موسى .. والغوى المبين

16/06/2016 - 9:01:52

رئيسة التحرير ماجدة محمود رئيسة التحرير ماجدة محمود

كتبت - ماجدة محمود

أخطاء الأنبياء ليست أخطاء وإنما هى من باب « حسنات الأبرار سيئات المقربين» ، وما تلك الأخطاء إلا مواساة للناس ومدخلا لتأكيد بشرية الأنبياء حتى يكون الاقتداء بهم أتم وحتى لا يقول الناس عن سيرتهم أنها غير قابلة للتطبيق لأنهم رسلُ ونحن بشر ، ولكنهم بشر يوحى إليهم من ربهم مبشرين بالوحى .  يقول المولى عز وجل فى كتابة العزيز  بسم الله الرحمن الرحيم  «قُلْ سُبْحَانَ رَبِّى  هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا » صدق الله العظيم ..لقد قدم المولى عز وجل فى هذه الآية الكريمة البشرية على الرسالة ما يؤكد وقوع بعض الهفوات من قبل بعض الرسل نستعرضها من خلال هذه الحلقات .


ولد كليم الله موسى فى بنى  إسرائيل وكانوا من أفضل أهل زمانهم، ولكن الله سلط عليهم فرعون فجعلهم يقومون بالأعمال الشاقة ليلاً ونهاراً، وكان يذيقهم أصناف العذاب من إهانة واحتقار وإذلال، وقد انتشر خبر بين الناس أنه سيولد من بنى  إسرائيل غلام يكون هلاك ملك مصر على يديه، فبدأ الخوف يدب فى  قلب فرعون ففكر بطريقة تحول دون حصول هذا الأمر ولم يجد خيرا من أن يصدر أمرا بقتل كل مولود ذكر لبنى  إسرائيل وبهذا لن يعيش هذا الغلام المنتظر، ولكن قوم فرعون أصابهم القلق من هذا الأمر، وفكروا أنه إذا استمر الوضع هكذا سيفنى بنو إسرائيل بموت شيوخهم، وستؤول الأعمال الشاقة إليهم ولن يجدوا من يقوم بخدمتهم لذا أسروا بالأمر لملكهم فرعون  فقال لهم : إذاً سوف يقتل الصبيان عاما ً ويتركون عاماً وكان هارون شقيق موسى قد ولد بالعام الذى  ترك فيه الصبيان، وقدر الله على أم موسى أن تحمل به دون أن تظهر عليها علامات للحمل ، ولهذا لم ينتبهن إليها الدايات ولم يعلمن بأمر حملها، لكن عند الوضع خافت خوفاً شديدا من أن يعلم أحد من قوم فرعون  فيقتلوا وليدها فألهما الله سبحانه وتعالى أن تصنع سريرا لطفلها، وتضعه داخل تابوت، وترسله بالنهر وقد ربطت حبلا بالتابوت حيث كانت ترضعه، وإن رأت من تخافه ترسل التابوت إلى النهر مجددا، وتربط الحبل وهكذا صارت تفعل حتى جاء ذلك اليوم عندما جاءها من تخافه من قوم فرعون فأسرعت بوضع موسى فى التابوت ولكن هذه المرة نسيت من شدة الخوف أن تربطه جيدا، فسار التابوت فى النهر باتجاه قصر فرعون، فلمح الجنود والجاريات شيئا يسير بالنهر فالتقطوه ولكن لم يفتحه أحد وذهبوا به حيث آسية امرأة فرعون ، ففتحت التابوت فرأت غلاماً لم تر عيناها أجمل منه فألقى الله محبة هذا الغلام فى  قلبها وقلب كل من رآه، وعندما علم فرعون بالأمر أمر على الفور بقتله خشية أن يكون من بنى  إسرائيل أى  من بنى  عدوه ، ولكن امرأته رجته أن يبقيه لها لتقر عينها به، وقالت له أنت أمرت بقتل المواليد وهذا قد تجاوز السنة وما يدريك أنه من العدو ولعله ينفعنا ويكون ولدا لنا، قال لها لك أنتِ ولكن أنا ليس لى  حاجة به ففرحت زوجة فرعون فرحا شديدا ، وأمرت له بالمراضع، ولكن موسى عليه السلام كان يرفض كل المراضع فأمرت الجاريات بأخذه إلى السوق للبحث عن مرضعة لعله يقبلها. وهنا أصاب أم موسى الخوف والهلع على طفلها فقد أوشكت أن تذهب لفرعون وتسأل عن طفلها ولكن الله ثبتها وصبرها فأرسلت أخته تبحث عن خبر يطمئنها عليه لكن دون أن يشعر بها أحداً، وفعلا ً ذهبت حيث كان اجتماع الناس فسمعت بكاء أخيها فعرفته فأقبلت عليهم، وقالت لهم: هل أدلكم على أهل بيت يكونون له ناصحين ؟ فارتاب الناس لأمرها وقالوا لها وما يدريك أنهم له ناصحون ! قالت لأنهم يريدون رضا الملك، فاصطحبتهم إلى منزلها حيث والدتها تنتظر الخبر الذى  يطمئنها وإذا بوليدها بين يديها تضمه إلى صدرها، وتلقمه ثديها من جديد وهى  آمنة دون خوف أو ترقب.  فرح الجميع عندما شاهدوا موسى يلتقم ثدى  أمه فقد كان جائعا، وأخبروا آسية زوجة فرعون ففرحت ، وأمرت أن يحضروا تلك المرأة  «أم موسى» . فحضرت فقالت لها: أريدكِ أن تعيشى  معنا فى  هذا القصر تقومين بإرضاع هذا الطفل فردت: لا استطيع لأن لدى  زوجا وأولادا لا يمكننى تركهم، ولكن إن أردتِ  أن آخذه معى  فترة الرضاعة، قالت زوجة فرعون حسناً وأمرت لها بالعطايا والهدايا الكثيرة.. وهكذا نجا موسى واقر  الله به عين أمه بعد أن كانت ترضعه وسط خوف ورعب أصبحت ترضعه، وهى  آمنة مطمئنة وكبر موسى فى كنف زوجة فرعون، وذات يوم كان موسى مارّاً فى  أحد شوارع المدينة فوجد رجلين يقتتلان أحدهما من بنى إسرائيل والآخر من القبط أي من قوم فرعون وقد أخذ القبطى  ينال من الإسرائيلى  والإسرائيلى  مغلوب على أمره بين يدى عدوّه ولا يجد من ينصره، فما أن رأى سيدنا موسى مقبلاً حتى استغاث به واستنصره، ووقع سيدنا موسى عليه السلام فى  هذه البرهة بين أمرين:  - أيظل مقيماً فى  مصر آمناً مطمئناً بما بين يديه من مُلْك فى  ظلال فرعون وما يُريد من دنيا واسعة ويدع هذا الإسرائيلى  للقبطى  يظلمه ويعذبه،  - أم لا يبالى  بهذا كله ويضرب على يد ذلك الظالم ولو أدَّى به الأمر إلى أن يعرِّض نفسه لغضب فرعون والتضحية بكل شئ، وفى  هذه اللحظة أبت عليه مروءته أن يدع ذلك المظلوم دون أن ينصره ودفعه حبُّه للحقِّ أن وكز بيده ذلك القبطى  ليبعده عن الإسرائيلى، فخرَّ القبطى  المعتدى صريعاً ميتاً. وإلى هذه الواقعة أشارت الآية الكريمة فى  قوله تعالى: «وَدَخَلَ المَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فيِها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلان هذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِهِ فَاسْتَغَاثَهُ الذى  مِن شِيعَتهِ عَلَى الذى  مِنْ عَدُوّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيهِ».  ومرة أخرى مر موسى فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونيا فاستغاثه على الفرعونى ، وقد ندم على ما كان منه بالأمس من قتل القبطي ، وعندما طلب منه هذا الإسرائيلي أن يعينه فى  القضاء على هذا  الفرعونى «قال له موسى: «إنك لغوي مبين» وهنا استشعر سيدنا موسى خطأه فطلب من المولى عز وجل أن يغفر له « قال رب أنى ظلمت نفسى فاغفر لى فغفر له إنه هو الغفور الرحيم ».. إن حادثة قتل سيدنا موسى للقبطى هى  بالطبع خطأ غير مقصود لأنه عليه السلام كان فى نيته الضرب وليس القتل وهذا ظاهر فى قوله تعالى  «فوكزه موسى فقضى عليه» ولهذا فإن الله الملك الغفور تجاوز عن خطئه لأنه غير مقصود.  قصة سيدنا موسى وقصص أخرى لأنبياء الله شابهها مواقف كتلك سوف نستعرضها تباعا طوال شهر رمضان وهى تدلل على أمر واحد هام وهو أن الرسل بشر قبل أن يكونوا أنبياء ولم يكن هناك أى صعوبة أن يرسل الله ملائكة مرسلين لكنه عز وجل أراد أن يكون الرسل بشرا ليقتدى بهم العامة من الناس، وهذا ما يؤكد قوله تعالى «وما ارسالناك الا بشرا رسولا» مقدما البشرية على الرسالة، فسبحان الله..


المصدر :- ويكيبديا