بعد الغش والتسريب تعليمنا إلى أين؟

15/06/2016 - 11:58:08

د. شبل بدران

يعلمنا التاريخ والتجربة الإنسانية أن المجتمعات المعاصرة، المتقدمة منها والمتخلفة على حد سواء، أن التعليم هو بوابة الولوج إلى المستقبل، فضلاً عن كونه أداة للحراك الاجتماعى والسياسي، ووسيلة فعالة فى تكوين الجيل الجديد الذى سيعيش عالماً جديداً غير عالمنا.


وعلى الرغم من قيام الشعب المصرى بثورتين عظيمتين، هما ٢٥ يناير ٢٠١١، ٣٠ يونيه ٢٠١٣، إلا أن منظومة التعليم مازالت تدور حول نفسها بذات السياسات والفنيات السابقة على ثورة ٢٥ يناير انطلاقاً من فلسفة الاقتصاد الحر وسياسة العرض والطلب وآليات السوق وتعظيم الربحية البغيضة على كل القيم الإنسانية، فلا جديد فى مناهجنا ولا فى إعداد وتكوين المعلم، ولا فى الإدارة المدرسية، ولا تغيير البتة فى بيئة التعليم والتعلم.


لقد حصر التعليم وسياساته فى روشتة البنك والصندوق الدوليين من حيث المنح والقروض والهبات والأولويات، فظلت المشكلات التعليمية قائمة بل وتتفاقم يوماً بعد يوم؛ كثافة الفصول الدراسية، تدنى مستوى إعداد وتكوين المعلمين، غياب لفاعلية الإدارة المدرسية، فضلاً عن أن المناهج والمقررات الدراسية عبثية للدرجة التى جعلت وزير التربية والتعليم يحذف ثلث تلك المقررات الدراسية دون أدنى تغيير أو تغير فى منظومة التعليم وكأن تلك المقررات والمناهج أشبه بالزائدة الدودية لا قيمة لها ولا جدوى منها.


وتتجلى مظاهر الفساد التعليمى ليس فقط فى تدنى مستويات الإدارة وغياب الكفاءة، ولكن فى ظاهرة أعم وأشمل، هى ظاهرة التعليم الموازي/ الدروس الخصوصية التى حلت محل المدرسة وقامت بدورها، وبذلك أصبحت المدرسة بلا قيمة أو معنى لأن هناك بديلا ناجحا وفق القواعد التى تُعين الطلاب على التفوق دون أدنى مجهود، سوى تحمل تكلفة تلك الدروس الخصوصية، وترتب على ذلك انتشار ظاهرة الغش فى السنوات الماضية، والتى كان يقوم بها أولياء الأمور ووسائل التواصل الاجتماعى فى المجتمع الخارجى والتى أصبحت قيمة مجتمعية، إلا أن الطامة الكبرى التى حدثت يوم الأحد ٥/٦/٢٠١٦ وهى بداية امتحانات الثانوية العامة، تلك الامتحانات التى تشكل رعباً للأسرة والوزارة والمدرسة فضلاً عن التكلفة المالية والجهود التى تبذلها الأسرة على مدار العام الدراسي، بتسريب الامتحانات من داخل أروقة وزارة التعليم ذاتها وتسريب نماذج الإجابة لتلك الأسئلة لمواد اللغة العربية والتربية الدينية، فضلاً عن ظاهرة الغش الجماعي، هذا حتى الآن، ولا أحد يعلم ما يخبئه لنا الغد أو بعد الغد.


ظاهرة التسريب أتت بعد تأكيدات الوزارة وعلى رأسها السيد الوزير أنه قام بوضع منظومة أمنية وليست تربوية بالتعاون مع وزارة الداخلية والاتصالات وغيرها من الوزارات وتم تشكيل غرفة عمليات لمنع الغش والتسريب، وأعلن السيد الوزير تلك الخطة أمام الرأى العام والبرلمان، إلا أن الرياح تأتى بما لا تشتهى السفن، وتم التسريب، وتم إلغاء امتحان التربية الدينية.


