صالون الهلال الثقافي .. المشهد المسرحي .. آفاق المستقبل

19/06/2016 - 11:43:16

أحمد البكرى يفتتح الندوة - عدسة : ناجى فرح أحمد البكرى يفتتح الندوة - عدسة : ناجى فرح

أداره: أحمد البكري - أعده للنشر: مصطفى أبوعايد

في لقاء بعنوان "المشهد المسرحي.. الحاضر والمستقبل"؛ استضاف صالون الهلال الثقافي الرابع كوكبة من المهمومين بالمسرح والحركة المسرحية في مصر من فنانين وكتاب ونقاد ومخرجين، جمعهم جلال الحدث وخطورة الأزمة التي وصل إليها حال مسرحنا الآن، وكان من أبرز الحضور الفنان يوسف إسماعيل مدير المسرح القومي، والناقد المسرحي جرجس شكري، والمخرج هشام السنباطي، والناقدة د. نرمين شوقي، والناقدة المسرحية أمل ممدوح، والفنانة أمينة سالم، الناقد والمخرج د. أحمد عامر والشاعر ياسر أنور، والناقدة المسرحية رشا عبد المنعم، والشاعر سعيد عبدالكريم، والفنان محمد فوزي من البيت الفني للمسرح ومسرح العرائس، والفنان المخرج أحمد حامد.


افتتح الأستاذ أحمد البكري الصالون بتأكيده على أن المسرح بحق أبو الفنون، فهو العمود الفقري في البناء الفني، فالمسرح يجمع أنواع الفنون فى تجانس يستشعره الجالس في مواجهة خشبة المسرح، حيث يستمتع بوجبة فنية دسمة تناولت الفنون بشتى أنواعها، وأشار إلى أن لقب "أبو الفنون" لم يكن إلا توصيفا حقيقيا لمكانة المسرح بين سائر الفنون، مؤكدا على أن هناك نظريتين حول هذا اللقب, وإن كان النقاد والدارسين لا يرون مجالا للمفاضلة بينهما، حيث تتضافران معا لإعطاء المسرح هذه المكانة.


النظرية الأولى هي أن المسرح يجمع على خشبته كل الفنون، تنقسم بدورها إلى نوعين، الأول بصري، والثاني سمعي، والفنون البصرية هي تلك التي تعتمد على الرؤية لتوصيل مضمونها إلى المشاهد، وتضم التصوير، الزخرفة، النحت، العمارة، الديكور والإضاءة واستخدام النور والظلال.


أما الفنون السمعية وهي التي تعتمد على حاسة السمع لنقل محتواها ومضمونها إلى المتلقي، وتضم الموسيقي بما تشمله من غناء وتلحين وإيقاع الموسيقى، حتى الصمت.


والنظرية الثانية فى تسمية المسرح بــ "أبو الفنون" – كما ذكر البكري - هي أنه الفن الأقدم، فهو أول الفنون، فقد أثبتت النقوش الفرعونية على جدران المعابد أن المصريين القدماء قدموا عروضا مسرحية تضمنت محاكاة تمثيلية للأساطير الفرعونية الشهيرة، وبعض الطقوس التعبدية.


وأشار الأستاذ أحمد البكري إلى أن المسرح بدأ فى التطور من العصر الفرعوني وحتى عصرنا الحديث مرورا بحقبات التاريخ المختلفة : اليوناني، والروماني، الإيطالي، والإنجليزي... ولو نظرنا إلى المسرح المصري خاصة في العصر الحديث والذي بدأ في مصر مع يعقوب صنوع وازدهر مع يوسف وهبي، نجده قد مر بفترات صعود وهبوط، وتساءل عن الأحوال التي يعيشها المسرح الآن؛ هل هي فترة صعود أم هبوط؟ تاركا الإجابة للمسرحيين على مائدة الصالون.


بعد الافتتاح دار الحوار متناسقا بين الحضور حيث طرحت العديد من القضايا المسرحية؛ تناقش الجميع حولها حاملين هم المسرح ومشكلاته في سبيل الوصول إلى الحلول.


 وكان أول المتحدثين الناقد والمخرج المسرحي د. أحمد عامر حيث أشار إلى أن التعميم في الحديث عن المسرح عامة صعب وذلك لتنوعه، فهناك مسرح الجامعة، ومسارح الدولة؛ وبالأخص مسرح الثقافة الجماهيرية، ومسرح التليفزيون، وطريقة الحكم على كل هذا مختلفة لاختلاف ظروف كل نوع على حدة، ووجود هذا الكم الكبير من المسارح شيء جيد طبعا، ولكن في النهاية هل يقدم كل من هذه المسارح المطلوب منه فالإجابة للأسف لا طبعا، فإذا جئنا مثلا لمسرح الدولة نتساءل: ما هوية ما يقدم على المسرح القومي مثلا، ومسرح الطليعة متى قدمت عليه آخر مسرحية طليعية، فهل فعلا يقدم مسرح الدولة المطلوب منه؟!. كلنا يذكر أن البدايات كانت في الستينيات وكان حينها وجود مسرح الجامعة مبررا، ومجلة المسرح كانت كذلك مبررة، وذلك لوجود منظومة حينها.


جرجس شكري: هناك مأساة حقيقية إذا عرفنا أن هيكلة المسارح التي نسير عليها الآن تمت عام 1956م ولم تتغير إلى الآن.


أحمدعامر: مشكلة أخرى تتعلق بهوية المسارح، فدائما ما نتكلم عن العروض المسرحية، وتدور حولها مناقشاتنا ونتجاهل غيرها من أمور، وفي النهاية نصل لهذا المنتج المسرحي، ولدينا مشكلة كبيرة في التعليم المسرحي بداية من المرحلة الابتدائية وصولا لمعهد الفنون المسرحية، وكلية الآداب والتربية النوعية، للأسف نعترف بوجود تدن في التعليم المسرحي، وصار الاهتمام أكثر بالجانب المادي. وعندما نتكلم عن الإعلام المسرحي سنجد أن البرنامج الوحيد للعرض المسرحي كان يذاع فجرا، وكنا نغضب لذلك ثم توقف.


