الكاره والمكروه يدفعان الثمن معاً

15/06/2016 - 11:30:55

بقلم - نجوان عبد اللطيف

ماذا كان يدور فى رأس (عمر صديق متين) وهو يرتكب واحدة من أكبر المذابح التى اقترفت فى العالم على يد شخص، حيث حصد أرواح ٥٠ شخصاً وجرح ٥٣ آخرين.. كانوا يقضون سهرتهم فى ملهى ليلى فى مدينة أورلاندو يرتاده المثليون، صم عمر آذانه عن توسلات الضحايا، عن الشاب الذى كان يتحدث لأمه فى الموبايل.. قائلاً خلاص يا أمى القاتل قادم سأموت.. لم يصل إليه صراخ أمه عبر الهاتف التى ظلت تتساءل لماذا يقتل ابنها ما الذى فعله؟ لماذا يكرهه وهو لا يعرفه.


والد عمر الأفغانى الأصل الأمريكى الجنسية قال لإحدى شبكات التلفاز: إن ابنه اغضبته فى الفترة الأخيرة مشاهدة رجلين يتبادلان القُبل أمام زوجته الثانية وابنه.


غضب من مشهد معتاد فى أمريكا فدفعه إلى قتل ٥٠ شخصاً وجرح آخرين من هؤلاء الذين أصابهم بلاء المثلية فى مجتمع يقبل الجهر بها، ويعترف بها قانوناً.


أم أنه شخص مريض بالعنف وإذاء الآخرين، زوجته السابقة الأوزباكستانية التى لم تستمر معه أكثر من ٤ شهور قالت فى حوار صحفى إنه كان يضربها باستمرار وأنه لم يكن موزوناً ولا سوياً رغم أنه يبدو طبيعياً.


أم أن اللوثة الدينية والأيديولوجية الداعشية كانت وراء هذه المذبحة البشعة، كما أن زوجة عمر الأولى قالت إنه ليس بالمتدين وأنه بعد طلاقه منها تعرف على فتاة أخرى وأنجب منها ابناً بدون زواج، وكان يرتاد النوادى الرياضية ويعمل فى إحدى شركات الحراسات الخاصة الكبرى فى الولايات المتحدة الأمريكية حارساً مزوداً برخصة سلاح، وحاصل على تدريب عالى المستوى فى استخدام السلاح وسرعة الأداء.


هى داعش التى أعلن انضمامه لها أو تبنيه لسياستها عبر اتصال قام به قبل بدء هجومه على الملهى بلحظات برقم للطوارئ (٩١١) وأعلن من خلاله مبايعته لتنظيم داعش.


الداعشية تلك الأيديولوجية الإرهابية التى ساهم فى صنعها الأمريكان، ظناً منهم أنها ستفتك فقط بالعالم العربى بعيدا عنها فكانت فى فرنسا والدنمارك وأخيراً وصلت إلى الأراضى الأمريكية، «اللهم لا شماتة».


داعش أو تنظيم الدولة الإسلامية فى العراق والشام يبنى أيديولوجيته على رفض الآخر بل كراهيته، هو كاره للبشر عموماً ولكل من عاداه، سواء كانوا مختلفين عنه فى الجنس أو الدين أو الطائفة وحتى وإن تشابه معه فى كل شيء إلا أنهم ليسوا داعشيين.


من ليس بداعشى فهو ليس منا، هو ليس مجرد عدو ولكنه مكروه.


ما هو الفرق بين المكروه والعدو.. طبقاً لعلماء اللغة وعلماء الاجتماع، مشاعر الكره ممكن أن تتواجد دون أسباب عند الشخص المكروه، بمعنى أنها لا ترتبط بإيجابياته أو سلبياته أو أفعاله، بينما مشاعر العداء محددة بأفعال العدو.


من هنا استخدم الرئيس الأمريكى باراك أوباما لفظ الكراهية فى وصفه للمذبحة التى قام بها عمر: «إن أى هجوم يستهدف عرقاً أو ديناً يستهدف كل الأمريكيين، وأن هجوم أورلاندوعمل (إرهاب وكراهية) ولا يمكن أن يغيرنا”.


تنظيم داعش هو أساساً نتاج كراهية، عندما استخدمت أمريكا خطاب الكراهية ضد صدام حسين والعراق وأنه يريد تدمير العالم بأسلحة الدمار الشامل التى ثبت باليقين فيما بعد أن ليس لها وجود، بخطاب الكراهية استطاعت أمريكا تدمير العراق وتفكيك أوصاله، بل تمادت فى كراهيتها بقتل علمائه، وتسريح جيشه، الذى كان نواة لتنظيم داعش، رجال كانوا ملء السمع والبصر فى جيش صدام الذى حارب إيران لـ ٨سنوات، والذين تحولوا بفضل الكراهية الأمريكية إلى مرتزقة ومتسولين، فكانوا البداية للتنظيم الداعشى بحالة من الكراهية ليس لأمريكا فقط وحلف الناتو والغرب، ولكن للعرب الذين ساهموا فيما وصل إليه الوضع فى العراق ومن بعدها سوريا وليبيا وباستخدام المؤسسات الدولية.


