د. حسام عيسى: ما يحدث حالياً فساد ولا يوجد لدينا تعليم حقيقى

15/06/2016 - 12:00:15

حوار تكتبه : إيمان رسلان

الجامعات الحكومية آخر ما تصل إليه الطبقة المتوسطة وهى تحارب من أجل الحصول على مكان بها.


لذلك فإن أى محاولة للمساس بتكافؤ الفرص فى القبول بها سوف يثير أزمة فى المجتمع .. هكذا تحدث د. حسام عيسى وزير التعليم العالى الأسبق، وامتد الحوار ليكون حول أحوال التعليم فى مصر، خاصة التعليم الجامعى وما قبله وكان د. حسام عيسى واضحا كعادته وصريحاً للغاية أيضاً.


حتى أنه وصف ما يحدث الآن بأنه عملية فساد، أما التعليم الحقيقى فشىء آخر ولكنه فى نفس الوقت حذر من أى محاولات لتقليل أعداد المقبولين بالجامعات عن طريق أى مسمى لأن حلم التعليم الجامعى هو آخر ما تبقى للطبقة المتوسطة فى المقام الأول ثم الفقراء.


كيف ترى ما يحدث فى التعليم؟


ما يحدث الآن هو فساد بالمعنى الحرفى للكلمة، لأن الفساد ليس فعلاً مادياً فقط أى فى المعاملات الاقتصادية وغيرها وإنما الفساد يمتد إلى كل شىء وللحقيقة وبوضوح كامل أقول إنه ليس لدينا تعليم، لأن مفهوم التعليم كما فى بلاد العالم شىء آخر مختلف عما هو عندنا.


ماذا تعنى بالفساد فى العملية التعليمية؟


العملية التعليمية تعنى طرفين هما المعلم والتلميذ، وحينما يضرب الفساد كليهما فهذا يعنى أن المنظومة نفسها فاسدة ولا أمل فى أى شئ ، فالفساد مستشر حتى فى التعليم الجامعى.


كيف ذلك؟


أولا ما أقوله لا يعود إلى اليوم أو السنوات الأخيرة وإنما يمتد إلى عقود وتحديداً منذ منتصف السبعينيات، فمثلاً قضية الكتاب الجامعى الإجبارى والذى لابد وأن يؤلف كل أستاذ كتاباً جامعيا، هو أول الطريق لانهيار التعليم، لأن الكتاب الجامعى المقرر بدعة، ولا يؤلف الكتب فى الخارج إلا بعد سنوات وسنوات من العمل والكد، حتى يعتمد ويقال عنه مؤلف جامعى وحينما عدت من البعثة فى فرنسا فى السبعينيات كان ذلك فى سبتمبر وقبل بداية العام الدراسى فى أكتوبر، وطلب من أن يكون هناك كتاب جامعى مقرر لى فرفضت أولاً، لأننى تعلمت من أساتذتى وهم علماء أن التأليف يحتاج إلى وقت طويل، فمثلاً العلامة د. محسن شفيق وهو علامة القانون التجارى كتب كتبه بعد ١٠ سنوات عمل متواصل، فكيف يطلب منى عمل كتاب فى شهر واحد؟ ثم جاءت بعد ذلك الطامة الكبرى واسمها الملازم، ونعنى بها وضع ملازم للطلاب فيما درسوه وهو ليس مثل الكتاب المرجع أيضاً، وهذا رفضته أيضاً، فذهب الطلاب وتم التقدم ضدى بشكوى، لأنى شرحت لهم المنهج وقلت لهم إن هناك ثلاثة كتب فى القانون التجارى أى سؤال لن يخرج عما بهم وكان سبب غضب الطلاب أنهم يريدون الملازم التى سيأتى منها الأسئلة فقط، ثم تطور الأمر وأصبحت الملازم هى الأسئلة والأجوبة حول المقرر والأخطر كان اختفاء تام لدور المكتبة الجامعية من حياة الطلاب، لأن الأزمة ليست فقط فى الطلاب وإنما الأزمة كانت أيضاً فى الأماكن المتاحة لهؤلاء الطلاب، فالمكتبة مثلا سعتها ٥٠ طالباً والعدد فى الدفعة ٢٠٠٠ طالب فكيف وأين سيذهب هؤلاء، إذن الفساد فى التعليم عناصره أربعة بوضوح.