جرجس شكري: المشكلة كذلك أن هذا البرنامج كان يختصر المسرحية في نصف ساعة وهذا تدمير حقيقي للعرض.


أحمد عامر: نأتي إلى المطبوعات المسرحية فنجده تنحصر في مطبوعتين وهما مجلتا: المسرح ومسرحنا، ثم المجلات الثقافية مثل الهلال فنجدها تقدم جزءا صغيرا عن المسرح، وإذا قارنا ما كان ينشر بمجلة المسرح قديما، سنجد أن ما كان ينشر بعدد واحد أفضل بكثير مما نقدمه الآن، في وقت من المفترض فيه أن نتقدم عشرة أضعاف الماضي.


ياسر أنور: هناك مشكلة أخرى هي تغير الذائقة، فإذا قارنا حال المسرح الآن مقارنة بالخمسينيات والستينيات نتحسر على حالنا الآن، ويجب أن نتاقش في موضوعية فليس معنى أنني أعمل في المسرح، فيعني هذا أن يظل المسرح بالصدارة، هذا نوع من عدم الموضوعية في التعامل مع قراءة المشهد، فالتراجع الآن ليس بسبب التعليم فحسب ولكن لتغير الذائقة وظهور فنون أخرى أكثر قدرة على الجذب والاستقطاب.  


أحمد عامر: لا نريد أن نجزم بغياب الذائقة، فعندما عرضت الملك لير ليحيى الفخراني، جذبت عددا كبيرا من الجمهور، وكذلك عرض " ليلة من ألف ليلة"، وهذا دليل على أن الذائقة موجودة.


ياسر أنور: المشهد العالمي وليس المصري فحسب يقر بالتراجع الفعلي في الفنون ومنها المسرح، وقرأت مؤخرا تحقيقا في الجارديان عن تراجع المسرح الشعري أيضا.


سعد القرش: لماذا لا نفترض أن هذه استثناءات تؤكد القاعدة التي تقول إن جمهور المسرح شبه ثابت، فالمسرح فقد جمهوره العام، فمثلا جمهور السينما جمهور عام، إنما قراء الشعر فجمهور خاص، وجمهور المسرح حاليا جمهور خاص، باستثناء مسرح التليفزيون، الذي كان يشبه عصا موسى عند مجيئه فجذب عددا كبيرا من الجمهور، وما أشبهه ببضاعة مغشوشة، فيجب أن نعد تحليلا نفسيا للجمهور، لماذا انجذب لهذه البضاعة المغشوشة؟!


أحمد عامر: الناس تبحث عن مسرح مهم وممتع، فالناس ذهبت لعرض روح، ليلة من ألف ليلة، الملك لير.. لأنها سمعت عن مسرح جاد، والناس تذهب للمسرح إما للنجم، أو لأن به كوميديا نظيفة، أو عرض جيد كعرض روح.


جرجس شكري: المسرح، بالطبع، إذا لم يجد الجمهور فيه نفسه فلن يذهب، أذكر أني كتبت منذ فترة كلمات عن الضمير المسرحي، قلت فيها إن هذا الجمهور عظيم، ولديه ذائقة قوية ولم تستطع أية ظاهرة إفساد تلك الذائقة، هذا الجمهور أغلق مسرح القطاع الخاص منذ أكثر من عشر سنوات، فأجلس منتجي القطاع التجاري في بيوتهم، وكلنا نتذكر أن عادل إمام كان يفتح يومي الاثنين والخميس بالكاد، وآخر مسرحية له " بودي جارد" كان يعرضها حوالي أربعة أو خمسة أيام كل ثلاثة شهور، والسبب أن الجمهور توقف لأنه لم يجد في هذا المسرح نفسه، وهذا يدل على سلامة الضمير المسرحي، وفي المسرح التجريبي عندما وجد محاكاة للغرب لم يتفاعل معها، ولكن ذهب للملك لير وأعجب بالعرض لأنه وجد كل ذلك مجتمعا فيه، وهذا الجمهور ربما لا يذهب لماكبث مثلا لشكسبير نفسه، لأنه وجد نفس في لير رغم أن الكاتب واحد، ففي لير تتجسد المأساة حيث عقوق الأبناء للآباء.


وعرض ليلة من ألف ليلة رغم اختلافي معه فنيا إلا أن الجمهور ذهب إليه وأعجب به لأنه وجد فيه الغناء والعرض والتمثيل الممتع، وهذا يعني أن المسرحيين هم من منعوا الناس من الذهاب للمسرح، وأنا أراهن على أن ما يعرض الآن بمسرح الفضائيات له تاريخ صلاحية، فالناس كما تفاعلت مع التوك شو والسيت كوم وملت منه بعد فترة، سيحدث الشيء نفسه مع مسرح الفضائيات، لأن هذا لا علاقة له بالمسرح فهي  أشبه باسكتشات تشبه ساعة لقلبك، مع احترامنا لساعة لقلبك لأن فيها رؤية وفلسفة عميقة جدا وكوميديا الموقف، أما مسارح الفضائيات فلها تاريخ صلاحية، العمل الجيد يبقى فنجيب محفوظ من الأربعينيات يباع بنفس القدر للآن.


يوسف إسماعيل: بالنسبة للعرض المسرحي إن لم يبن في المقام الأول على المتعة سيكون جافا، ما أشبهه بالمحاضرة أو الأمسية فالغرض منهما تعليمي في المقام الأول، أما الفن ففي المقام الأول فإن هدفه الإمتاع، ويأتي من وراء المتعة طرح الأسئلة، ولكن المتعة أولا، سواء كانت متعة سمعية أم بصرية أو لفظية أو وجدانية، وكذلك لا يصح أن أعرض نصا جميلا على المسرح بديكور سيئ أو فقير، أو ممثل ضعيف أو ملابس قبيحة، وردا على أن المسرح أبو الفنون فهو أبو الفنون الجيدة، قديما كانوا يسألون من يأتي بالجمهور النص أم النجم، أو الجمهور يذهب وحده، وحقيقة نجد أن كل هذه العناصر متشاركة في هذا، فإذا أحضرنا يحيى الفخراني في نص سيئ سيذهب الجمهور أول يوم ولن يذهب في اليوم التالي.


