أزمات مياه الرى والشرب وسد النهضة

15/06/2016 - 12:08:38

بقلم: د. نادر نور الدين أستاذ الأراضى والمياه بجامعة القاهرة

فى الوقت الذى خرجت فيه التصريحات من وزير الرى بأننا فى طريقنا لتوقيع عقود المكاتب الاستشارية لبحث تداعيات سد النهضة ونظام الملء الأول للسد وإدارته وتأثيره المستقبلى على حصة مصر المائية وعلى البيئة النهرية والأنشطة الاجتماعية للصيادين والمزارعين والأنشطة الاقتصادية المتمثلة فى تراجع مساهمة القطاع الزراعى فى الناتج القومي، لم يتزامن مع هذه التصريحات ما يطمئن المصريين عن حصتهم المائية الحالية أمام إصرار إثيوبيا على بدء الملء الأول الشهر القادم لتخزين أول ١٤ مليار متر مكعب، مع تعمدها لتسريب بعض الصور الحديثة حاليا عن بدء التخزين الفعلى للمياه خلف سد النهضة والتى يظهر فيها السد وخلفه كميات ليست بالقليلة من المياه. العمل فى السد ينتهى تماما فى أكتوبر ٢٠١٧ أى بعد ١٥ شهرا فقط بينما عمل المكاتب الاستشارية يستمر لمدة ١٢ شهرا بعد توقيع العقود معها ويجوز الطعن على التقرير من أى دولة فيتم انتداب خبير دولى للنظر فى الطعون،


ويستمر عمله لمدة أربعة أشهر بإجمالى ١٦ شهرا أى يكون السد قد انتهى العمل به تماما، وتم تسليمه للحكومة الإثيوبية وبدء التخطيط لتشغيل جميع توربيناته. يضاف إلى ذلك أن تقرير المكاتب الاستشارية بعد صدوره غير ملزم للحكومة الإثيوبية ومن حقها ألا تأخذ بحرف واحد منه. الأجدى لنا حاليا أن نتفاوض مع إثيوبيا حول ضمان حصتنا المائية المستقبلية عند نفس مستوياتها الحالية وأن يتم توقيع معاهدة مكتوبة بذلك تتعهد فيها إثيوبيا بالالتزام بخروج المتوسط المائى لتدفقات النيل الأزرق والبالغة ٥٠ مليار متر مكعب سنويا من خلف سد النهضة سواء بمعدلات يومية أو سنوية لضمان حصتى مصر والسودان. بالإضافة إلى أن القانون الدولى لمياه الأنهار الدولية للأمم المتحدة يلزم الدولة التى تبنى سدا نهريا بتحمل كافة تكاليف الدراسات البيئية والاجتماعية والاقتصادية والتدفقات المائية للنهر كاملة وحدها وتسليمها إلى دولة المصب، وبالتالى لا ينبغى لمصر أن تتحمل تكاليف دراسات سد بنته إثيوبيا لصالحها الوطنى فقط، وبالمخالفة لكل القوانين الدولية، ولا بد من التذكير بأننا لانتحدث عن نهر إثيوبيا تتفضل بحصة منه علينا ولكننا نتحدث عن نهر دولى مشترك عابر للحدود تنظم الأمم المتحدة قوانينه لصالح جميع الدول التى يمر بها النهر، وبالتالى فحقوقنا المائية عادلة وواضحة ولا ينبغى التهاون بشأنها وأنه لا سيادة مطلقة أبدا لأى دولة على نهر مشترك وإنما السيادة على أراضيها الخالصة فقط والقانون الدولى فى صالح مصر تماما ولكن الأخذ به معطل ومجهل ونحن حتى الآن لا ندرى شيئا عن مستقبل حصتنا المائية بعد بناء السد ومستقبلا بعد بناء السدود الأربع خلف هذا السد، والأمن المائى هو الأمن القومى لمصر ومستقبلها فى التخطيط والبناء والنهوض والتنمية لجميع القطاعات الزراعية والصناعية وبناء المساكن للأجيال القادمة والتوسعات الحضارية المطلوبة والتى تعتمد جميعها على الماء فقط دون غيره.


