محطات وهوامش مهمة فى مسيرة الإخوان حتى تدشين المرشد الجديد (١) محمود عزت «صقر التنظيم»

15/06/2016 - 11:14:13

بقلم - العميد:خالد عكاشة رئيس المركز الوطنى للدراسات الأمنية

(محمودعزت إبراهيم) اسم لأحد أبرز القيادات الإخوانية وهو الشخصية الأكثر إثارة للجدل طوال مسيرة التنظيم فى مرحلتها الوسيطة والممتدة حتى اليوم، خروجه الأخير بتسجيل صوتى يحمل رسالة لقواعد التنظيم ليست إلا حلقة من تلك الإثارة ولهذا الجدل المصاحب دوما لدور الرجل، فى رحلة البحث عن تاريخ هذا القيادى الذى يحلو للأعضاء القدامى بتسميته بـ«صقر التنظيم» هناك العديد من المحطات من المهم الوقوف عليها، أولها أن عزت ولد فى ١٣ أغسطس ١٩٤٤بالقاهرة وتعرف على تنظيم الإخوان فى سن مبكرة لم يتجاوز فيه العشرة أعوام .


لقد بدأ عزت يتلقى التعاليم الأولية والدروس الخاصة بالتنظيم منذ العام ١٩٥٣م، فنحن إذن أمام صبى ينشأ إخوانيا خالصا يتشكل على نار هادئة حتى يصل لعام ١٩٦٢م ليكون فيه عضوا عاملا مكتمل البناء، خطوتان مهمتان ينفذهما عزت بشكل متزامن، حيث يلتحق بدراسة الطب فى الجامعة وينتظم معها كأحد أعضاء ما عرف وقتها بـ»تنظيم ٦٥»، وهو الاسم الذى أطلق على التشكيل الذى قاده «سيد قطب» وضم إليه العناصر الشابة الجديدة فى صفوف الجماعة، والذى كان محمود عزت أحدهم، كان ينظر إلى هذا التنظيم الجديد أو المنبثق من داخل الجماعة كشكل من أشكال إحياء العمل السرى الذى يتبنى النهج العنيف والأكثر تشددا، وبعد عقود طويلة من هذا التاريخ اصطلح أيضا على تسمية هذا الجناح داخل الجماعة بـ»القطبيين» وهو الذى سيسيطر على مقاليد القيادة فيما بعد، والمفارقة أن نفس هذا التشكيل قد ضم فى صفوفه شابا آخر حينئذ هو طالب كلية الطب البيطرى «محمد بديع» مرشد الإخوان الأخير المقبوض عليه الآن، كلا الشابين كانا لهما أدوار تنظيمية فى عمليات العام ١٩٦٥م المخطط لها من قبل القيادات، قبل أن تصل أيدى الأجهزة الأمنية حينها إلى الخلايا وأعضائها وأسلحتها والمتفجرات التى كانت ستستخدم فى أكثر من عملية إرهابية متزامنة، وبإحالة المتهمين والمضبوطات إلى القضاء ورد كلا الاسمين كمتهمين بأدوارهما المسجلة عليهما ليحكم عليهما بالسجن ١٠ أعوام حتى أفرج عن بديع ومحمود عزت فى العام ١٩٧٤م.