جرجس شكري: يحيى الفخراني قدم على المسرح قبل ذلك مسرحية او أكثر، ولا يذكرهما أحد، إحداهما " عطوة أبو مطوة" لألفريد فرج.


سعد القرش: ولا ننسى كذلك للفخراني على مسرح فيصل ندا مسرحية "مونيكا الفستان الأزرق" ولم تجذب الجمهور.


أمل ممدوح: حاليا المناخ يسمح بذلك، فالجمهور المصري بعد الثورة متعطش جدا للمتعة، فما كان ليس مناسبا لهم من قبل صار مناسبا الآن، وكذلك مواقع التواصل الاجتماعي الآن كالفيس بوك وغيره عملت على تنمية وترويج الأعمال، فمن رآها وأعجب يصرح بذلك على الفيس بوك، وهذا لم يكن موجودا من قبل، وكل هذا ساعد على رواج المسرح حاليا، والآن توجد صحوة عند الجمهور.


يوسف إسماعيل: يوجد حراك عام على كل المستويات، على مستوى المؤسسة المسرحية والجمهور والفرق المستقلة، وكل المهتمين بالمسرح، ولكن إن لم يكن كل شيء متقنا فلن يكون مسرح، ففكرة أنني آتي كمخرج وأصرح بأنني سأقدم عرضا سيكسر الدنيا مسبقا، ولن يكون هناك مكان شاغر لمدة 6 شهور، فإذا دخلت بهذه الروح مستحيل أن أقدم عملا متقنا، والعملية المسرحية الكل يدخل فيها ليتعلم، وليس هناك من يدخل ليلقي وصاياه العشر على الجمهور، مهما علا قدره، وهذا ما يسقط المسرح ويسقط عروضا كثيرة فيها نجوم كبار، فالفكرة هنا في الاستسهال وهذا مستحيل أن يكون في القرن 21 حيث توجد طفرة كبيرة، فالطفل الآن في عمر 3 سنوات يستخدم الموبايل، ووسط هذا التقدم المبهر يجب أن أقد ما يحترم عقلية الجمهور، وأرى أنه لا يوجد أحد الآن يحترم عقلية الجمهور، فالبعض يعلق أن الجمهور لا يفهم، ومن ظن ذلك فهو غير الفاهم، أيضا فكرة الإخلاص مهمة جدا، فأنا لم أذهب لآخذ نقودا فقط، فالمهم الإخلاص أولا، فالبعض يتصور أنه أفضل فنان في مصر ويتصور أنه عندما يعمل بالمسرح فمن حقه أن يكون الأعلى أجرا، بهذا الفكر لن يعمل، لأنه دخل بروح مختلفة، عن روح المسرح، فالمسرح عملية جماعية ليس به بطل أوحد، فكل من يعمل على المسرح بداية من البطل على الورق إلى الكومبارس الذي يقول مولاي فقط، فريق واحد بروح جماعية.


نأتي بعد ذلك إلى الإرث التاريخي حيث الإهمال في التعليم ونحن نسلم بذلك، فأنا لم أرب ذوق الطفل من الصف الأول والثاني الابتدائي، فلم أعوده على رؤية لوحة جميلة، أو سماع موسيقى، فاليابان وألمانيا والدول المتقدمة لماذا تقدمت - وليس مسرحيا فقط- لأنها اهتمت بالإنسان في المرحلة الأولى فعندما أعطي الطفل في اليابان آلة موسيقية وأخبره أنها ستلازمه إلى الصف السادس الابتدائي، وسيمتحن بها نهاية كل عام امتحانا راقيا دون نجاح ورسوب، فقد فتحت وجدان هذا الطفل على العالم السليم، فعندما يكبر الطفل فلن يلقي قمامة في الشارع أو يكسر إشارة مرور، وهذا الإرث يلقي بظلاله على المسرح فلا يصح أن مدينة القاهرة بها قرابة 12 مليون نسمة وعدد المسارح لا يتجاوز 5 إلى 6 مسارح بها، وتتناقص الآن فالمسرح الذي يسقط لا يأتي غيره. فأنا أعمل بالعمل المسرحي منذ 35 سنة تقريبا ولم أجد مسرحا جديدا فتح، مع زيادة عدد السكان، فيجب أن أحترم الجمهور وأهيئ له المناخ لمشاهدة العمل المسرحي.


سعد القرش: أسأل د. أحمد عامر باعتبارك من أكثر المحتكين بالطلبة، لماذا لم يعد الجمهور الآن معتادا على قراءة نص مسرحي منشور، بمجلة كان أو بكتاب؟ في الستينيات كان من الممكن أن يُعمّد كاتب من خلال نص مسرحي واحد، من أول ألفريد فرج مرورا بنجيب سرور وميخائيل رومان.. يقدم مسرحية واحدة وتنشر نشرا عاما، ولكن حاليا لا توجد فكرة النص المسرحي المنشور، فما كان يبدعه سامي خشبة لم يشعر به أحد، وحاليا عندما نتكلم عن نص مسرحي يقرأ؛ نرجع للكلاسيكيات القديمة من المسرح العالمي أو المصري إلى وقت صلاح عبدالصبور ونتوقف ويعاد نشر هذه المسرحيات ككتب، فأين النص المسرحي المكتوب كفن في حد ذاته، قبل أن يعرض وحتى بعد ما يعرض؟.