الوضع الداخلى للمياه فى مصر ليس بأسعد حالا من الوضع الخارجى ويشهد شكاوى المزارعين من نقص كبير فى مياه الرى ومعها أيضا شكاوى العديد من الأحياء والقرى فى جميع المحافظات من نقص فى مياه الشرب فى ظل صيام يأتى هذا العام فى أجواء صيفية حارة لا تحتمل انقطاع المياه عن المنازل كما وأن الفقر فى الريف لا يحتمل أى تراجع فى دخول الفلاحين المرتبطة بالزراعة والري. وزارة الرى تفسر انقطاع مياه الرى عن بعض الترع بأنه بسبب إصرار المزارعين على التوسع فى زراعات الأرز بسبب ماتشهده الأسواق حاليا من تضاعف لأسعاره أدت إلى أن يجوب التجار محافظات الدلتا لحث الفلاحين على زراعة أكبر مساحة ممكنة منه مع التعهد بشرائه منهم بسعر ٤ آلاف جنيه وتحمل غرامات الزراعات المخالفة، بالإضافة إلى عدم طرح وزارة الزراعة لبدائل مربحة لزراعات الأرز تتعهد باستلامها من المزارعين وبسعر مجز وبالتالى وضعت الفلاح فى وضع الاختيار الأول والوحيد للأرز بعد تراجع زراعات القطن وخسائره السنوية ومعها زراعات الذرة الشامية التى توقف خلطها مع القمح فى إنتاج رغيف الخبز المدعم، وضعت وزارة الرى مقنناتها المائية على أساس مساحة لا تزيد عن ١.١ مليون فدان لزراعات الأرز هذا العام بما يتناسب مع مانعانيه حاليا من جفاف لتسع سنوات متتالية تضرب إثيوبيا التى تمثل المنبع الرئيسى لمصر ولنهر النيل وبالتالى انخفاض منسوب المياه فى بحيرة ناصر إلى مستوى ينذر بالخطر ويتطلب ترشيد استخدامات المياه ورفع كفاءة توصيل المياه عبر ٣٠ ألف كيلومتر من الترع تفقد خلاله نحو من ٢٥ – ٣٥٪ من المياه المنصرفة من خلف السد العالى بالإضافة إلى رفع كفاءة الرى الحقلى والتحول إلى الزراعات غير المستنزفة للمياه والتى منها الأرز. ولكن بحسابات علمية حتى لا توثر ملوحة مياه البحر المتوسط على أراضى الدلتا بسبب تراجع مساحات زراعات الأرز والتى تعد حاليا البديل الوحيد للفيضان والتى تقوم بغسيل ترب أراضى الدلتا من تراكمات الأملاح ومن الملوثات والمبيدات والأسمدة وما يصل إلى الأراضى الزراعية عبر مياه الرى من مخلفات الصرف الصحى والصناعي، تدعى وزارة الرى أنها تصرف من سد ناصر الحد الأقصى لما يمكن أن يتحملة مجرى النهر من المياه ولا تستطيع زيادتها عن ذلك وإلا غرقت الجزر النيلية مثل الوراق والزمالك وجزيرة الدهب وغيرها من العديد من الجزر النيلية، وبالتالى فهى تلقى باللوم على مخالفات زراعات الأرز والتى قد تصل بالمساحة المنزرعة منه إلى ٢.٥ مليون فدان وهى أكثر من ضعف المستهدف وتستشهد بصور الزراعات التى تعانى من العطش والتى ظهرت فى الفضائيات والصحف المصرية والأجنبية وجميعها لزراعات الأرز فقط، ولم يظهر أى فدان منزرع بالقطن أو بالذرة ضمن الحقول التى تعانى من العطش وهى بذلك تبرأ ساحتها وتلقى باللوم على مزارعى الدلتا الراغبين فى زراعة الأرز بأى ثمن غير مقدرين لظروف الجفاف والشح المائى غير المسبوقة التى نمر بها.


