القنوات الفقيرة تكسب!

16/06/2016 - 8:57:35

كتب - طاهــر البهــي

أهل علىّ شهر رمضان المبارك لأشفق على شركات الإعلان وأيضا على المعلنين؛ بعد أن أصبح المشاهدون في حالة رفض شديد للمحتوى الإعلاني مهما كانت فكرته ومهما تقدمت التقنيات المستخدمة في تنفيذه، بعد أن تحول الإعلان إلى مادة غير مرغوب فيها، بل أصبح شيئا منفرا يتحايل المشاهدون على تجنبه وتجاوزه بوصفه حاجزا يحول بينه وبين الاستمتاع والمتابعة للمواد الدرامية والبرامجية، ما يفقدهم تتبع المحتوى الترفيهي الذي اجتمعوا من أجله.


أعرف مشاهدين يقابلون الفقرة الإعلانية بكتم الصوت، أما الغالبية فيتعمدون تغيير القناة بأكملها ليتابعوا عملا آخر على قناة أخرى في أوقات موحدة، إعلانا عن رفضهم لطول فترة الوقفات الإعلانية من جهة، ولبيان أن المعلن والشركة المعلنة والسلعة والقناة التي تفترس مشاهديها لن يجبروهم على رؤية شىء لا يريدونه؛ فالمشاهد هو السيد وهو الأقوى والأبقى مهما كان التحايل ومهما كانت المغريات، ولكن للأسف يظل الالتفاف على المشاهد هو أساس الموقف؛ حيث يتفق عدد من القنوات على عرض المسلسلات الدرامية، وهي البطل الأول لدى المشاهدين وخاصة نساء حواء اللاتي يبحثن عن مادة ترفيهية تناسبهن في نهاية أو وسط يوم عمل شاق، مجهد ليتابعن خلاله حدوتة درامية تنسيهن متاعبهن، تتفق بعض القنوات على توحيد عرض مسلسلاتها في وقت واحد، ثم توحيد مواعيد فواصلها الإعلانية، لتجد المرأة وإلى جوارها الأسرة أنفسهم أمام نوع من المشاهدة الإجبارية للفقرة الإعلانية على هذه القناة أو تلك ولا يكون أمامها سوى الهروب إلى القنوات الفقيرة إعلانيا.. يعني إما تشوف سمنة "البلحتين" أو زيت "الشجرتين" وكفاية كدة، والغريب أنني استمعت بالصدفة إلى حوار بين سيدة وصديقتها في أحد الأندية الاجتماعية الراقية تقسم أنها كلما وجدت منتجا غذائيا أو استهلاكيا يتبع سياسة الإلحاح الإعلاني قاطعته.. وأضافت السيدة: (نفسيا بأبقى مش طايقة).


هذه السيدة عبرت عن حال كثير من السيدات الفضليات من مشاهدات التليفزيون، بما يؤكد أننا أمام مادة تليفزيونية غير مرغوب فيها ولا تحقق متعة ولا فائدة، أو بتعبير أدق غير مقبول كثافتها وتداخلها مع الدراما سواء كانت فيلما سينمائيا أو مسلسلا تليفزيونيا يعرض عبر الفضائيات التي أصبحت منتشرة أكثر من النجوم.


وأصبحت كليباتها وصراخها ينسي المشاهد الخيط الدرامي الذي يتتبعه، لدرجة أني أتذكر أن أحد نجوم الغناء اللامعين بشدة من جيل الوسط، أرسل لي شريط كاسيت يحوى "تتر" مسلسل قام بغنائه لمسلسل تليفزيوني معروف، واستحلفني المطرب الصديق أن أستمع إلى محتواه أثناء قيادة السيارة وأضاف: "من باب التسلية"، إلا أنني بمجرد أن أدرت الشريط، إذا بالآتي: موسيقى هادئة شجية، ثم صوت المطرب يغني: "لما بتنزل دموعي....." وإذا بقطع فج للأغنية وموسيقى اللحن ثم صوت إيقاع أكثر فجاجة وعبارة من رجل خشن يقول: "توجه إلى معمل...... أدق التحاليل الطبية"!!  أصارحكم أنه إلى هنا وأدركت أن الأمر لم يعد هزلا.. بل أن سطوة الإعلان قد وصلت مداها في تشويه العمل الفني وفي استباحة وقت وعقل وذوق المشاهد، واقتحام متعته البريئة والتشويش على عقله، وإضاعة ما يعادل ضعف وقت المادة الترفيهية في مواد إعلانية لا تفيد المرأة ولا الأسرة المصرية، وفي كثير من الدول بروتوكولات صارمة تحدد مدة ثماني دقائق للفواصل الإعلانية كل ساعة مشاهدة كما أن هناك اتفاقات أشبه بميثاق الشرف تحدد عدد مرات تكرار الإعلان الواحد.. فماذا نحن فاعلون؟!