درة المتصوفين ولؤلؤة العاشقين

16/06/2016 - 8:40:16

إيمان حسن الحفناوي إيمان حسن الحفناوي

كتبت - إيمان حسن الحفناوي

عندما ينشأ أحدنا في بيت علم وورع ننظر له بعين التقدير، إذ قد تشرب ببيئته ونال منها أجمل الخصال، فما بالنا بمن كانت طفولته بين يدي أم من أمهات المؤمنين، وتربيته في بيت من بيوت النبي صلى الله عليه وسلم، وجلوسه بين الصحابة؟ كان والده يعمل عند زيد بن ثابت، وأمه تعمل عند أم المؤمنين أم سلمة، حملت به أمه، وكان اسمها خيرة، فنالت كل الرعاية والمحبة والعطف حتى وضعته وليدا جميلا بهي الطلعة، أسر فؤاد أم المؤمنين فسألت أمه: هل أسميته؟ فردت: لا يا أماه بل تركت تسميته لك، نظرت أم المؤمنين إلى وجهه الصبوح وقالت: هو الحسن إن شاء الله، وأصبح هذا الحسن في رعاية سيدة هي من أجل نساء العرب عرفت باسم أم سلمة، وهي هند بنت سهيل، أرجح النساء عقلا حتى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بنصيحتها في خلاف نشأ وقت صلح الحديبية، وكان رأيها هو ما رأب الصدع وقتها، وكانت أم سلمة واسعة العلم، بل كانت من القليلات جدا اللاتي يعرفن الكتابة والقراءة في زمنها، فلنا أن نتصور أي تربية نالها الصغير في حجر هذه السيدة العظيمة، وكان يتلقى العلم على أيدي كبار الصحابة في مسجد الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، فنهل من علم الإمام علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عباس،وسئل مرة أنس بن مالك عن مسألة فقال: سلوا عنها مولانا الحسن، فإنه سمع وسمعنا، فحفظ ونسينا، وغيرهم الكثير من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، وعندما بلغ من العمر ما يقارب الخامسة عشرة انتقل مع والديه إلى البصرة، يوم كانت البصرة قلعة من قلاع العلم والثقافة والمعرفة، ومن هنا جاءت تسميته الحسن البصري، وهو الحسن ابن أبي الحسن يسار، وكنيته أبو سعيد, كان ناسكا عابدا، كان من أئمة الزهد، وفي نفس الوقت من أكثر أهل زمانه أناقة ووسامة، فصيحا غزير العلم، يقول ما يفعل وسريرته مثل علانيته، كثير الحزن حتى قال عنه أحد الصحابة: ما رأيت أحدا أطول حزنا من الحسن، ما رأيته إلا حسبته حديث العهد بمصيبة"، لماذا كان حزينا؟ لأنه كان عاشقا، أذابه العشق شوقا للمحبوب وخوفا ألا ينال رضاه، لقد ذابت روحه في خالقه وأرهقه عشقه، هذا الإرهاق الذي لا يرضى المحب عنه بديلا، بل يسعى إليه ما وسعه السعي، ولماذا أحب الله وعشقه إلى هذا الحد؟ لأنه عرف قدره، فهو الذي يقول: "ويحك يا ابن آدم، هل لك بمحاربة الله طاقة؟ إن من عصى الله فقد حاربه"، قيل له ذات يوم "إنك تكثر البكاء" فرد على القائل "يابني ماذا يصنع المؤمن إذا لم يبك؟يابني إن البكاء داع إلى الرحمة، فإذا استطعت أن تكون عمرك باكيا فافعل لعله تعالى يرحمك"، وهو القائل "من عرف الموت هانت عليه مصائب الدنيا" ويقول أيضا "مازالت التقوى بالمتقين حتى تركوا الحلال مخافة الحرام"، جملة قوية جدا وعميقة لمن يدرك معناها، فمن شدة الحب والتقوى يصبح الإنسان خائفا من غضب الله فقد يترك شيئا حلله مخافة أن يشوبه ذرة مشكوك في أمرها، قمة العشق والطاعة.