وفى نفس توقيت شكاوى المزارعين من نقص مياه الرى خرج العديد من الأحياء ومن القرى فى مختلف محافظات مصر قبلى وبحرى يشكون من نقص حاد انقطاع فى مياه الشرب عن المنازل فى شهر حار يتطلب زيادة مياه الشرب وليس انقاصها ولا انقطاعها، وزارة الرى تبرأ نفسها من هذا الأمر وتلقى باللوم على مرفق مياه الشرب والصرف والصحى والذى يلقى بدوره باللوم هو أيضا على وزارة الكهرباء ويبرر الأمر بتكرار انقطاع الكهرباء ولساعات طويلة خلال الأسبوعين الماضيين بما يؤثر على جميع عمليات إنتاج وتنقية مياه الشرب ثم ضخها فى شبكة التوصيل والتوزيع، والتى تعتمد جميعها على الكهرباء سواء فى طلمبات سحب المياه من النيل والترع الرئيسية المخصصة لمياه الشرب مثل المحمودية فى الإسكندرية والإسماعيلية لمحافظات الإسماعيلية الثلاث أو المحطات الواقعة على النيل مباشرة فى إمبابة والجيزة ومحافظات الوجه البحرى والقبلي، وانتهاء بإعادة الضخ كهربيا فى شبكة مياه الشرب، وزارة الكهرباء التى أدعت أنها وصلت إلى مرحلة “وداعا لانقطاع التيار الكهربي” وأنها حققت فائضا عن حاجة الشعب المصرى فى أوقات ذروة استهلاكه تتجاوز أربعة آلاف ميجاوات، تلتزم الصمت ولا تعلق على الأحداث فى الوقت الذى يشتكى فيه المصريون واقعا جديدا لانقطاع يومى فى الكهرباء، ولكن تتوه المسئولية وتختفى بين الوزارات الثلاث الرى والتنمية المحلية والكهرباء ومعها مرفق مياه الشرب والصرف الصحي.


هذا الأمر استوجب استدعاء عاجل من الرئيس لوزيرى الرى والزراعة للتوجيه بسرعة الوصول إلى حلول سريعة لمشاكل مياه الرى ولكن حقيقة الأمر تشير إلى أن رحلة المياه من السد العالى إلى الدلتا تستغرق ١٧ يوما وبالتالى فإذا ما كان السبب لنقص مياه الرى والشرب هو نقص المنصرف من المياه من خلف السد العالى إلى نهر النيل فإن الأمر لن يحل إلا بعد أسبوعين من الآن وتباعا بدء من محافظات الصعيد وإنتهاء بمحافظات الدلتا. أما مشكلة مياه الشرب فهى قد تكون بالتأكيد مرتبطة بنقص التدفقات النهرية وشحوط مياه النهر ثم بتكرار انقطاع الكهرباء وهما أمران يمكن حلهما بشكل أسرع من حل مشكلة مياه الرى إلا إذا ارتبطت ارتباطا كاملا بنقص المنصرف من خلف السد العالى لسوء تقدير الاحتياجات المائية الحالية للقطاعات الثلاثة الزراعة والصناعة والمنزلى والمحليات (مستشفيات ومدارس وجامعات ومبان حكومية وحدائق عامة ...إلخ).


وزير الرى الجديد الدكتور محمد عبد العاطى يؤكد على كفاية المخزون المائى الحالى لمصر فى بحيرة ناصر، ولكنه يبدى تخوفا من المستقبل القريب لأمن المياه فى مصر، ولا يعطى تفسيرات مقنعة عن النقص الحاد لمياه الرى والشرب والشحوط الواضح فى مياه نهر النيل وبروز الجزر الطميية العديدة فى مجرى النهر والأمر يحتاج شفافية ومكاشفة، أما انقطاع مياه الشرب فى الشهر الفضيل شديد الحرارة فينبغى أن يشهد تحقيقا عاجلا لمسئولى مرفق مياه الشرب فى مختلف المحافظات لسوء تقدير الموقف ومعها قيادات وزارة الكهرباء ومدى مصداقية تصريحات الوزير بانتهاء إانقطاع الكهرباء إلى الأبد، ولكن بعد أن تتم حل المشكلة جذريا بعيدا عن تنصل المسئولية مصحوبا بعدم اهتمام من نواب الشعب بتقديم استجوابات عاجلة للمسئولين فى الوزارات المعنية.