار حسني رئيس محكمة القاهرة؛ الذي ظل طوال ساعتين من جلسة المحكمة يبذل الجهد الخارق للتقريب بين وجهتي نظر القمتين؛ تم التراضي بينهما. وقدم لها زكريا لحنه البديع (الهوى غلاب) وهو أول الألحان الثلاثة التي حكمت المحكمة بأن يقدمها الملحن نظير سبعمائة جنيه تدفعها له أم كلثوم. لكن الموت لم يمهل زكريا أحمد ليتم اتفاقه ويقدم لحنيه اللذين رافقاه إلى مثواه الأخير.


    وليس ببعيد في هذا الصدد موقفها من عبد الحليم حافظ بعد خلافهما الذي أطلق شرارته حليم في حفل عيد الثورة عام 1964 حين قدّم لفقرته الغنائية بما اعتبرته أم كلثوم إساءة إليها؛ وقد استمرت مقاطعتها له حتى تم صلحهما بعد سنوات ثلاث؛ بتدخل الصحفي اللبناني سعيد فريحة – عميد دار الصياد - الذي دبر للقائهما في بيروت؛ وكانت الصورة المشهورة التي التقطت لحليم منحنيا مُقبِّلا يد أم كلثوم؛ تلك الصورة التي احتلت – آنذاك – مكانا بارزا في الصحف وأغلفة المجلات في لبنان ومصر.


    حتى الرئيس عبد الناصر؛ على حبِّها له وتقديره لها؛ لم ينجُ من هذا الإيغال الجامح في شخصية أم كلثوم حين غضبت منه وأضمرت مقاطعته لعدم تلبيته رغبتها في زيارة مصطفى أمين برفقة ابنته؛ في سجنه؛ وكانت حجة عبد الناصر دامغة إذ رأى أن زيارتها له وهو المتهم بالتجسس؛ وهى أم كلثوم القريبة من ناصر ورجال الثورة وصوتها المدوِّي ربما أعطى انطباعا سلبيا؛ وأسبغ على المتهم والقضية ظلالا شرعية.


    مثل تلك المواقف؛ بعيدا عما هو صواب منها وما هو خطأ نتيجة الإصرار    والتعنت أحيانا؛ ترك انطباعا غير محمود لدى الكثيرين؛ من الصحفيين والنقاد؛ منهم من سَجَّل رأيه السلبي تصريحا أو تلميحا؛ ورَوَّجَ لهذه الآراء من كانوا ينفسون عليها مكانتها. وهو ما حدا بناقد فني كبير، هو فكتور سحاب؛ أن يشير إلى "قسوتها مع زملائها؛ وسلطانها ونفوذها الغامرين" في الفصل الذي اختص به كوكب الشرق ضمن كتابه القيِّم "السبعة الكبار في الموسيقى العربية المعاصرة".


مصرية.. بنت نكتة:


    ولأنها مصرية النبت. مصرية الروح والسمت؛ منحها الله نعمة الذكاء الفطري: ذكاء الإحساس؛ استطاعت أن تنفذ إلى أغوار المزاج الشعبي وتضع يدها على منابع الحس الفكاهي وروح الدعابة التي تتناقلها الجينات لتبدو إحدى مُكَوِّنات الشخصية المصرية عبر أجيال وأجيال.


    وتحفل حياة أم كلثوم بالكثير من المواقف الطريفة كانت الروح النقَّادَة الفكهة تسجل فيها حضورها فتستدعي النكتة أو القفشة أو التعليق الساخر  والدعابة المازحة. وقد ألمَّ كلُّ من تناول سيرة أم كلثوم بهذه الظاهرة الفارقة في شخصيتها؛ إلا أنهم مرُّوا عليها مرور الكرام ولم يتقصّ أحد منهم أبعادها؛ رغم ما تتضمنه هذه الطرائف من رسائل اجتماعية أو سياسية أو ثقافية. فالتعليق الساخر أو القفشة عند أم كلثوم تأتي تعبيرا وانعكاسا لموقف أو رؤية؛ وليس لمجرد الضحك أو التظرف. لقد اكتفى هؤلاء الكتَّاب بلفت النظر إلى الظاهرة دون محاولة استجلاء ما وراءها؛ وربما كانوا معذورين في ذلك؛ فقد أحاطت أم كلثوم نفسها بسياج حديدي من الصرامة والجدية؛ وقد نجحت في مراحل حياتها كلها في تصدير صورة شخصيتها بإطار ذهبي من الحكمة والأناة والوقار؛ حيث يبدو الضحك والفكاهة بعد ذلك لا يليق بشادية النبويات. ولم يكن أمام هؤلاء إلا أن يدوروا في فلك تلك الصورة. وقد يكون من المفيد واللائق هنا أن نسرد بعض الطرائف والفكاهات الكلثومية حتى نقف على بعض أبعادها وما تحويه من رسائل..