وكان الحسن البصري رضي الله عنه لا يحب الثورة على الحاكم لأنها قد تؤدي بالبلاد إلى الفوضى وهو ما يطمع الآخرين في الأوطان، لكنه مع ذلك كان لا يخاف في الله لومة لائم مهما كانت النتائج، قالوا له ذات مرة، لو كان الحاكم ظالما فماذا نحن صانعون؟ فأجابهم بأن الحاكم لا يطغى عليهم إلا بمعاصيهم.


الحسن البصري كما قلنا كان مهيبا لا يعرف إلا الحق، ورغم أنه كان يؤثر الاستقرار للبلاد إلا أنه كان يقف في وجه الحاكم الجائر،فهو القائل: "من خاف الله أخاف الله منه كل شيء، ومن خاف الناس أخافه الله من كل شيء" وهو ما حدث بالفعل في لقائه بالحجاج بن يوسف، فقد تجبر الحجاج في ولايته على العراق، تصدى الحسن لطغيانه، فعلم الحجاج ما يقوله الحسن في حقه وأنه بهذا الشكل يؤلب الناس عليه خاصة أن الحسن كان صاحب الكلمة المسموعة بين الناس، فأخرجه الغيظ عن حلمه وأمر بإحضار الحسن البصري، وصمم على قطع رأسه، وتم تجهيز السيف والنطع وتأهب الجلاد للمهمة، راح جند الحجاج ليحضروا الحسن البصري، حضر الحسن والكل يحبس أنفاسه فالحسن لابد مقتول، ياله من يوم لم تطلع له شمس، دخل الحسن بهيبته ووسامته وسمت المؤمنين على ملامحه، دخل رافع الرأس رغم أنه يعرف ما يبيته الحجاج له، العجيب أن الحجاج الذي كان هائجا متعطشا لدماء الحسن، عندما رآه قال له "هنا يا أبا سعيد اجلس بجواري"ارتسم الذهول علىالأوجه، وصارت ملامح الحجاج أكثر لينا، بل وصار يسأل الحسن عن بعض أمور الدين، والحسن يجيبه بوقار العلماء وتواضع عشاق الله وعزة المؤمن، فماذا فعل الحجاج؟ قال للحسن: "أنت سيد العلماء" بل وطيب له لحيته وودعه على أفضل ما يكون الوداع، طيب لحيته وهو الذي توعده منذ قليل أن يسفك دمه، ودعه وداعا غاليا وهو الذي كان يريد أن تقام جنازته، ماذا حدث وكيف، أنا شخصيا أتصور هذا المشهد وأظل مشدوهة بما حدث، يقال إن الحسن البصري قال وهو يدلف إلى الحجاج بعض الدعاء، لكن هل كل من يدعو؟ الحبيب فقط هو من نلبي دعاءه.


لماذا كانوا يهابونه؟ لماذا كانوا يعظمون قدره؟ لأنه كان مع ربه،ويفسر لنا هذا عندما جاء أعرابي إلى البصرة، فقال من سيد هذا المكان، فقالوا له: هو الحسن ابن أبي الحسن، فسألهم:فيم ساد أهله، قالوا: استغنى عما في أيدي الناس من دنياهم واحتاجوا لما عنده من أمر دينهم"، هكذا يكون العالم الحق، وهو المثل والقدوة، فقد كان يقول إن مثل الدنيا والآخرة كمثل المشرق والمغرب، متىازددت من أحدهماقربا، ازددت من الآخر بعدا"،فقد اتفق من عاشره على أنه ما أمر الناس بأمر إلا كان أعملهم به، وما نهاهم عن شيء إلا كان أترك الناس لهذا الشيء، استغنى عن الناس واحتاجوا هم إليه، فساد عصره وصار إمام الزاهدين، وبدر العابدين، رحل في شهر رجب عن دنيانا فتغير وجه البصرة كلها، الموت حق، لكن في وداع عالم جليل وقدوة وبركة يصبح الأمر جللا، اتشحت البصرة بحزنها، وأدى الناس صلاة الجنازة على جثمانه الطاهربعد صلاة الجمعة، وللعجب انشغلوا في جنازته حتى أن صلاة العصر يومها لم تقم في البصرة.


رحم الله رجلا كان عونا للعباد على فهم دينهم، كان قدوة وكان منارة للعلم، رحمك الله يا درة على جبين المستغفرين.