مكافحة الغش بإلغاء التمييز

15/06/2016 - 11:54:37

د. سامى نصار أستاذ بكلية الدراسات العليا للتربية- جامعة القاهرة

جاء موسم الهياج السنوى بمناسبة امتحان الثانوية العامة هذا العام، أكثر صخبا وإثارة من الأعوام السابقة وذلك بسبب نزعة التحدى التى تبدو واضحة فى الإصرار على إفساد الامتحانات سواء بالتسريب أو الغش، ولا يستطيع أحد أن ينكر أن فساد الامتحانات بكافة أشكاله وصوره شائع فى كافة مراحل التعليم وأنواعه، ولكن لا يلتفت إليه أحد من التربويين أو الإعلاميين إلا فى الحالات الصارخة، ولكن الغش يتم بشكل طبيعى وروتينى ويشارك فيه المجتمع بأسره، لا أستثنى أحدا،


إلى درجة أن الإعلانات عن المكتبات التى تعد وسائل الغش من برشام تقليدى وإلكترونى وخلافه تنتشر على جدران الجامعات والمدارس دون أن تكلف سلطات الحكم المحلى نفسها القيام بإغلاق هذه المكتبات ومحاسبة أصحابها، بل إن هذه السلطات نفسها تكون فى كثير من محافظات مصر فى الدلتا أو الصعيد هى الميسر والمنسق لكل العمليات المنظمة للغش الجماعى فى الشهادات العامة وبخاصة فى التعليم الفنى الذى تجرى امتحاناته بكل سلاسة وهدوء، ذلك لأنه تعليم لأبناء الفقراء الذين لا يهتم بتعليمهم أحد، وبالتالى دعهم يغشوا دعهم ينجحوا فلن يزاحموا أبناءنا على مقاعد الجامعات.


فالغش الدراسى صار ظاهرة اجتماعية يتواطأ الجميع على اقترافها بكل راحة وهدوء وطمأنينة وسلام نفسي، بل يمارسه البعض كنوع من البطولة والتحدى بعد أن كان فى الماضى وصمة تلاحق صاحبها أينما ذهب، ومهما كسب من مال أو مكانة اجتماعية، لقد صار الآن الغش حقا يسعى إليه كل مطالب بكل الوسائل الناعمة والعنيفة. فلماذا صار كذلك؟


فى رأيى أن الغش صار حركة احتجاجية موجهة ضد كل مظاهر التمييز والإقصاء فى الحياة الاجتماعية والنظام التعليمي. فمنذ منتصف السبعينيات، اتجهت الدولة إلى تقليص دورها فى مجال تقديم الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة والرعاية الاجتماعية، وأفسحت المجال للقطاع الخاص للدخول إلى ميدان التعليم باعتباره نوعا من أنواع الاستثمارات ذات العائد المرتفع، فانتشرت المدارس الخاصة المملوكة للأفراد، والجمعيات، بل دخلت الدولة أيضًا كطرف فى هذه العملية فأنشأت المدارس التجريبية اللغات فى التعليم قبل الجامعى والبرامج المميزة بالجامعات مهدرة مبدأ دستوريا من واجبها الحفاظ عليه، ألا وهو «أن التعليم فى جميع مؤسساتها بالمجان».


وكانت النتيجة أن أصبح لدينا نوعان من التعليم يدفع المواطنون تكلفتها:


- تعليم عام حكومي، مجانى اسما، لعامة الشعب، ضعيف المستوى، فقير الإمكانات، هزيل العائد أو المردود، يتحمل فيه المواطنون من قوت يومهم للدروس الخصوصية والكتب ومجموعات التقوية، ضعف ما تدفعه الدولة وتمن به عليهم مهددة بإلغاء ما يسمى بالمجانية. وخريجو هذا النوع من التعليم يجدون طريقهم بشق الأنفس إلى الجامعة، ليس فقط بهجر المدرسة والذهاب إلى مراكز الدروس الخصوصية، وإنما أيضا بممارسة الغش، وبتسليم أنفسهم لمكتب التنسيق الذى يوزعهم على الكليات والمعاهد كيفما اتفق بغض النظر عن رغباتهم وميولهم، حسب درجات لا تثبت علما ولا تنفى جهلا.