ما هى؟


أولاً الكتاب الجامعى المقرر، وثانياً عدم وجود لدور المكتبة والاطلاع للطالب، وثالثاً الاستعانة بالملازم والأسئلة والأجوبة، ورابعاً سيأتى دور أن الطالب يحفظ ما وصل إليه بعد الاختصار أى من الملخصات إلى ملازم الامتحان، ثم يذهب إلى الامتحان “يتقيئ” ما حفظه فى الملخصات والملازم، وبالتأكيد سوف ينسى الطالب بعد خروجه من الامتحان ما حفظه .


كيف تفسر إذن ما يحدث حتى فى التعليم قبل الجامعى؟


إذا كانت الكتب المقررة والمناهج لم يتم تغييرها منذ سنوات وهى أصلاً مناهج نمطية للغاية، فكيف نتوقع أن تأتى أسئلة غير ما تم فى السنوات السابقة، بمعنى أن الأسئلة أصلاً معروفة مقدماً، لأن المناهج هى هى، فهل سيخترع أسئلة جديدة، وهذا أطلق عليه فساداً، لأن تكرار الأسئلة للمنهج الواحد يعنى أن أى أحد يمكن بالحفظ وليس بالغش يتوقع الأسئلة التى ستأتى فى الامتحان؛ نظراً لنمطية التعليم والمناهج وهنا أقول بوضوح إنه لا يوجد لدينا تعليم فى مصر وعلى الأخص التعليم الجامعى .


ولكن لدينا أسماء كبيرة بل وعالمية فى مختلف التخصصات؟


ما أقصده أنه ليس لدينا مؤسسات بالمعنى المعروف للتعليم، ولكن لدينا أساتذة عظام فى مختلف التخصصات، فمثلاً نحن ليس لدينا مؤسسات طبية فى مصر وكلنا يعلم حالة المستشفيات وعلى الأخص المستشفيات الجامعية، ولكن رغم انهيار هذه المؤسسات لدينا أساتذة عظام وعلى أعلى مستوى فى مختلف التخصصات أى لدينا أفراد وليس مؤسسات، وهذه هى أزمة التعليم فى مصر أن لدينا الأفراد والحل الفردى.


بمناسبة المستشفيات الجامعية كانت لسيادتك تجربة هامة فى هذا الميدان أين هى الآن.


حينما كنت أستاذا كنت أعلم أحوال المستشفيات الجامعية والمشاكل التى تحاصرها وعندما توليت المسئولية فى وزارة التعليم العالى طلبت ملف المستشفيات الجامعية لدراسته وصدمت تماماً لأحوال المستشفيات وقررت أن أبدأ بموضوع إنشاء محارق للمستشفيات، لأننى وجدت أن كل المستشفيات بلا محارق، أى كل ما تستخدمه فى العلاج لمختلف الأمراض، مصيره إلى الشارع وتصوروا حجم التلوث والأمراض التى تم نقلها نتيجة عدم وجود المحارق.


ووضعت مشروعا لشراء ٢٢ محرقة من الهيئة العربية للتصنيع وللحقيقة كان الاتفاق على شراء ٢٠ محرقة واثنتين قررت الهيئة التبرع بثمنهم دعماً للمشروع وقررت أن يكون المشروع بجذب رجال الأعمال وضرورة دعمهم لهذا المشروع الهام لصحة المواطن المصرى فى المقام الأول، وبالفعل استطعنا جمع مبلغ ٢٠ مليوناً فى المرحلة الأولى ولمدة أسبوعين، حتى إنه فى آخر ثلاثة أيام قبل توقيع الاتفاق كان ينقص المبلغ “٣ ملايين جنيه” وكنت لا أنام حتى تم توفيرهم، وتم توقيع البرتوكول.


وأين ذهب المشروع؟


يُسأل فى هذا من جاء يتولى المسئولية فى الوزارة بعدى وماذا فعلوا فى هذا المشروع الهام لصحة المصريين .


وأين ذهبت أموال التبرعات للمشروع؟


لا أعرف أيضا حتى إننى لم تتم دعوتى عند افتتاح أول محرقة، ولا أعرف عن الأموال شيئاً بعدما تركت الوزارة، ولكن ما أعرفه هو أن الأموال التى تم التبرع بها كانت فى حساب محدد باسم الهيئة العربية للتصنيع، وتحديداً لتمويل هذا المشروع، وذلك حتى لا يقال إن التبرعات ذهبت إلى وزارة التعليم العالى وتم صرفها كحوافز ومكافآت، وهذا التصرف هو ما جعل هناك ثقة من رجال الأعمال المصريين فى التبرع للمشروع، لأنهم علموا أن أموالهم سوف تذهب إلى مشروع محدد ولن تصرف كمكافآت.