    * حدث أن استقبلت في منزلها مجموعة من الأصدقاء جاءت تهنئها بأحد الأعياد؛ وكان من بينهم أحد الأثرياء الممعنين في الثراء؛ وأثناء الحديث قال ذلك الثري: "باعتبار أننا نعيش أيام العيد المباركة. فالواجب علينا أن نبتهل إلى الله بالدعاء ليستجيب لنا". ورفع يده إلى السماء قائلا: "يارب امنحنا مما عندك" فالتفتت أم كلثوم إليه ضاحكة وهى تصيح به: "يا راجل عيب. هو انت خليت عنده حاجة".


   * وكان أحد الوجهاء يتحدث عن سيارته الفخمة فقال مزهُوّا إنه ورثها عن أبيه بعد وفاته؛ وكان أبوه قد ورثها عن جده بعد رحيله؛ وكان جده قد اشتراها من أخيه قبل موته بشهر واحد؛ فقالت له أم كلثوم على الفور: "ياسلام!! العربية دي زى الدنيا تمام!!"؛ فقال لها: "ليه؟" فأجابت على الفور: "كل من عليها فان".


  ولا يخفى هنا موقفها من غطرسة الوجهاء والتهكم على سلوكياتهم والتعريض بهم أو جعلهم مثارا للسخرية وهى لا تتردد في ذلك بأسلوب ذكي صادر عن وعي اجتماعي.


   * في إحدى الجلسات ألقى أحدهم أبياتا من قصيدة له؛ وأبدى أحد الشعراء الكبار الجالسين إعجابه بها؛ فقال صاحب القصيدة متباهيا إنه نظمها في عشر سنوات. ثم مدّ يده إلى جيبه فأخرج ورقة كان قد كتب القصيدة عليها. فعلقت أم كلثوم قائلة: "ياسلام... انت بقالك عشر سنوات ما غيرتش بدلتك".


    ومثل هذا التعليق / القفشة لم يكن يصدر إلا عن بنت بلد مصرية اجتمع في بلاطها / شِلِّتِها كبار الوجهاء والباشوات والوزراء إلى جانب المعلم (دبشة الجزار) الذي وصفته د. نعمات أحمد فؤاد في كتابها: "أم كلثوم: عصر من الفن" بأنه "كان من شِلّة أم كلثوم وكان خفيف الدم؛ حاضر البديهة؛ رائع النكتة. وكان بقامته الطويلة ولسانه يُسَمّى (عُطيل سميعة أم كلثوم) وكان إذا فرغت أم كلثوم من الغناء ينهض هو ويبدأ في إلقاء النِكات وسرد المواقف والطرائف المضحكة".


    ولقد طالت تعليقاتُها اللاذعة وقفشاتُها المرحة ومقالبُها كلَّ المحيطين بها من باشوات وأدباء وموسيقيين؛ ونال النصيب الأكبر من مقالبها صديقها الحميم الموسيقار محمد القصبجي؛ ونستثني من هؤلاء جميعا العبقري – كما كانت تدعوه – رياض السنباطي. فهو؛ كما وصفته نعمات أحمد فؤاد؛ "فنان ذو كبرياء؛ وهو أكثر ملحنيها تمردا عليها؛ من أَنَفَة فيه تجعله يثور لمجرد ظن المساس بشخصه أو بفنه الذي يعتز به".


    أما الضلع الثالث في المثلث الكلثومي الشيخ زكريا أحمد فقد كان بطلا لبعض القفشات والطرائف؛ نذكر منها على سبيل المثال تلك الواقعة الفكهة:


   * كان الشيخ زكريا أحمد يشيع في المنتديات أنه السبب في بلوغ أم كلثوم تلك المكانة الفنية الرفيعة وكثيرا ما كان يردد في غيبتها جملة: "أنا اللي (خَلَقت) أم كلثوم" وعرفت أم كلثوم بذلك. وحدث أن مرَّ الشيخ زكريا بضائقة مالية؛ ولجأ إليها للحصول على قرض. فما كان منها إلا أن أجابته: "فلوس؟!! منين؟! أنا يا مولاى كما (خلقتني)".