أحمد عامر: هذه المنطقة بالفعل كارثية، لأن فيها الحديث عن أزمة النص والحديث فيها يطول، وجزء منها يتعلق بحرفية الكتابة داخل المعاهد، ثم خرجت نصوص فيها الجيد والرديء، ولكن نتساءل: لماذا يكتب النص المسرحي؟! سنجد الإجابة أن الغرض من الكتابة هو العرض.


سعد القرش: لكننا عندما نقرأ لشكسبير وصلاح عبدالصبور نجد متعة كبيرة.


جرجس شكري: في هذين المثالين نقرأ شعرا في الأساس ومن هنا تأتي المتعة.


أحمد عامر: قراءة النص المسرحي في العموم قراءة صعبة، ليست كقراءة الرواية أو القصة القصيرة.


سعد القرش: ما أشبهها بقراءة السيناريو.


أحمد عامر: هذا بالطبع عدا النصوص التي لها قدر أدبي، فالمسرح يكتب ليعرض، فبعض الكتاب الشبان يكتب مسرحية ثم لا يجد الفرصة لتعرض، فماذا يفعل بعد كتابة مسرحية واثنتين وثلاث، وبعضهم أخذ جوائز أولى في المسابقات التي تهتم بذلك ثم لا تعرض في النهاية.


جرجس شكري: وهناك العشرات يعرضون أولا ثم ينشرون بعد ذلك، ففي إنجلترا مثلا مدرسة مختلفة تماما فالنص لا ينشر إلا بعد عرضه.


سعد القرش: صلاح عبدالصبور في " الأميرة تنتظر" أضاف المشهد الأخير لأن نبيل الألفي أخبره انه لا يجوز إنهاء المسرحية بهذا الشكل.


د. نرمين شوقي: في المسرح توجد حالة معينة يجب أن أخلقها للجمهور، ليتلقى الرسالة التي أردت توصيلها، فمثلا ممنوع أخذ استراحة في وقت معين من العرض حيث قد وصل للذروة، وحينها أصل به لمشاعر معينة، ثمة ما يشبه حالة تطهير ثم تنوير للوعي نفسه وإيقاظ، عكس النص عندما نقرؤه فلا يصح قراءة جزء ثم التوقف، فهنا يخرج من الحالة التي من المفترض دخوله فيها.


وبخصوص مسرح الدولة أحب أن أؤكد أنه ليس كله سلبيات فمسرحية "روح"، و "رجالة وستات" شعرت فيهما بحالة ناجحة تماما، وأكثر ما جذبني روح الجماعة، فليس هناك فكرة أن فنان واحد يسلط عليه الضوء، أو فكرة المسرح التجاري لهدف معين مادي أو غيره، بل هناك رسالة تريد الوصول للجمهور، وهذه الرسالة نفسها تصل بشكل غير مباشر، وهذا مهم جدا في المسرح، حيث كلما وصلت الرسالة بطريقة غير مباشرة كانت هنالك متعة حقيقية.


أحمد البكري: وكذلك مسرحية المحاكمة لطارق الدويري، كانت بالفعل عملا رائعا.


جرجس شكري: هل تعرف أن المحاكمة ظلت مع خمسة من رؤساء المسرح وترفض من 2010 للآن.


أحمد البكري: ما المبرر لذلك الرفض؟!.


جرجس شكري: الخوف من تقديم مسرحية تناقش العقل والدين.


أحمد البكري: هذا يذكرنا بقضية الرقابة على المسرح، سواء كانت رقابة ذاتية أو غير ذاتية، غير أني أحب أن أتكلم عن مشكلة فرصة العرض كما ذكرها د.أحمد عامر فهناك نصوص جيدة لكتاب ولكن لا تجد فرصة للعرض، فأنا كجمهور لا أفهم ما معنى عدم وجود فرصة للعرض، فما أعرفه مثلا أن مسرح الهناجر أنشئ بالأساس لكي يكون للهواة، فهو مسرح تجريبي للهواة، ولدينا مثال حي هنا على مدى معاناة المبدع في الحصول على فرصة العرض، فصديقنا أحمد حامد هاو للمسرح رغم عمله كمحاسب، إلا أنه محب للمسرح وينتمي إليه بشكل كبير، وقام بجهد طيب على مسرح الجامعة، وبعد الجامعة كانت له تجربتان وثلاث في الإخراج تم عرضها بعد معاناة مادية ومعنوية كبيرة، فكيف يدير مسرح مثل الهناجر ظهره لمثل هؤلاء المبدعين؟ فهل لابد مثلا أن يكون من له فرصة للعرض من المبدعين، من المعينين بمسرح الدولة؟


يوسف إسماعيل: الهناجر لا يحدث عليه ذلك، يمكن أن يقال ذلك على مهن أخرى غير المؤلف، فالمؤلفون الذين نعرفهم وكانوا معينين بالدولة حوالي 20 إلى 30% والباقي غير معينين، فالمؤلف هو المهنة الحرة الوحيدة، بخلاف المخرج والممثل، وبالنسبة لمسرح الهناجر فما زال للهواة، وقد يتم تقديم بعض العروض للمحترفين بين عروض الهواة، وهو المسرح الوحيد الذي ليس لديه فرقة عكس المسارح الأخرى، ولكن نعترف أن الهناجر بدأ بطبيعة وهوية وانتهى بشيء آخر، فعندما بدأ مع د. هدى وصفي كانت هويته تقديم العروض الشبابية الجديدة ومن تجارب مختلفة، وكل من عمل بالهناجر جدد فليس به معينون.


جرجس شكري: ولكن بعد الثورة عينوا به من 35 إلى 40 تقريبا.


يوسف إسماعيل: هؤلاء المعينون ليسوا ممثلين بل إداريين، فمنذ نشأته حوالي 1992م تولى الإشراف عليه حسن الجريتلي حتى الافتتاح، ثم جاءت بعده د. هدى وصفي وهي من وضعت خطة للمسرح تهدف لتقديم عرض يقدم لمدة 15 يوما، من الشباب الجدد بما فيهم المخرج والمؤلف والممثل، فإذا نجح العرض يمتد 15 يوما أخرى، ثم ينتهي وهكذا، وبهذا يقدم خلال العام الواحد عشرة عروض مسرحية أو يزيد، وفي الوسط تقدم بعض العروض المسرحية لمحترفين، ككرم مطاوع وجواد الأسدي وروجيه عساف.