أعلنت الحكومة عقب اجتماعها يوم الأربعاء أنها تدرس تغيير آليات القبول بالجامعات كيف ترى الأمر؟


أخشى أن يكون تغيير الآليات أو المسميات هو لانتقاض مجددا من الصرح الوحيد الباقى لأبناء الطبقة المتوسطة تحديداً والمتوسطة الدينا من إتاحة فرصة لتعليم أبنائهم بالجامعات الحكومية، لأن الفقراء القليل منهم للأسف هم فى ظل الظروف الحالية من يستطيع مواصلة مشوار التعليم الجامعى، لذلك أخشى من مقولات امتحانات القدرات إلى آخره لأنها ستفتح باب “جهنم والواسطة إلى آخره، ففكرة أن الأزمة فى مكتب التنسيق هو “وهم” لأنه فى النهاية مكتب التنسيق يوزع الطلاب طبقا لدرجاتهم على الأماكن المتاحة بصرف النظر عن اللون والجنس والدين، إذن الأزمة ليست فى مكتب التنسيق على الإطلاق وهذا وهم يراد ترويجه وامتحانات القدرات أخشى أن تتحول إلى كشف هيئة وعيلة، ومن ثم لن يكون هناك مكان لأبناء الطبقة المتوسطة كما تقول وهذا هو الخطر الحقيقى من استبعاد الطبقة المتوسطة وحقها فى التعليم.


ما تفسيرك لحالة التسريب القومى أو الجماعى التى تحدث لامتحانات الثانوية؟


الأزمة ليست فى الحوادث الأخيرة فقط، فالدروس الخصوصية هى عملية غش، و كذلك نماذج الأسئلة والأجوبة والغش موجود ويجرى كل عام، وهذا يعنى أن لدينا منظومة للفساد كانت قمتها فى تسريب الامتحانات، وللحقيقة التسريب هو ضد الفئات الدنيا فى المجتمع، فقد سمعت طالبا فى الثانوية العامة يبكى بشدة لأنه أرغم أسرته على أن تدفع دم قلبها من أجل حصوله على دروس خصوصية فى الثانوية العامة، لأن أمله أن يحصل على مجموع كبير وهو متفوق للدخول فى الكلية التى يرغبها، ولكن عن طريق التسريب والوسائل التكنولوجية المتقدمة والتى يمتلكها “الفئات الأكثر أموالا” لن يحصل هذا الطالب إلا على مجموع ٩٥٪ فقط ومن تسرب له الامتحان وعرفه بالإجابة النموذجية التى تسربت سيحصل على مجموع ١٠٠٪ وبالتالى لن يحقق هذا الطالب حلمه وكما قال إنه يفكر فى الانتحار لأنه أصبح ليس لديه أمل والأسرة صرفت دم قلبها عليه.


عبر كل العقود الماضية تأخر مشروع النهوض بالتعليم؟


التعليم يعنى النهضة ولم نسمع أو نقرأ أبدا عبر التاريخ أو حتى الحاضر أن هناك أمما تقدمت أو حدث لديها نهضة حقيقة بالمعنى العلمى لكلمة نهضة بدون أن يكون التعليم والصحة على رأس “مشروعات ذات الأولوية”؟


ولذلك أقول إن التعليم يحتاج إلى أشخاص تدرك قيمة ومعنى النهضة والتنوير وأن الأمم لاتنهض إلا من بوابة التعليم، فهو قرين النهضة، لذلك قضية التعليم ليست قضية تغيير مناهج فقط، فهذه أسهل حلقات المنظومة وإنما التعليم مناخ عام يجد الإنسان فيه مكاناً وقيمة للتعليم، وبالتالى أرى أن ما يحدث الآن لابد من مواجهته، وأن الحرب على الفساد يدخل فى جوهره ضرورة تطوير التعليم، ولن يحدث إصلاح للتعليم إلا إذا انضم لحملة الحرب الفساد وإلا نيأس من المطالبة بتغيير التعليم على أساس صحيح.


 



آخر الأخبار