والسؤال المُلِح الذى يطرح نفسه علينا هو: لماذا انتشرت ظاهرة التعليم الموازي/ الدروس الخصوصية، والغش وتسريب الامتحانات؟ علمنا بأن تلك الظاهرة وللأسف الشديد تمددت إلى التعليم الجامعى الذى أصبح بدوره مدرسة كبيرة.


إن الإجابة على هذا السؤال المُلِح تتلخص فى أن المجتمع قد وافق على سياسة التسريبات الصوتية للسياسيين وللشخصيات العامة، حيث انتشرت بعد ٣٠ يونيه تلك الظاهرة وطالت الشرفاء والنبلاء فى هذا الوطن، وتم ذلك على مرأى ومسمع من الجميع وتحديداً أجهزة الدولة، وشكلت انتهاكاً للخصوصية الشخصية للمواطنين وضربت بعرض الحائط مواد الدستور فى مقتل أمام الجميع والكل صامت. من هنا ليس غريباً أن تمتد تلك الظاهرة والسياسة إلى نظام التعليم الذى يقوم على (التلقين، الحفظ، التذكر)، وتلك منظومة تؤسس على أن عقل الطالب هو مخزن تودع به المعلومات والمعارف ونستردها فى نهاية العام فى الامتحانات. ولقد أدى ذلك بدوره إلى تعظيم التلقين الذى يقوم به المدرس داخل المدرسة وخارجها، والحفظ لتلك المعلومات والمعرفة المفارقة لحياة الطلاب ثم استرجاعها فى الامتحانات وفق نموذج إجابة مُعد سلفاً من قبل الوزارة، وعلى الطلاب الالتزام به للتفوق ومن يتجاوزه أو يقل عنه يعاقب بعدم التفوق.


إذن معيار التفوق هو الحفظ والالتزام بنموذج الإجابة، من هنا جاءت ظاهرة التعليم الموازى والدروس الخصوصية والغش والتسريب حلاً لذلك وتعاظمت وستتعاظم مستقبلاً طالما بقى الحال على ما هو عليه.


ولم يقتصر الأمر على التعليم ما قبل الجامعي، بل شمل الفساد التعليم الجامعى ذاته، حيث تم تسريب الامتحانات بكلية التربية جامعة الإسكندرية على مدى أسبوع كامل للعديد من المواد، بما فيها الامتحانات الموضوعية ذات مفاتيح للإجابة تم تسريبها، ولم يقتصر الأمر على ذلك فقط، بل واصل التعليم دوره فى تزييف وعى الطلاب وتسييس العملية التعليمية، حيث قام أحد أساتذة الجغرافيا بكلية التربية بوضع امتحان مادة «جغرافية الوطن العربي» لطلاب شعبة التاريخ الفرقة الثالثة يؤكد فيه أن جزيرتى تيران وصنافير سعوديتان، فى حين قام أستاذ آخر بكلية الهندسة جامعة الإسكندرية بوضع امتحان مادة «حماية البيئة» لطلاب قسم الهندسة المدنية الفرقة الرابعة يؤكد فيه أن جزيرتى تيران وصنافير مصريتان، فأين الحقيقة أمام الطلاب فى ذات الجامعة، هل وصل الأمر بالتعليم إلى هذه الدرجة المتناقضة والتى تزيف وعى الطلاب وتجعلهم غير قادرين على الفهم والإدراك.


إذن الفساد التعليمى فى نظام التعليم ككل بدءاً من الدروس الخصوصية والغش الجماعى وتسريب الامتحانات والدولة عاجزة عن تأمين ورقة الأسئلة ومواجهة تكنولوجيا المعلومات فى وسائل التواصل الاجتماعي، من هنا فإن الأمر لا يقتصر على التسريب. بل هو دليل على تدنى وسطحية التعليم وفساده. فضلاً عن كونه يعظم من الفشل والفاشلين ويضرب مبدأ تكافؤ الفرص التعليمية فى مقتل، فالذى يملك أساليب الغش والتسرب وهم الفاشلون بالطبع، أما هؤلاء الذين اجتهدوا لا ينالون حظهم الحقيقى من التفوق والنجاح، هذا إلى جانب غياب تكافؤ الفرص فى التعليم من قبل ذلك فى وجود أنواع من التعليم ترتبط بالقدرة الاقتصادية والمكانة الاجتماعية للطلاب.