أحمد البكري: لا بأس بذلك بالطبع، فهو ما يمثل تنشيطا للحركة المسرحية.


يوسف إسماعيل: بالتأكيد، ويستقطب خبرات للمكان ليستفيد من فيه، فأحضر لهم مثلا روجيه عساف لعمل ورشة عن كتابة النص المسرحي، وبالتالي نأخذ من هذه الخلية من يعمل عملا جيدا، وذلك من خلال تقديم أعمال لكبار الفنانين مثل "محاكمة الكاهن" والهدف من ذلك تزويد خبرة الشباب الجدد، وبالتالي أعدت د.هدى وصفي خلية نحل داخل المكان، وطرحت للحركة المسرحية جيلا من المبدعين في كل مجالات العمل المسرحي، وبعد د.هدى وصفي ضعف الوهج الذي كان يشع من الهناجر.


محمد فوزي: أفخر بأنني من تلاميذ منصور محمد، فقد أدخلنا المسرح من سن  17 سنة،  ومن أهم ما جذبنا بالمسرح عند د.هدى وصفي صياغة الورش والمعامل، فلم تكن الميزانية شرطا، وكان هناك تعليم حقيقي عكس البيت الفني للمسرح، فالفنان في المسارح الأخرى عرضة لثقافة وتوجهات المخرج وخبرته، عكس الهناجر تماما، فكل فرد له رؤيته المستقلة وهذا لا يوجد بالمسارح الأخرى، وأنا كموظف بالبيت الفني للمسرح لا أجد ذلك، حيث التدريب والتعليم المستمر، والمناقشات بين الجميع واستقطاب كافة الفنون كالعرائس وغيرها.


أمينة سالم: نحن في المشهد المسرحي امام قضايا وتساؤلات كثيرة، أولها هل نحن تقليديون أم مبدعون، لماذا لا نكون الآن تيارا خاصا بنا مثل الماضي في الستينيات، ففي الستينيات لم تفقد الأعمال هويتها المصرية، بالإضافة إلى مشكلة العولمة فهناك هيمنة من الشركات العابرة للقارات التي تستخدم الميديا الإعلامية، لتوصلنا لأهدافها، فالعولمة عملت بنا ما يشبه الاغتراب النفسي حتى أن كلا منا تجزأ على المستوى النفسي، فلم تعد هناك اللحمة مثل فترة الستينيات، فكان هناك كتاب مثل سعد الدين وهبة ونجيب سرور، كل هؤلاء العظماء كان عندهم ملمح للمسرح المصري، واليوم ليس عندنا هذه الملمح، فعندما أرى عرض الزومبي لطارق الدويري أرى عملا رائعا عمل فيه طارق على ما بعد الحداثة، ونحن عندنا للأسف الشديد في الرقابة كثير من المجاملات دون الاعتبار والاهتمام بجودة النص، فلماذا لا نرتقي بأنفسنا لعمل تيار حقيقي ذي ملامح واضحة، وهوية تتماس مع المجتمع المصري، فالآن لا نجد عرضا مسرحيا واحدا تناول فكرة الأرض، أو مشكلة مثل الريف المصري، ولو حدث ذلك لاستطعنا عمل مشهد مسرحي رائع، كذلك ليس عندنا استراتيجية بالمسرح المصري، فمثلا عندنا أناس يأخذون جوائز والأعمال لا تنفذ، فلماذا لا نأخذ الجيل الجديد ونعد منهم شيئا رائعا، فالأستاذ يوسف مثلا وهو مدير المسرح القومي عنما كان يعرض "ليلة من ألف ليلة" الجمهور دخل إلى المسرح القومي، وله ملمح وطابع خاص، ولم يدخل لمجرد التسلية، بل كانوا يشاهدون وكأنهم في صلاة، إذن نحن من يفرض على الجمهور الذوق، فلماذا لا نقوم بفلترة الأعمال والنصوص الجديدة ونختار الجيد منها ويكون عندنا بنهاية العام 12 عرضا مؤلفا و12 مخرجا جديدا، وبهذا يكون عندنا ملمح خاص بنا.


يوسف إسماعيل: أحب أن أعقب بأن التيار ليس من الممكن أن يصنعه شخص، فالتيار هو من يصنع نفسه ويفرض نفسه، لأنه أصبح موجودا رغم أي أحد، فالتجارب المتعددة هي من تصنع التيار، وأتفق في أن الدولة يجب ان تتبنى التجارب السليمة في كل المجالات، وتعطيها الفرصة والمجال لصنع هذا التيار، وهنا سنجد الحريات المتاحة للإنسان لإفراز تيار حقيقي، فلا بد من أن تكون الحريات مفتوحة، ليست حرية ملزمة ولا يوجد قيود كما هو الآن.


سعد القرش: لا توجد دولة أو حتى أفراد يقولون سنفعل تيارا، بل يتم عمل مجموعة ويحدث تراكم، فيأتي جيل بعد ذلك فيكتشف انه كان يوجد تيار، أما بخصوص الحريات ففي الخمسينيات والستينيات كانت هناك ضغوط، فتم عمل تيار للمسرح المصري ولكن مع وجود العديد من الضحايا من المبدعين، فلماذا لا يحدث هذا الآن؟


جرجس شكري: ويجب أن يكون المجتمع نفسه مهيأ لفكرة التيار هذه، فمثلا صمويل بيكيت عندما كتب " في انتظار جودو" هوجم بشدة ولكنه في النهاية أسس تيارا له ملامح، لأن المجتمع بعد الحرب العالمية الثانية كان مهيأ لاستقبال تلك الأسئلة، وهذه التوجهات العميقة المجردة، وفي النهاية نذكر أنه لم يقرر هذا التيار ولم ينوه عنه بداية.