من الممكن تصور تأثير تلك البداية التنظيمية فى حياة محمود عزت والتى تعد بالفعل قادرة على تكوين وصقل أحد صقور العمل التنظيمى السري، الأكثر إيمانا بالعنف والتشدد والذى التصق منذ لحظاته الأولى مع مبادئ التكفير والجاهلية التى كان «سيد قطب» يزرعها فى وعى مجموعته قبل أن يتم القبض عليه معهم ويتم إعدامه، وعشر سنوات كاملة فى هذا السن المبكر لعزت والتى عاشها فى تلك الأحداث كانت كفيلة بصناعة «كادر» سيقاتل طوال سنواته التالية لإثبات جدارته ومجموعته فى حمل لواء القيادة داخل الجماعة، وهذه الحرب المفتوحة والممتدة كانت بالفعل هى شعار مهمته طوال السنوات التى أعقبت الإفراج عنه وحتى اليوم، استكمل عزت دراسة الطب حتى تخرج فى العام ١٩٧٦م وبعدها انتقل للعمل بجامعة صنعاء لمدة قصيرة ومنها إلى بريطانيا بمساعدة قيادات التنظيم بالخارج لاستكمال رسالة الدكتوراة، قبيل سفر عزت إلى بريطانيا كان قد تم تصعيده داخل تنظيم الإخوان ليصير مسئولا بارزا داخل أهم أقسام التنظيم «قسم الطلاب» والذى كان يشرف عليه «مصطفى مشهور»، وهذا الأخير هو الآخر أحد صقور «التنظيم الخاص» ومن أشهر العناصر القطبية بالتنظيم والذى تولى فيما بعد منصب المرشد العام، تولى محمود عزت باختيار مصطفى مشهور له مسئولية المشرف على «لجنة القاهرة» وهى اللجنة الأهم تنظيميا والتى أهلته مستقبلا ليكون «أمينا عاما للتنظيم»، وفى هذه اللجنة تجلت مواهب عزت، حيث عرف عنه المثابرة والدأب والتفانى الكامل فى العمل والقدرة الفائقة على المتابعة، وربما كانت من الدلائل الكاشفة عن المكانة التى كان هذا الجيل وخاصة محمود عزت قد بدأ فى أحرازها داخل التنظيم هو توليه مسئولية الإشراف على أعمال مخيم الإسكندرية التأهيلي، حيث أسند له قيادة العمل داخل سلسلة من حلقات التدريب والتثقيف لطلاب الإخوان التى انعقدت فى منطقة «أبويوسف / العجمي» عام ١٩٧٩م، وشاركه فى العمل حينها «محمد حبيب، خيرت الشاطر» وهى القيادات الوسيطة حينها التى كان ينظر إلى الاختيار بينهم للتصعيد وتولى المسئولية بعدها بسنوات، وهو ما تم بالفعل حيث دخل هؤلاء جميعا عضوية مكتب الإرشاد بعد هذا التاريخ بنحو عقد من الزمن.


