لماذا يحتاج تطوير التعليم إلى ١٣ عاماً؟

15/06/2016 - 11:52:30

إيمان رسلان

فى الحوار الأخير للرئيس السيسى مع الزميل أسامة كمال قال الرئيس إن التعليم يلزمه ١٣ عاماً لكى يحدث به التطوير والتغيير وفهمت أن الرئيس يقصد نتائج التطوير على أساس أن العملية التعليمية فى مرحلة التعليم قبل الجامعى تستمر ١٣ عاماً وإذا بدأنا التطوير من الصف الأول الابتدائى سيكون أمامنا ١٣عاما حتى نرى النتائج ويخرج الطالب من مرحلة الثانوى .. وهذا الكلام صحيح فى مجمله ولكن ليسمح لى سيادة الرئيس أن نقدم له رؤى مختلفة لخطورة ملف التعليم .


فأولاً نحن لن نبدأ بعد أى خطى حقيقية ملموسة فى ملف التعليم وحتى نبدأ يلزمنا على الأقل فترة نتفق فيها على المستهدف أو الرؤى الاستراتيجية لنجيب على السؤال لماذا نتعلم وما الأهداف من التعليم ثم بعد ذلك نبدأ فى وضع الخطط التنفيذية لهذه الأهداف وهى للحقيقة قد لاتسلتزم ١٣ عاما بالضرورة فيمكن أن يحدث اقتحام ملف التعليم فى كل مراحله بشكل متواز ومتكامل فى ذات الوقت أى فى الابتدائى والإعدادى والثانوى تماما كما تم اقتحام ملف الكهرباء والعشوائيات.


لأن الأحوال فى المؤسسة التعليمية أصبحت لا تحتمل التأجيل وخطورة الأمر أنه أصبح كما أرى يهدد الأمن القومى المصرى بمعناه الواسع الشامل - فمثلا الأحداث الأخيرة لوقائع التسريب لامتحانات الشهادة القومية وهى التى يؤديها أكثر من نصف مليون طالب ، ليست قضية فساد لمنظومة التعليم فقط وأن القضية يتم حلها بالقبض على عدة أشخاص من مروجى الامتحانات والإجابات النموذجية على صحفات التواصل الاجتماعى.


أو عقاب عدة مئات تم ضبطهم يغشون فى الامتحان بالسجن كما فى التعديل الأخير للقانون وهو ما أتحفظ عليه تماماً لأسباب تربوية فى المقام الأول وأسباب تتعلق بالأمن القومى ثانيا : لأن معاقبة الغشاش «وهو ضرورة» لاتكون بسجنه خاصة أنه مازال شاباً صغيراً لم يبلغ ١٨ عاماً بعد أى طفل طبقاً لقانون الطفل، مما يعنى أننا يمكن أن نساهم بشكل أو بآخر فى تشكيل مشاعر من الكراهية والبغض ليس للمؤسسة التعليمية فقط وإنما للدولة والمجتمع بأكمله وتلك هى الخطورة الحقيقية وكنت أفضل أن يكون العقاب كما فى القوانين السابقة بالحرمان والرسوب عدة أعوام وفى هذا عقاب كافٍ للتلميذ وأسرته أيضاً.


ولكن خطورة التسريب الحالى للامتحانات أن بعضها يأتى من المنبع أى من المؤسسة المنوط بها حماية الامتحانات وهنا لانتهم أحدا بذاته فهذا الأمر متروك للقضاء ولكن لأن النتائج أمامنا تقول إن هناك من يساعدون على الغش من داخل المؤسسة والأخطر فى ذلك أنهم وجدوا التعاطف المجتمعى مع هذا السلوك، بل لعلى لا أخفى سرا أن أقول إنها أصبحت عملية غير مستهجنة من الأسر والمجتمع بأكمله بل على العكس يراه البعض أمراً مشروعاً للحصول على حقهم فى التعليم والوصول إلى ركب التعليم الجامعى بعدما أنفقوا وصرفوا كل مالديهم من أجل الحصول على هذه الفرصة الوحيدة المتاحة لهم بالجامعات الحكومية لاسيما وهم يرون أمام أعينهم أبناء الطبقات الثرية والمتوسطة العليا تلحق أبناءها بالتعليم الأجنبى والدولى (والدولة دخلت المزاد فيه أيضا) ثم يلتحقون بالجامعات الخاصة والأجنبية بل بعضهم يزاحم أبناؤهم فى الأماكن الموجودة وهى محدودة أصلاً بالجامعات الحكومية وخاصة فى كليات القمة الطب على رأسها بل وإمعاناً فى التمييز افتتحت أقسام لهم فى الجامعات الحكومية مصروفاتها تعدت ٦٠ ألف جنيه سنوياً وهو مانطلق عليه «التعليم الفندقى» .