وللخروج من تلك الدائرة العبثية ليس بتعظيم العقاب والغرامات المالية لأنها وسائل عقابية لا تمنع الغش والتسريب ولا تمنع الجريمة، إن الأمر هنا يتعلق بتغيير السياسات والتوجهات العامة للتعليم، ومن هنا لابد أن يُعاد النظر فى فلسفة وأهداف التعليم فى مصر بعد ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١، وهذا ما كنا ننتظره بعد الثورة، ولكن للأسف لم يحدث ذلك. لابد أن نجيب عن الأسئلة التالية: لماذا نعلم؟ وكيف نعلم؟ ومن نعلم؟ وبماذا نعلم؟ هل نعلم الطلاب لتخريج مواطنين حرفيين مهنيين يلتحقون بسوق العمل إن وجد أصلاً؟ أم نعلم لكى نعرف كيف نتعلم، وكيف نفكر، وكيف نتأمل، وكيف نعمل عقولنا وكيف نبنى مواطنا حرا ذا إرادة حرة.


ولكى نصل إلى ذلك لابد من أن ينتقل النظام التعليمى من التعليم إلى التعلم، وتنحصر فلسفته وأهدافه وغاياته فى كيف نعلم الطلاب كيف يتعلمون ويفكرون بأنفسهم ولأنفسهم، حتى تصبح مهمة المدرسة ليست التلقين والحفظ والنماذج الجاهزة، بل توجيه وإرشاد الطلاب إلى مصادر المعرفة المتعددة، وإكسابهم مهارات الوصول إليها والتفكير الحر، وإعمال العقل دون إملاء من سلطة ودون نماذج سابقة الإعداد.


ولو استطعنا أن ننتقل من التعليم بحشو الذهن والعقل بالمعلومات والمعارف، إلى التعلم بإكساب الطلاب مهارات التفكير الذاتى المستمر مدى الحياة، وهو تفكير عقلانى نقدى وتغيير أساليب التقويم- الامتحانات- من قياس القدرة على الحفظ إلى قياس القدرة على الفهم والإدراك والنقد، نكون فعلاً قد قضينا على ظاهرة الدروس الخصوصية والغش وتسريب الامتحانات، والسؤال هنا طالما أن الطريق واضح لماذا لا نسير فيه؟ ببساطة تلك إرادة سياسية بالدرجة الأولى تتوقف على فلسفة وأهداف النظام التعليمي، حيث إن الأهداف الحالية هى تخريج طلاب فاقدى القدرة على التفكير ولديهم قابلية للملء من أى أحد، إنه تخرج القطيع المدجن والمستسلم.


إن بناء جيل المستقبل يتوقف على وضع سياسة تعليمية للنظام التعليمى تؤسس على أننا نتعلم لنعرف ونفهم وندرك، ونتعلم لنعمل ونساهم فى العملية الإنتاجية فى المجتمع، ونتعلم لنعيش مع الآخرين فى إطار من التعدد والتنوع، وأخيراً نتعلم لنكون، لنحقق ذواتنا وشخصيتنا وهويتنا، تلك هى الأسس الأربعة التى يؤسس عليها التعليم القائم على فكرة المواطنة وتكافؤ الفرص والحياة الكريمة، أما ما هو قائم الآن فهو مسلسل يدعى وجود تعليم، وليس هناك تعليم أصلاً، لذلك فالتسريب بدأ فى المجتمع، وانتقل إلى التعليم والغش أصبح قيمة والدروس الخصوصية أصبحت مطلباً أساسياً للنجاح والتفوق والعبرة من ظاهرة الغش والتسريب التى يعيشها نظامنا التعليمى تؤكد أن الدولة غير قادرة على مواجهة التقدم العلمى والتكنولوجى الذى نعيش فيه وغير قادرة على حفظ سرية ورقة الامتحان.


من هنا فإن تلك الظواهر المجتمعية والتربوية ستستمر وتتفاقم طالما بقى نظامنا التعليمى الجامعى وما قبل الجامعى يدور فى فلك سياسة الحفظ والتلقين والاسترجاع، وبناء أجيال مدجنة.