فى عودة إلى المحطة الأخطر فى حياة محمود عزت وهى الفترة التى قضاها فى بريطانيا التى تقريبا هى (١٩٨١ ـ ١٩٨٥م) فيما لم يعرف عنها شئ معلن حتى اليوم، فهو قد سافر إلى هناك تحت زعم الحصول على درجة الدكتوراة وهذا لم يحدث، فالأوراق الرسمية سجلت أن محمود عزت حصل على الدرجة العلمية من «جامعة الزقازيق» عام ١٩٨٥م، ولا يوجد فى الملف الوظيفى لعزت أية شهادات لدراسات علمية اجتازها فى بريطانيا ويقال إنه خرج من مصر هربا من اعتقالات سبتمبر الشهيرة ١٩٨١م التى سبقت عملية اغتيال الرئيس السادات، وللمفارقة ـ ولنا هنا وقفة ـ أن هذا المشهد قد تكرر بعد هذا التاريخ بنفس تفصيلاته عام ٢٠١٣م قبيل ثورة ٣٠ يونيو بـ خمسة عشر يوما، عندما كان القيادى الإخوانى وعضو مكتب الإرشاد «جمعة أمين» على موعد مع هروب مماثل إلى بريطانيا أيضا بتاريخ ١٥ يونيه ٢٠١٣م تحت ستار قيامه برحلة علاج، وجمعة أمين ببريطانيا حتى اليوم لم يعد إلى مصر، وبالطبع لا يوجد أى علاج أو أمراض تماما كما لم توجد أى دراسات علمية تخص محمود عزت فى هروبه ١٩٨١م، المتماثل هو أن قبيل أى حادث هام وكبير يتوقع منه حدوث تغييرات عميقة على الساحة الداخلية المصرية يرتب «التنظيم الدولى للإخوان» رحلة هروب سريعة ومقنعة لأحد من القيادات، التى يرى فيها التنظيم الدولى أنها من الأفضل الحفاظ عليها فى ملاذ آمن خشية سقوطها بيد الأمن المصرى وانتظارا لتوليها أدوارا هامة ومفصلية فى حياة التنظيم فيما بعد، ولذلك يستخدم «التنظيم الدولي» بريطانيا كملاذ آمن لما يتمتع به فى العاصمة لندن من نفوذ كبير وحاضنه رسمية تسمح له بتشكيل مثل هذه التحركات، بل الأبعد من ذلك أنه قد تردد بقوة أن جهاز الاستخبارات البريطانى هو من أوعز لمكتب الإرشاد فى القاهرة قبل اندلاع ثورة ٣٠ يونيو، بضرورة توخى الحذر الشديد من أن تتحول دعوات الاحتجاج والنزول للشارع التى كانت معلنة فى «حملة تمرد» إلى ثورة شعبية كبيرة تكتسح الإخوان وتطيح بهم خارج الحكم، وقد كانت فى هذا التوقيت المبكر مثل هذه الإنذارات البريطانية أكثر دقة من التقديرات الأمريكية والإخوانية اللتين اجتمعتا على الاستهانة والتقليل من خطر ٣٠ يونيه، وأعقب التحذير البريطانى ترشيحا مزدوجا بريطانيا وإخوانيا بضرورة خروج «جمعة أمين» سريعا بالشكل الذى أسلفناه، لذلك فمن غير المستبعد على الإطلاق أن تكون رحلة خروج محمود عزت فى العام ١٩٨١م قد تمت هى الأخرى على نفس ذات النسق، كما أشيع فى كافة أدبيات تنظيم الإخوان وما كتب عن «محمود عزت» سنجد تلك الفترة المسجلة تحت عنوان استكمال دراسات الدكتوراة وفى نفس المحطة أيضا بريطانيا، لكن الحقائق تؤكد بأن هذه الفترة الغامضة هى الفترة التى تواصل فيها عزت مع التنظيم الدولى وجها لوجه، خاصة مع وجوده فى لندن وبعد أن اجتاز فى القاهرة العديد من اختبارات الصعود فى السلم القيادى الإخوانى المحلى وثبت أنه هو الشخص المطلوب مستقبلا للسيطرة على مفاصل العضوية بالجماعة «أمين التنظيم»، وربما تكون الرحلة قد شهدت أيضا بعضا من الدورات التدريبية المتقدمة التى يكون عزت قد انخرط فيها وهى تعقد بشكل سرى فى لندن منذ وقت ليس بالقصير، ويتولى التأهيل فيها خبراء من صفوف التنظيم الدولى وفى بعض الحالات يشارك خبراء بريطانيون فى حال كان الأمر يهم الأجهزة البريطانية، وفى حالة محمود عزت بالطبع نراه كذلك مهما وفارقا ومراهنة على قيادة شابة تنتظر أن تصل إلى سدة المسئولية والتى تبوأها عزت مباشرة عقب عودته من بريطانيا.


بالنسبة لقرار تصعيد عزت الأخير ليكون مرشدا عاما تم طبقا للمواد ٤ و٥ من لائحة الجماعة، حيث تؤول أمور المرشد إلى النائب الأول وهنا مشكلة كون الشاطر محبوسا، فإن لم يتواجد فللنائب الثانى فإن لم يتواجد فللأكبر سنا من قيادات الجماعة، وهذا إجراء يتم اتخاذه لحين اجتماع مجلس الشورى، ويرجح أن يتم اللجوء لحيلة قديمة لانتخاب مرشد جديد للإخوان وهى حيلة «التمرير» لكى يمرروا من يريدون من مجموعتهم الضيقة، وهى نفس المجموعة التى تتبنى أفكارهم وأفكار المرشد وهم تيار «القطبيين» داخل التنظيم الذين يسعون جميعا الآن ليكون عزت مرشدا جديدا للإخوان.......


لكن لماذا «محمود عزت» الآن وبهذا الظهور المسرحى من خلال التسجيل الصوتي، وماذا يراد حقا من تلك الإعلانات التى تضمنها التسجيل وما هى الرسائل المطلوب إنفاذها لأطراف بعينهم من خلال فقرات البيان الذى قرأه الصقر من مخبئه.... هذا نستعرضه فى الحلقة الثانية الأسبوع القادم بإذن الله.