ليس خطورة أمر التسريب للامتحانات واسمحوا لى أن أطلق عليه لفظ التسريب «القومى» يتوقف فقط على محاولة الحصول على درجات ثم أماكن بالتعليم العالى . ولكن الأمر يتعدى هذا بكثير فى خطورته على الأمن القومى المصرى ، ليس فقط لأنه سيلتحق بالطب من حصل على الامتحان المسرب والإجابة النموذجية ويتخرج لنا طبيب «استسهل الحصول على المعلومة بأى وسيلة» أو المهندس كذلك أو من يلتحق بالإعلام وهو الذى يلعب دوراً محورياً ومهماً فى حياتنا المعاصرة أو فى الحقوق بل حتى للثانوية الأزهرية التى من المفترض أن تخرج لنا من يطوّر الخطاب الدينى .


ولكن الأمر يمتد أيضاً للالتحاق بالكليات العسكرية وهنا مكمن الخطورة الحقيقى وأعلم أنه سيكون هناك رد أن المؤسسة العسكرية التى نحترمها ونقدسها لأنها درع الوطن وأثبتت جدارتها على مر التاريخ ، لديها من القواعد والنظم واللوائح التى قد تعيد تربية وانصهار الطلاب بداخلها وإعادة تكوينهم من جديد وهذا صحيح وأتفق معه تماماً ولكن هذا إذا كانت البذرة أى الطالب والذى أثق تماما فى قدرات الشباب المصرى لم «تلوث» بالغش والتسريب لأنه سيبقى شيئاً صغيراً داخل كل طالب خاصة إذا كان مدعوماً اجتماعياً أى هناك موافقة مجتمعية على عدم «تجريم الحصول على الامتحان مسبقاً» .


وقد قرأت فى الأيام الماضية نقلا عن اللواء سليم وهو أحد الكبار العظام فى تاريخ تأسيس الكلية الفنية العسكرية أنه كان يعاقب الطالب الغشاش فى الكلية بالتنزيل عامين دراسيين .


ونقل عنه أنه لايستقيم أن يكون هناك ضابط وغشاش فى آن واحد.


قضية الثورة التعليمية أصبحت ملحة الآن أكثر من ذى قبل وكما اقتحمنا ملف الكهرباء والعشوائيات بجسارة وكما رفعنا روح المصريين بمشروع قناة السويس فأعتقد أن المشروع الأكبر الذى سينقل المصريين الى عصر المعرفة والنهضة هو التعليم ولا شىء آخر.


فمصر تحتاج الآن إلى المشروع القومى لرصف العقول أى إعادة بنائها وفق أسس صحيحة ، وهذا يستوجب خطة محكمة «وهى موجودة وسبق أن كتبنا عنها ولكن المطلوب أن يحدث حوار مجتمعى حول مشروع النهضة وأعتقد أن المصريين سوف يلبون نداء مشروع للنهضة التعليمية وهذا ليس كلام انشاء مرسل ولكن له أسس واضحة للإصلاح . لأن أكثر مايؤلم اليوم أن نرى أن الدول المتقدمة وشهاداتها الوطنية حتى التى يتم إجراء امتحاناتها فى مصر لايتم العبث بها، بينما التسريب وإتاحة الأسئلة لتصبح فى يد كل الطلاب هى فقط من نصيب البلاد النامية والفقيرة كما يحدث لدينا وحدث فى الجزائر والمغرب مايحدث قد يكون فى ظاهره حوادث غش ولكن فى باطنه هو محاولة من الطبقات الاجتماعية خاصة المتوسطة لتستمر على قيد الحياة وهذا لن يتم إلا بمشروع تعليمى تنويرى يتيح التعليم الحقيقى لكل مواطن تماما كما فى الدول المتقدمة التى لاتتسرب فيها الامتحانات .