يوسف إسماعيل: المشكلة أن الدولة لو صنعت تيارا سيكون هذا التيار مسبحا بحمد النظام ومقدسا له، فالتيارات الفنية لا تتبع النظام بل تفرز نفسها.


ياسر أنور: في ظاهرة الفن المسرحي يجب أن ننظر من نقطة عليا لنرى المشهد كاملا، ونبحث عن الأسباب الرئيسة وليست الثانوية، ولا يمكن أن أفصل التراجع الثقافي عن الفن المسرحي، وما قالته الأستاذة أمينة ليس من قبيل الخيال، فقد صدر كتاب في التسعينيات اسمه "من يدفع ثمن العازف" ذكرت فيه المؤلفة أن المخابرات الأمريكية كانت تمول وتهيمن على مراكز الإبداع في البلدان العربية وتحديدا في لبنان، فلا يجب ألا نهمل هذا الكلام، وإذا نظرنا بحيادية سنجد أن هناك تراجعا في كل الفنون، وحدث تغير فعلا في الذائقة نتيجة تغير الحالة الثقافية، أو المزاجية بالعالم العربي، فلو وصلنا لهذه النقطة نستطيع فعلا حل المشكلة،


جرجس شكري: فعلا الأزمة لا تتجزأ، وأيضا نعلم أن هناك مؤامرة، موجودة طوال الوقت، ولكن لا ننسى عند وجود الاحتلال البريطاني وغيره قدمنا أهم مسرح وأهم سينما، وبداية الحديث عن أزمة المسرح الحالية من السبعينيات، فعندما قرأت الأعداد القديمة من مجلة الإذاعة والتليفزيون وغيرها وجدت الحديث عن أزمة المسرح، ونكون حقيقة مخطئين إذا تصورنا وجود أزمة حقيقية خلال أربعة عقود والمسرح يعمل إلى الآن فهناك مئات العروض التي تقدمها قصور الثقافة في كل مكان، فلو توجد أزمة فعلية لتوقف المسرح ومات تماما، وعندنا كذلك مسرح الدولة ومسرح الهواة أو ما يعرف بالمسرح الحر، ويشارك بقوة في المهرجانات، وهناك مسرح الفضائيات رغم اعتراضنا عليها، ومسرح الجامعة فهل بعد ذلك ثمة أزمة، وإذا نظرنا للمخرجين سنجد عندنا الكثيرين، من جيل سمير العصفوري إلى جيل الشباب الآن مع العلم أن سمير العصفوري مخرج عالمي، وعندنا كذلك عدد كبير من الممثلين،  إذن أين المشكلة فوزارة الثقافة تنفق بسخاء على المسرح.


وعلى المستوى الفني والتقني ليس عندنا مشكلة، فكثرة العروض مثلا والمهرجانات هذا العام تنفي وجود أزمة، فالمسرح القومي مثلا هذا العام أدخل للدولة 3 ملايين جنيه في عرض مسرحي واحد وهو " ليلة من ألف ليلة" ومع كل هذا الضجيج عندي مشكلة، وهو أن الحركة المسرحية لم تقدم تيارا حقيقيا هذا هو السؤال، أما فكرة الأزمة نفسها فمرفوضة.


سعيد عبدالكريم: يبقى السؤال : لماذا لا تنزل هذه المسارح لأدنى المستويات، وكل الناس للتوعية في الشارع، ومن أين جاءت الفجوة بين المسرح والمتلقي؟.


جرجس شكري: المشكلة في عدم وصول المسرح لكل المناطق فعلا في كل الأقاليم، تحدث بسبب تقفيل الورق بهذه الأقاليم، فالعرض الواحد من المفترض أن يستمر 15 يوما، ولكن ما يحدث أنهم يعرضونه مرة واحدة أمام لجنة التحكيم التي تذهب للتقييم دون جمهور، وبعد انصراف اللجنة يتم تقفيل الورق على ان العروض قد قدمت فعلا، ولا ننسى أن الجمهور يذهب ليرى ما يريد وليس العكس، وهناك اثنان من النقاد الكبار، تركوا النقد المسرحي تماما وهما : فاروق عبدالقادر، وفؤاد دوارة، وذلك لأن المسرح لم يعد يمثل الجمهور، ولفؤاد دوارة كتاب صدر بدار الهلال بعنوان "وقاع تخريب المسرح المصري في السبعينيات والثمانينيات" فلم يعد المسرح يحمل هموم الجمهور، ولم يعد كذلك يطرح أسئلة الواقع، وبالتالي ابتعد المسرح عن الجمهور والنتيجة أن ابتعد الجمهور عن المسرح.


أمينة سالم: في الإجابة عن سؤال: لماذا لا يصل المسرح إلى الناس، أذكر تجربة حدثت معي بهذا الشأن، واستبعدت من عملي بسببها واتهمت بأنني أطمع في الحصول على مكانة الآخرين، حيث طلبت عام 2005 وقت فاروق حسني، أن يتم تقديم كل العروض المسرحية التي تعرض بالقاهرة علي أسطوانات ويتم بيعها في أكشاك بالقرى والمناطق النائية، مع العلم أن هذه الأسطوانات لن تكلف الدولة شيئا، فستباع بجنيه واحد ومع ذلك ستوفر دخلا كبيرا للدولة.


جرجس شكري: أذكر لكم شيئا مؤسفا ألا وهو أن تراث المسرح المصري في العشرين سنة الأخيرة لم يسجل، وإذا سجل فبكاميرات ضعيفة، والحفظ سيئ، ولا يصلح للعرض، والقائمة التي قدمها برنامج كنوز مسرحية بالتليفزيون لم تتجاوز فترة الثمانينيات، واقترحت بلجنة المسرح قبل استقالتي منهاأن مسرح الدولة ليس لديه دعاية جيدة، فمن الممكن أن يقوم التليفزيون بعمل دعاية للمسرح، من خلال تسجيل العروض بحرفية كبيرة، ويحتفظ بها،  وهذا تعامل بين وزارة الثقافة المصرية والتليفزيون المصري ولكن لم يهتم أحد.