فى اليوم التالى للمذبحة أذاعت داعش فيديو لقيام المدعو أبو عبدالله بتنفيذ حكم الإعدام فى شقيقه لأنه من وجهة نظره مرتد، وخرج عن نظام داعش، وتعامل مع المخابرات العراقية؟ لم يكترث لصلة الرحم، ولم تهتز يده على الزناد ولم يتردد لحظة وهو يطلق النار بدم بارد على رأس أخيه القابع على الأرض يرتدى بدلة الإعدام الداعشية برتقالية اللون.


أبوعبدالله متحدثاً: لا اعتبارات عشائرية ولا وطنية أو غيرها فى أحكام الإعدام.


هى كراهية تملاً القلب، تسيطر على مشاعره تجعله يقترف الجرائم والأثام دون أن يترف له جفن، الكراهية هى مشاعر انسحابية يصاحبها اشمئزاز ونفور وعداوة تجاه المكروه تدفع إلى الرغبة فى التجنب والعزل، وتدمير الشىء المكروه، هذه الكراهية من الممكن أن تتسبب فى تدمير كل البشر إذا استقرت فى قلوب الكارهين، وأحياناً تستمر حتى موت الكاره أو المكروه، وترتبط الكراهية بالعديد من المشاعر، الغضب والعنف وشىء من الجنون، وتدفع الإنسان أحياناً إلى إجراءات متطرفة مثل القتل والحرب.


يرى الفيلسوف أرسطو الكراهية على أنها الرغبة فى إبادة الكائن المكروه، ويعتقد أحد الفلاسفة أن الكراهية شعور غير قابل للاختزال ولا يمكن تحديد أسبابها وغالباً ما يؤدى لتدمير الكاره والمكروه.


فى دراسة لجامعة هارفارد عن فتاوى داعش تحدثت عن فتوى رقم ٦٨ التى أعلنها التنظيم عبر تويتر بأحقية أعضاء الجماعة الحصول على أعضاء من أجساد الكفار.


وتناولت تقارير سرية عن قيام داعش بالاتجار بالأعضاء البشرية كأحد مصادر الدخل لها إلى حد أن السفير العراقى تناول فى الأمم المتحدة مقتل ١٢ طبيباً على يد داعش رفضوا إزالة أعضاء من أجساد الأسرى لدى التنظيم، هذه الوحشية بفعل الكراهية المتأصلة فى الأيديولوجية الداعشية، مشاعر الكراهية لدى داعش يمكن أن تدمر العالم خاصةً أنها تولد على الجانب الآخر مشاعر كراهية ضد الإسلام والمسلمين وهو مايتضح من حوار ترامب المرشح الجمهورى فى الانتخابات الأمريكية القادمة الذى بالضرورة سيستخدم هذه العملية لصالحه وهو الذى دعا لمنع دخول المسلمين أمريكا.


هل نحن فى مصر نعانى من ظاهرة كراهية تؤدى فى النهاية لتدمير المجتمع؟


بغض النظر عن قضية الإخوان أو الجماعة التى بدأت نظامها وأدارته بالكراهية للمجتمع والوطن والناس.


نجد خطاب الكراهية تستخدمه فئة من المسئولين والإعلاميين تارة ضد ٢٥ يناير وثوارها تدفع إلى تدميرهم وفى المقابل تظهر مشاعر كراهية لدى فئات من الشباب ضد هؤلاء ونرى مؤسسات تختلق أزمات ضد فئات فى المجتمع هى نتاج كراهية كما حدث فى أزمة الأطباء والأزمة مع نقابة الصحفيين، وتحاول من خلال خطاب كراهية دفع المجتمع لكراهية الأطباء والصحفيين والمحامين بتصوير الأطباء بالاستغلاليين لظروف المرضى وتضخيم أخطائهم ومع الصحفيين بأنهم يريدون استثناء وعدم الخضوع للقانون وكأن على رأسهم ريشة.


خطاب الكراهية الداعشى الذى جعل عمر متين يقتل خمسين شخصاً فى دقائق يدق جرس إنذار لتدارك الأمر ومنع خطاب الكراهية المتعمد ضد فئات المجتمع، فكما قال الفلاسفة: الكراهية تدمر الكاره والمكروه معاً.