لماذا تأخرت عودة السياحة الروسية لمصر؟

15/06/2016 - 11:10:20

بقلم - عبدالقادر شهيب

هذا السؤال مطروح داخل مصر فى أوساط عديدة وبإلحاح، نظرا لأن عموم المصريين لم يتوقعوا أن تطول غيبة السياح الروس عن مصر وتحديدا عن مدينتى شرم الشيخ والغردقة فى ظل العلاقات الطيبة، التى ربطت بيننا وبين الروس، والتى أثمرت الكثير كان أبرزها الاتفاق الخاص بإقامة أول محطة نووية بالضبعة لإنتاج الكهرباء فى مصر بتمويل روسى وخبرات روسية.. وحتى الذين توقعوا أن يستغرق اتخاذ قرار عودة السياحة لمصر بعض الوقت فى ظل رأى عام روسى داخلى تأثر بالقطع بحادث سقوط الطائرة الروسية فوق شرم الشيخ، فإنهم لم يتوقعوا أن يطول توقف الطيران الروسى والمصرى بين البلدين على هذا النحو.


يزيد من إلحاح هذا السؤال أن العلاقات الطيبة بين البلدين تزداد قوة يومًا بعد الآخر، وهو ماتعكسه التصريحات المتبادلة لمسئولى البلدين، والتى كان آخرها ماقاله الرئيس السيسى فى حديثه التليفزيونى مع الزميل أسامة كمال حول أن محاولات الإساءة للعلاقات المصرية مع كل من روسيا وإيطاليا وفرنسا أخفقت.. كما أن دولًا أوربية عديدة كان فى مقدمتها ألمانيا أعادت رحلات الطيران مع مصر، وأخرى لم توقفها أساسًا على غرار ما فعلت روسيا بعد وقت قصير من سقوط طائرتها فوق شرم الشيخ, وهكذا لم يتبق هناك طيران متوقف مع مصر سوى الطيران الروسى فقط مثلما لايستقبل مطار موسكو الطيران المصرى.


ويصعب قبول بعض التبريرات التى تصدر أحيانا عن المسئولين الروس والتى تشير أحيانًا إلى أن تأمين المطارات المصرية لم يكتمل بعد، فى ظل التفتيشات الدورية لهذه المطارات لهيئة الطيران الدولية.. بل إن مستشار الأمن القوى لبريطانيا التى كانت أول دولة سارعت بالإعلان عن أن سقوط الطائرة الروسية يرجع لعمل إرهابى اعترف بنفسه خلال زيارة سابقة له للقاهرة فى لقاء رسمى بأن إجراءات الأمن فى المطارات المصرية قد اكتملت، لكنه طلب طلبًا لاعلاقة له بالإجراءات الأمنية لقوانين بلاده على عودة السائحين البريطانيين إلى مصر مجددا وكان هذا الطلب يتمثل فى إعلان مصرى بأن الطائرة الروسية سقطت بسبب عمل إرهابى، وذلك حتى يعزز رئيس الوزراء البريطانى موقفه داخليًا فى مجلس العموم، بتأكيد ما سارع بإعلانه مدعيًا أنه فى حوزة حكومته أدلة على ذلك، وهى الأدلة التى لم يقدمها لمصر أو حتى روسيا صاحبة الطائرة التى سقطت.


إذن.. ثمة أسباب أخرى لتأخر عودة أولا الطيران المتبادل بين مصر وروسيا ثم عودة السائحين الروس إلى بلادنا مجددا، رغم إدراك القادة الروس لحاجتنا الماسة لعودة هذه السياحة لأنها سوف تشجع السائحين الأوربيين على العودة بمعدلات كبيرة لبلادنا، مما سوف يسهم فى علاج أزمة النقد الأجنبى التى نعانى منها، وبالتالى يخفف الضغوط الاقتصادية على المصريين، وهو الأمر الضرورى لتحقيق الاستقرار السياسى الذى تجاهر روسيا بأنها تتمناه لمصر فى مواجهة ما تتعرض له من تآمر خارجى يستهدف النيل من هذا الاستقرار لتقويض كيان دولتنا الوطنية، أو على الأقل إبقاؤها ضعيفة فى حالة عوز واحتياج دائما مما يوقعها فى شرك الهيمنة والتدخل فى شئونها الداخلية من قبل الولايات المتحدة التى صارت خصمًا لروسيا ليس فى منطقتنا فقط وإنما فى مناطق عديدة من العالم.