رشا عبد المنعم: بعد الثورة ازدهر مسرح الميدان أو الشارع، وأصبح هناك تغيير، والثورة كانت اختبارا حقيقيا لأصالة المسرح فينا، فقبل الثورة كنا نتساءل عن أهمية المسرح وهل هو ضرورة أم لا، ولكن بعد الثورة اكتشفنا أن المسرح مكون أصيل في الشخصية المصرية، فرأينا الناس تعبر عن رأيها من خلال المسرح بالشارع، وكانت هناك مشاهد مسرحية جميلة، فتفاءلنا بذلك، ولكن الآن عندنا قانون التظاهر الذي لا يفرق بين التظاهر الفني والتظاهر الحقيقي، فلو عرض مجموعة من الشباب عرضا يمكن أن يتعرضوا للمساءلة، فالإبداع المسرحي يزدهر مع تعدد الرأي والحرية في التعبير، ويجب أن ندرك أن المسرح يمكن لا يحرك ولكن يوجه، فالمسرح لا يقدم الحلول بل يساعد الناس على إيجاد الحلول، حتى مع الدستور الجديد لم نجد إنصافا للمسرح، فالسقف ينزل فعلا، وما يقدم الآن على مسارح الفضائيات في غاية السطحية، ولكن ليس هذا هو المسرح الحقيقي الذي نتمناه والذي يترك تراكما في وعي الجمهور، الذي نخرج منه ونحن نحتفي بذواتنا وإنسانيتنا وحريتنا بل بالعكس هذا مسرح محبط واستهلاكي كأننا لم ندخل أصلا، فلا يوجد فرق في الوعي والإحساس بالجمال.


وثمة مشكلة أخرى وهي الفنان الموظف الذي اختلطت عليه هويته، هل هو فنان لديه مشروع مهموم به، أم هو موظف يعمل بالعروض التي تقدم على المسرح الذي يعمل به، ويحارب أي شخص يأتي من خارج مسرحه. فقلما نجد من مديري المسارح من يعطي الفرصة لمن يأتي من الخارج، وأيضا عدد الموظفين بالمسارح كبير نسبيا فبالتالي يأكلون الميزانية وهذا على حساب الإبداع المسرحي، فنجد نسبة الموظفين أمام المبدعين واحد إلى ثلاثة، وهذه مشكلة كبيرة، وينعكس ذلك على المسرح بشكل سلبي خاصة مع الاتساع الجغرافي وزيادة عدد السكان، فلا توجد مواءمة فعلا بين عدد السكان والمسارح.


وكذلك مشكلة مسرح الهواة المستقل مع أنه لا يتناول إلا دعما محدودا جدا من الدولة إلا أنه يتميز باستقلاليته التامة، وهو الأكثر انتشارا والأقدر على التواصل مع جميع المصريين، فأذكر أننا قمنا بعمل مسرحي مهم في الصعيد ومهرجان بقنا، وكان معنا عدد كبير من الفرق المستقلة من كل أنحاء مصر، وكنا نعرض بالمقاهي وعلى الكورنيش وبالشوارع، وكان المهرجان ناجحا فعلا، فيجب الاعتماد على هذه الفرق، لأنها سهلة الحركة، وتعرض بأماكن غير تقليدية وهذا حل جيد لما تمر به الحركة المسرحية، وذلك من خلال دعمها للخروج من هذه الأزمة، أفضل من الإنفاق المبالغ فيه على الفرق، وأود أخيرا أن أذكر أننا أقمنا وحدة لدعم المسرح المستقل، ووزارة الثقافة وعدت بدعمنا من بداية السنة المالية الجديدة، بمبلغ 2 مليون جنيه، لدعم حوالي 50 مسرحية جديدة، من مختلف أنحاء مصر، ووصلنا لآلية محترمة مع العلم أن كل هذا الدعم ليس فقط للعروض بل أيضا للتدريب، من خلال عمل ورش، وسيتم الإعلان عن الدعم وتتقدم الفرق ويتم الاختيار من خلال لجان للتحكيم، وإذا تم ذلك سيكون بارقة أمل نوعا ما فيما يخص المسرح المستقل.


هشام السنباطي: عندما نتحدث عن المسرح يجب ألا نغفل نقطة مهمة وهي سوء إدارة المشروع الثقافي نفسه، فليس عندنا إبداع في الإدارة، فالناس تدير ورق ليس أكثر، فأين الإبداع الحقيقي، فالإبداع ألا أكرر شيئا موجودا، وبخصوص الجمهور وبحثه عن ما يحب، فمسرح الفضائيات الآن، رغم اختلافنا فيما يقدم إلا أنه نجح في جذب الجمهور، ومهما حاولنا بتقديم الأفضل إلا أنه يفضل هذا النوع، فالمسألة تتطلب منا أن نقدم السكر في الدواء لجذب الجمهور، ولتوصيل الفكرة له، وعندنا مشكلة اخرى أعايشها عندنا في "آفاق" عندما نفتح متنفسا لتقديم عروض فرق الأقاليم، من أسوان إلى سيناء، تتكالب الفرق على الحضور وتتكبد تكاليف الانتقال والإقامة على حسابهم، وذلك من أجل العرض في القاهرة، ومنهم فرق ذات تاريخ فهناك فرقة من الإسكندرية تاريخها يمتد لثلاثين عاما، عرضت عليهم ان أساعدهم بكل الإمكانيات على أن يعرض في محافظته إلا أنه يرفض.


