الشهير بـ « بابا عبده » .. « أبنائي الأعزاء شكرا » مسلسل أبكى المصريين

16/06/2016 - 8:56:24

يتذكره: طاهــر البهــي

كان المشاهد العربى فى رمضان 1979 على موعد مع هذا المسلسل الذي يعد أحد العلامات المضيئة في تاريخ الدراما الاجتماعية المصرية، وأعني به المسلسل الاجتماعي " أبنائي الأعزاء شكرا" الذي أطلق عليه المصريون "بابا عبده" وكان ذلك بمثابة استفتاء آخر على الشخصية الرائعة التي جسدها نجم الكوميديا ـ والتراجيدي ـ  للسينما والمسرح والتليفزيون العربي في أداء بارع، متقن، متوحد مع الشخصية، الفنان الراحل عبدالمنعم مدبولى الذى نجح فى استدعاء دموع المصريين والأشقاء من ملايين المشاهدين الذين كانوا يتابعون حلقات المسلسل ويتابعونها بشغف غاب عن كثير من الأعمال الأخرى.


قادتني الصدفة للتواجد في مدينة ساحلية لها مكانا ومكانة في قلوبنا، هي مدينة بورسعيد الباسلة وقت عرض المسلسل، وأحببت أن أشاهد بعض الحلقات التي صادفتني هناك مع أبناء البلدة الساحرة؛ وبالفعل قصدت أحد المقاهي عقب تناول إفطار رمضان، ووجدت المقهي مكتظا برواده، لا أحد يلعب الدومينو المولعين بها، بل تنافس الجميع في الحصول على مكان مميز يضمن له رؤية جيدة للشاشة التي كانت لا تتجاوز ـ  ست وعشرين بوصة - ولا يوجد تلفاز أكبر من ذلك في هذا الوقت رغم أننا في منطقة حرة تفتح ذراعيها لكل جديد.


 وتتدفق ذكريات بابا عبده بقصتها المؤثرة، وإن كنت لا أدري ما سر تأثر أبناء جيلي بأحداثها إلى هذا الحد على الرغم من أننا كنا في عمر الزهور، لا تزوجنا ولا أنجبنا، ولا تجرعنا مرار "العقوق" حتى نبكي وننتحب على نكران الأبناء لحق الأب الذي صنع كل شيء من أجل أبنائه "زي ما بيقول الكتاب" كما يقولون، خاصة تلك السنوات التي "ترمل" فيها فاقدا زوجته، شريكه وسنده، وأخذ عهدا على نفسه أن يربي أبناءه على القيم والشرف والأخلاق الحميدة، مضطلعا بدوري الأم والأب، لنفاجأ بأنه في كبره يتحول إلى عبء كبير على الأبناء حتى الذين يحبونه منهم، إلا أنهم يرفضون قيمه وتقاليده البالية من وجهة نظرهم محدودة الأفق، فالابن الذي تزوج من زميلته الطبيبة وأصبح مديرا لمستشفى والدها ( فاروق الفيشاوي: ماجد - الابن الأصغر) يرفض توصية والده لبعض أبناء الحي البسطاء وكذلك صغار الموظفين من زملائه، بل ويتأذى من تردد هؤلاء الغلابة عليه طلبا لمساعدته الطبية الإنسانية، بل وأكثر من هذا فهو يطالب والده بالتقاعد ـ معتقدا أن ذلك يعلي من مركزه الاجتماعي وأن عمله مصدر للعار ـ ونجد أن الأبناء (الأعزاء) يتجاهلون دعوة والدهم بعد أن مر عليهم فردا فردا للمشاركة في عيد ميلاد شقيقتهم الصغرى الجميلة عفاف (آثار الحكيم) رغم أنها عادة سنوية لم ينقطع عنها الأب بالاستعداد وشراء كل ما يلزم من حلوى وزينة لتحقيق الترابط بين الأشقاء، ونشعر لبرهة من الوقت أن الأب بات متشككا من حسن تربيته لأبنائه، وفي المقابل هناك من يحب الأب بصدق ويتعاطف مع أفكاره ولكنه ضعيف الشخصية لا يقدر على إقناع أحد من الأشقاء بموقفه (يحيي الفخراني: رأفت الابن الأكبر) وكثيرا ما تبدي زوجته إيناس (الفنانة فاطمة مظهر) تعاطفها، وعلى النقيض منها هناك زوجة الابن التي تأخذ موقفا طبقيا غير مبرر من "بابا عبده" (مشيرة إسماعيل: سوزي زوجة ماجد)، مرورا بالابن الأوسط "عاطف" صلاح السعدني، ويجمعهم جميعا الانشغال عن الأب بتحقيق نجاحاتهم الشخصية رغم أنه لا تعارض!


ولكن لأن الدنيا لا تجتمع على شر؛ فإننا نجد في حياة بابا عبده ثلاثة أشخاص يناصرونه دوما هم الابنة آثار الحكيم، وتلميذته في العمل وابنته الروحية "صفاء" أو الفنانة فردوس عبد الحميد في واحد من أرق أدوارها، والثالث هو محمود ابن شقيق بابا عبده الذي يعيش قصة حب مع ابنة عمه آثار الحكيم ويعارض زواجهما الابن الانتهازي ماجد.


وفي خط موازي نجد قيمة الشرف والنقاء والإخلاص تتجسد في محيط عمل بابا عبده، وفي علاقة الوفاء التي تجمعه بالحاج عبدالفضيل (الفنان القدير عبد الوارث عسر) اللذين أسسا معا الشركة طوبة طوبة، ويأتي شقيق عبدالفضيل (الفنان أسامة عباس) ليعيث في الشركة فسادا، إلا أن بابا عبده وتلميذته الشريفة فردوس يتصديان للفساد، بقي أن نذكر تحية واجبة لصاحب قصة مسلسل "أبنائي الأعزاء شكرا" وهي معلومة قد تبدو غريبة على القارئ وهو الفنان الراحل المثقف: عبدالله فرغلي، والسيناريو للسيناريست المتميز: عصام الجمبلاطي، والإخراج للقدير: محمد فاضل.