المستفيدون من التعليم الحكومى

15/06/2016 - 11:56:16

د.نادية جمال الدين أستاذ أصول التربية جامعة القاهرة

الثانوية العامة هى الشهادة المؤهلة رسميا للالتحاق بالجامعات المصرية الممولة من المال العام، وبعد انتصار أكتوبر ١٩٧٣ .. ورغبة المزيد من أبناء الوطن فى الالتحاق بالجامعات المصرية وكليات بعينها، تم التحايل بأن أصبحت الشهادة البريطانية فالأمريكية وغيرها من الشهادات المؤهلة للحصول على نسبة من الأماكن المتاحة بكليات الجامعات المصرية، وفتح هذا أبوابا جانبية كثيرة للتحايل وانتشار المدارس الأجنبية والمدارس ذات المصروفات المرتفعة لتؤهل أبناء القادرين للالتحاق بالجامعة دون معاناة للحصول على الثانوية العامة.


وهنا تتزايد الأزمات التى تحاصر الأسرة المصرية المدافعة عن وجودها والحريصة على التمسك بالتعليم، فالأب والأم الذين أصابوا حظا من التعليم وخاصة الجامعى لا يرضون لأبنائهم بديلا عنه، ولأنهم لا يملكون المال اللازم للمصروفات الباهظة أو القدرة على الهروب للشهادات الأجنبية؛ كان اللجوء إلى الدروس الخصوصية على أمل الحفاظ على حق أبنائهم فى الالتحاق بالجامعة مثل آبائهم كما يملى عليهم ضميرهم، ومع تدنى مرتبات المدرسين وإغلاق باب الإعارات أمامهم لبلاد النفط؛ تتزايد أحوالهم المالية تراجعا ولا يبقى أمامهم إلا التمرد الصامت واللجوء إلى تشجيع تلاميذهم للحصول على الدروس الخصوصية وإقناع الأهالى بأن هذه هى الوسيلة للحصول على مجموع مرتفع ... ومع زيادة أعداد الحاصلين على الثانوية العامة مع قلة الأماكن المتوافرة فى الجامعات، يتزايد الصراع من أجل الدرجة ونصف الدرجة التى قد تغير المستقبل وتسمح أو تحول دون الالتحاق بالكلية التى يحلمون بها لما تحمل من وجاهة اجتماعية ووعود لا تتحقق عادة للكثيرين بمستقبل مادى أفضل ... ومع هذا يظل حرص أبناء الفئات الحائزة على التعليم الجامعى والعالى أو الذين لم يحصلوا عليه يطمحون فى ألا يحرم فلذات أكبادهم منه، مهما كانت تضحياتهم من أجل هذا، ومع تراجع دور الدولة فى التوسع وزيادة أعداد الجامعات لتوفير الأماكن الملائمة للأعداد الناجحة فى الثانوية العامة عاما بعد عام وتتطلب بالتالى زيادة أعداد المقبولين من الطلاب المؤهلين لاستكمال تعليمهم فإن مشكلة القبول تتفاقم... وتتزايد الضغوط والتحايلات على القواعد العلمية والأخلاقية من أجل مكان فى إحدى الكليات المرموقة اجتماعيا ولا أقول مرموقة علميا فقط.


إن مشكلة الثانوية العامة ليست فى الشهادة نفسها ولا ما يقدم فيها من مواد دراسية مهما قيل عن عيوب المناهج، إلا أنها تعتبر عنق الزجاجة الذى يسمح أو يمنع من الوصول لتحقيق طموحات الآباء والأبناء لمستقبل أفضل. ولذا ينصب الهجوم عليها بدلا من الاعتراف بالسبب الحقيقي، ألا وهو نقص العرض المتاح من الأماكن عن أعداد الطلاب المؤهلة للالتحاق بالتعليم العالى والسبب التقليدى المعلن هو عدم حاجة سوق العمل لمزيد من أعداد الجامعيين، وتكرار القول دوما بأهمية التعليم الفنى والذى هو فى حقيقة الأمر ليس إلا مجرى تحويلى عن التعليم الجامعي.


لقد انتهى زمان أن يكون التعليم الجامعى للصفوة منذ فترة طويلة، حيث تسعى المجتمعات الآن لأن تكون مجتمعات معرفة، فاقتصادها يرتكز أيضا على المعرفة والتى تحققها الأبحاث العلمية ونتائجها والتى تقوم الجامعات بالدور الأساسى فيها من حيث إعداد الطلاب للبحث أو إنتاج الأبحاث المطلوبة ذاتها.


المشكلة الأساسية فى مصر هى زيادة الطلب مع قلة العرض والمتاح من الأماكن مقارنة بأعداد الطلاب المتزايدة والمطلوب هو زيادة العرض من الأماكن لتقابل الزيادة فى الطلب عليها.


لقد كان الواجب علينا كوطن يحلم بمستقبل أفضل أن يوضع التعليم الجامعى فى سلم الأولويات، وأن ينظر إلى المتعلمين فيه والطامحين فى الحصول عليه على أنهم ثروة مصر الحقيقية، فالثروة الآن تكمن فى عقول البشر وليس فى باطن الأرض كما كان الأمر فيما مضى.


وقد اتجه العالم كله إلى إيجاد أنماط جديدة للجامعات للتكامل مع النمط التقليدى الذى لا نزال نحرص عليه كى نلبى حاجات المجتمع المتعطش لمزيد من التعليم بإتاحته وليس بحصار الرغبات أو قصرها على القادرين. أما الاحتجاج بان مكتب التنسيق هو السبب فى كل ما نراه فهو قصور واضح ذلك أن وظيفة الجامعة هى إطلاق استعدادات الطالب للتعليم والتخصص فى فروع بعينها وليس استقبالهم ولديهم الاستعداد مقدما ... كثير من هؤلاء الآن الذين يقدمون مقترحات انتهى زمانها ولابد أن نسأل أنفسنا هل نريد وطنا متميزا بالعدالة الاجتماعية؟ والإجابة بالإيجاب تحتم البدء بالتعليم والجامعى خاصة الذى لا يمكن البقاء فى عالم الثورات العلمية والتكنولوجية بدونه.