فالفكرة هنا أن أهتم بالجمهور ورغباته، لا أن أهتم بلجان التحكيم فقط من أجل حصد الجوائز، رغم فراغ المقاعد، وانتشرت هذه الآلية خاصة في الثقافة الجماهيرية، يعمل طول السنة من اجل انتظار هذا الموسم للعرض على لجنة التحكيم، بغض النظر عما يقدم، ففي أسوان يعرض هاملت لشكسبير وليتها بطريقة جيدة، دون مراعاة للجمهور، فهو يرتدي ثوبا غير ثوبه، فالفكرة نفسها تنحصر في الجمهور المستهلك والاهتمام بالإداريات، فإذا نظرنا للإعلام نجدهم يهتمون بالشريحة التي يقدم لها الخبر، المهم تبسيط المسألة بالنسبة للمتلقي، هاتان القضيتان لو توصلنا لحل لهما أعتقد حينها سنتوصل لقدر أفضل، وأخيرا نشير إلى أن لغة العصر الآن هي لغة الحاسوب والإنترنت وصارت تقاس الأمية بهما، وهناك تجربة أريد أن أختم بها وهي تجربة ما بعد 1980وهذه التجربة كل من يعمل بها منذ خمس سنوات كلهم شباب، ورأيت بنفسي الجمهور يأتي لهم خصيصا، والمشكلة أن هذه التجربة بسبب آليات خاصة بالإنتاج مهدد بالتوقف الآن، مع العلم أن المسرح ممتلئ.


أمل ممدوح: ربما يعود غياب الجمهور عن المسرح الجاد إلى أنه لا يريد أن يرى همومه على المسرح، فهناك الآن عوامل جذب يجب أن تراعى، والجمهور لديه الرغبة في رؤية الجديد، وكثيرا ما نلجأ لتمصير الأجنبي وهذا غير جيد، فيجب أن ننظر للاحتياج النفسي للجمهور، وليس للجانب المزاجي فحسب.


وشيء آخر الجمهور الآن لا يحترم العرض المسرحي بالقدر الكبير فيتكلم في الهاتف ويكلم بعضه أثناء العرض سواء بالأوبرا أو المسرح، فهل افتقدنا قواعد المشاهدة لهذه الدرجة، وللأسف أن ذلك يبدأ معنا من المرحلة الابتدائية التي يجب أن يبدأ فيها تربية المتلقي على آداب المشاهدة، وفي النهاية نذكر أن هذا ليس عيبا في العرض بل يجب تحليل نفسية الجمهور، وزادت هذه المشكلة في آخر 10 سنوات، رغم دفعه لمبالغ كبيةو ووجود عمل جاد، والمشكلة الأخيرة التي أنوه إليها مشكلة المسارح المغلقة، فنرجو فتحها لحل مشاكل الفرق وعملا على استيعاب وجذب الجمهور، فهناك العديد من الفرق التي تعاني من وجود مكان فما الحكمة إذن من غلقها.


أحمد حامد: من الصعب الحديث عن المسرح في ظل وجود هذه الكوكبة المهمة فى مجال العمل المسرحي، لكنني تعلمت معنى المسرح فى تجارة عين شمس وعملت مع الأستاذ منصور محمد رحمة الله عليه، الذى كان موهوبا بطبعه، عملت معه فى تجربة مزج فيها بين "مسافر ليل" و "الأميرة تنتظر" لصلاح عبد الصبور، وهى تجربة نشأت على مسرح تجارة عين شمس وهو مسرح للهواة، وصعد بها منصور محمد بعد ذلك إلى مسرح الطليعة.


وفي رأيي أن المسرح هو لحظة حية بين المبدع والمتلقي، وهى لحظة صادقة جدا، وأرى أن المبدع في تقديمه لعمله لا يحمل هما كبيرا للمعوقات المادية أو المعنوية بل إنه يستمتع بعمله ذاتيا، فيقدم عمله متحررا من أي دوافع أخرى، غير الاستمتاع، قد تدفعه لتقديم منتجه للمتلقي.


والواقع المسرحي الآن لم ينفصل عن سياق الحياة بشكل عام، وهو ما قاله يوجين يونسكو فى "اميدييه" بعد الحرب العالمية الثانية: "الروح تموت والمادة تنتصر"، وهذا ما كان الماستر سين للنص، وبالمناسبة، هذا النص أخرجته، واعتبرته مشروع حياتي، فقد كان إحساسي أننى اميدييه نفسه، الذي كانت أزمته أن الإنسان لا يستطيع أن يبدع في كل ما يصقل الضمير والحياة التي نحياها، فخرجت فكرة العبث من فقدان اللغة لوظيفتها فى التواصل مع الآخرين.


وكان المسرح التجريبي في بداياته مجانيا تماما، فكان بالنسبة لجيلي ولكل من كان يهتم بهذا الفن شيئا رائعا جدا، وبعد أن تحول من المجانية إلى الدخول بتذاكر، قبل توقفه تماما، أصبح المسرحيين والقائمين على العمل المسرحي هم من يشاهدون أنفسهم، وقل عدد الجمهور بشكل ملحوظ، فلو عاد المسرح التجريبى، فإنه يفتح آفاقا كثيرة، ونستطيع من خلاله أن نرى ثقافات مختلفة وتجارب مسرحية مختلفة تثري عملية الإبداع بشكل كبير. فما يحدد فكرة الإبداع بالنسبة لأى مبدع، هو المعتقدات، القناعات، الثقافات.


وألقى الاستاذ أحمد حامد الضوء على تجربته الأخيرة مع مسرحية "الواغش" لرافت الدويري، والتى قام فيها بدمج الرؤى الإخراجية الثلاث فى رؤية واحدة، ممزوجة مع أشعار أمل دنقل في "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة" و "سفر التكوين"، وكانت الجملة الأخيرة فى العرض: " فلتكن الريح في الأرض تكنس هذا العفن".


وعرض كذلك الفنان المبدع محمد فوزي فى ختام الصالون تجربته الرائعة والتي قام من خلالها بتنشيط الحراك المسرحي بالأقاليم المصرية، والدول العربية الشقيقة، منوها على أهمية أن يتناول المسرح الفئات العمرية الأصغر سنا.