   ويضيق المجال هنا عن استقصاء ذلك الجانب في شخصية أم كلثوم؛ وآمل أن يتسنى لي جمع الفكاهات الكلثومية – وما أكثرها - واستقصاء أبعادها في دراسة مستقلة كاملة. على أنني سأنهي هذه الصفحات بمجموعة أخرى من هذه الطرائف تختص الأدباء والمثقفين والمدَّعين؛ وهى فضلا عن غلبة روح الانتقاد الساخر عليها وما تشيعه من بهجة الدعابة والمزاح؛ فإنها تعكس ثقافة أم كلثوم العربية واهتماماتها اللغوية وقدراتها الخلاقة في تكثيف المعنى المقصود في حروف قليلة وعبر تركيبات لفظية دقيقة حادة ومارقة؛ إضافة إلى معرفتها بآليات الشعر العربي وطرائق نظمه وتذوقه؛ كما تعكس هذه المجموعة علاقتها الوثيقة بأساليب البلاغة العربية من جناس وتورية وخلافه وتوظيفها في ذكاء ودِقَّة:


   * في حديث صحفي كانت تتحدث عن أهمية قراءة الشعر ودوره في الرقيِّ بالوجدان واهتمامها البالغ باللغة العربية فسألها الصحفي: ما رأيك فيمن يدعي العلم باللغة ولكنه (ينصب) الفاعل (المرفوع). فأجابت بسرعة: "يستاهل (كسر) رقبته".


   * وفي إحدى الندوات حدث أن وقف أحد أدعياء الأدب ليلقي كلمة؛ فاستاء الحاضرون من لغته الركيكة وأخطائه المتكررة في النحو والصرف؛ حتى أن أحد الحاضرين رفع صوته: "أهو رفع (المنصوب) وفي هذه اللحظة تصادف أن تثاءب الخطيب وفتح فاه؛ واقتنصت أم كلثوم المشهد فصاحت: "وفتح (المجرور) كمان".


  * وحدث أنها أرادت الاطلاع على أحد المؤلفات؛ فلم تجده في المكتبات؛ ثم تذكرت أن المؤلف صديق لها؛ فاتصلت به وسألته عن ثمن النسخة حتى ترسله إليه قبل حصولها على النسخة منه؛ فقال لها مداعبا: "النسخة بثلاثة جنيهات" فقالت له: "ليه؟ هم بيوزعوا عليها المؤلف".


  * وأصرّ أحد الناشئين على أن يقرأ لها إحدى قصائده وكانت طويلة؛ مضطربة عروضيا. وحين انتهى منها سألها عن رأيها فيما سمعت؛ فقالت: "دي مش قصيدة.. إنها أسطول" ودهش الشاعر حيث لا علاقة بين (القصيدة) و(الأسطول)!! ولكنها أردفت قائلة: "أصلها منظومة على كل (البحور)".


 * رجعت إحدى صديقاتها من الأراضي المقدسة بعد أن أدت فريضة الحج؛ فلما ذهبت أم كلثوم لتهنئها بسلامة العودة؛ شاهدت أحد أقارب المحتفى بها ينظر شزرا إلى الجالسات ويشيح بوجهه عنهن في غطرسة وأنفة؛ ولَفَتَ ذلك السلوك نظر أم كلثوم وانتباهها فسألت صديقَتَها الحاجَّة:


ـ مين ده؟!


ـ دا الأستاذ (الجمل) ابن أختي.


فقالت أم كلثوم: (الجمل)!! طب ليه ماجاش (بَارِك).


   * وحدث أن أقامت أم كلثوم حفلا بسيطا في منزلها؛ على شرف إحدى الشخصيات العربية البارزة ودعت إليه أيضا عددا قليلا من المقربين. وكان أحد جيرانها متطفلا عليها؛ خاصة حين كان يلاحظ اهتماما وإجراءات غير عادية تجري على قدم وساق فيحدس أن زائرا مُهِمّا قادما للزيارة. ولم يدع الفرصة تفوته فكان بين الحاضرين. وأرادت أم كلثوم أن تلقنه درسا فأخذت تقدم أصدقاءها إلى الزائر الضيف كُلا باسمه وصفته "هذا فلان الموسيقار.. وهذا فلان المؤلف".. ثم توقفت عند الجار المتطفل وقدمته إلى الزائر قائلة:


 "وهذا (جار.. ثومة).. بالطبع تقصد (جرثومة)!!