- تعليم خاص متميز، متعدد المستويات، متنوع اللغات والانتماءات قاصر على أبناء الطبقات الميسورة، مفتوحة أمامهم كل الطرق المؤدية للتعليم الجامعي، بما يحملونه من شهادات دولية، وبما ينتظرهم من فرص متنوعة فى الجامعات العامة والخاصة.


لقد أصبح لدينا تعليم ثانوى متعدد المستويات، يفضح بشكل سافر حالة التمييز الاجتماعي، تقع على قمته مدارس أجنبية دولية لأبناء الصفوة من الأغنياء الذين تراكمت فى جيوبهم عوائد عصر الانفتاح وقبضوا بأيديهم على مقاليد السلطة يوجهون من خلالها الأمور – ومنها التعليم - حيث تكون مصالحهم ومصالح أبنائهم. وفى قاعدة المرحلة الثانوية تقبع المدارس الفنية بمختلف أنواعها وتخصصاتها، والتى تضم بين جدرانها أبناء الفقراء ممن لم تؤهلهم استعداداتهم وقدراتهم الدراسية أو إمكاناتهم المادية للالتحاق بالمدارس الثانوية العامة الحكومية ولا – بطبيعة الحال – بالمدارس الخاصة بمختلف أنواعها ومستوياتها.


ومع محدودية الأماكن المتاحة فى الجامعات الحكومية، وعدم قدرة الغالبية من أبناء الطبقات الفقيرة- التى أرهقتها الدروس الخصوصية ومجموعات التقوية- على الالتحاق بالتعليم الجامعى الخاص، كان اللجوء إلى الغش كنوع من مقاومة التمييز من أجل الحصول على مقعد فى الجامعة يدفع بهم فيما بعد على سلم الحراك الاجتماعي. .


والسؤال الذى يطرح نفسه هنا، ما الحل؟


لن يكون الحل بإعلان حالة الاستنفار العام واستدعاء القوات المسلحة والشرطة ومهندسى وزارة الاتصالات فى ضبط الامتحانات والسيطرة عليها أمنيا، قد يكون هذا مطلوبا بشكل مرحلى ومؤقت، ولكن على المستوى الاستراتيجى فإن الحل يكمن فى إصلاح النظام التعليمى ككل من القاعدة إلى القمة، وأن تعود المدرسة الثانوية المصرية كسابق عهدها مدرسة متميزة للجميع تعمل على اكتشاف ميول الطلاب، وتنمى قدراتهم على التفكير الناقد والإبداع، وتغرس فيهم قيم التقدم والديمقراطية والحوار، مدرسة موحدة شاملة للجميع تضم التخصصات الأدبية والعلمية والتكنولوجية، مدرسة لا تؤهل خريجيها فقط للالتحاق بالجامعة بل تعده أيضا لسوق العمل، مدرسة لا تنتهى صلاحية شهادتها بالتقادم، بل تؤهل صاحبها لمواصلة تعليمه الجامعى متى شاء.


ولابد أن يصاحب حركة إصلاح التعليم قبل الجامعى حركة موازية أخرى للتوسع فى التعليم الجامعى وتجديد هياكله، ونظم القبول به حتى تخف حدة المنافسة، فنحن فى حاجة إلى مضاعفة عدد الجامعات فى مصر ويمكن أن يتم ذلك من خلال إنشاء جامعة أهلية فى كل محافظة، وإعادة الاعتبار للتعليم المفتوح بعد تطويره ليكون – كما هو فى كل دول العالم – مسارا محترما ومعترفا به للتعليم الجامعي.


وتحتاج هذه المقترحات إلى وقت طويل نسبيا، كما تحتاج إلى إرادة سياسية واتفاق اجتماعى حولها، وإلى موارد بشرية ومالية، ونظم لإدارة التعليم تمتاز بالنزاهة والشفافية حتى تجد سبيلها إلى التطبيق. وعندما يشعر المجتمع أنه أمام نظام تعليمى عادل لا يميز بين أبنائه فى توزيع فرص التعليم بين حكومى وخاص، أو بين فنى وعام، وعندما يشعر المجتمع أن أبناءه يتعلمون بالفعل ما يرغبون فى تعلمه، وعندما يشعر الطالب أنه يستطيع أن يتعلم تعليما جامعيا متى أراد...


وعندما يختفى التمييز سيختفى الغش والتسريب