ومن خلال الاتصالات التى تقوم بها جهات مصرية سياحية وليست سياسية مع نظيرات لها فى روسيا نستطيع القول بأن هذه الأسباب التى تؤخر عودة السياحة الروسية لمصر هى أسباب داخلية وترتبط تحديدا بالظروف الاقتصادية الصعبة، التى تمر بها روسيا، وذلك نتيجة من جانب انخفاض عوائد تصدير الغاز الروسى بعد انخفاض الأسعار العالمية للبترول لأكثر من النصف، ثم من جانب آخر بعد الحظر الاقتصادى المفروض على روسيا من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوربية، وهو الحظر الذى أزاد من متاعب الاقتصاد الروسى.


فإن روسيا بعد الانخفاض العالمى فى أسعار البترول واجهت نقصا شديدا فى مواردها، خاصة من النقد الأجنبى، وهى الموارد التى اعتمدت عليها لعدة سنوات مضت وسمحت لها بأن تعبر عن نفسها بقوة سواء فى محيطها الإقليمى بضم شبه جزيرة القرم إليها، أو فى المحيط العالمى كله بالدور، الذى تلعبه الآن بقوة فى روسيا، والذى جعل منها رقما صعبا وأساسيا لا يمكن تجاهله ليس فقط فى رسم مستقبل سوريا سياسيًا، وإنما فى صياغة مستقبل المنطقة كلها.. وزاد من حدة هذا النقص الشديد فى الموارد الخارجية الروسية من النقد الأجنبى ذلك الحظر الاقتصادى الذى فرضه الأمريكان على روسيا وشاركهم فيه الأوربيون تحت الضغوط الأمريكية ولذلك فإن روسيا فى ظل هذا الموقف تسعى لتخفيض إنفاقها وفى ذات الوقت تتطلع إلى إنهاء الحظر الأوربى - على الأقل - المفروض عليها اقتصاديًا.. ووقف السياحة الروسية الخارجية إلى مصر ثم إلى تركيا فيما بعد على إثر إسقاط تركيا طائرة عسكرية روسية ادعت أنها دخلت المجال الجوى التركى وساعد الروس على تحقيق إنفاقهم من النقد الأجنبى، وهو أمر يحتاجونه الآن بشدة.. وهنا يمكننا أن نفهم لماذا ليس ثمة اهتمام روسى بإعادة سريعة للسياحة الروسية لمصر مجددًا.. فإن هذه العودة سوف تعيد الإنفاق الأجنبى للارتفاع وليس الانخفاض.


وقد يقول قائل قد نفهم ذلك بالنسبة لعودة السياحة ولكن لماذا لا يعيد الروس على الأقل الطيران المتبادل أو حتى المصرى فقط بين البلدين؟.. وهنا لدى من يشاركون فى الاتصالات السياحية بين البلدين إجابة أيضًا وتتمثل فى أن عودة الطيران المتبادل أو حتى المصرى فقط سوف تيسر على الروس الراغبين فى زيارة مصر وسيلة السفر السهلة والمباشرة وذلك سوف يفتح الباب لعودة السائحين الروس إلى مصر لأن السلطات الروسية لا تملك أن تمنعهم من استخدام هذا الطيران، ولذلك هى تغلق كل الأبواب الآن أمام عودة السياحة فى إطار خطتها لضغط الإنفاق من النقد الأجنبى.


ولعل ذلك هو ما جعل بعض من يعنيهم أمر عودة السياحة الروسية لمصر مجددًا يستنتجون أن ذلك قد لا يكون متاحًا قبل أن تنجح المحاولات الروسية فى إلغاء الحظر الاقتصادى الأوربى المفروض عليهم، وهى المحاولات التى قطعت خلال الاتصالات الروسية الأوربية شوطًا لا بأس به، خاصة أن الأوربيين يرون أنهم مثل الروس متضرون من هذا الحظر الاقتصادى على عكس الأمريكان الذين لم يصبهم ضرر مؤثر أو بالغا.. حتى إن الروس يرهنون عودة السياحة الروسية لمصر بإنهاء الحظر الاقتصادى الأوربى عليهم، وهو الأمر الذى صارت دول أوربا الشرقية مقتنعة به.


غير أن الخبراء السياحيين فى مصر يرون أن أمر عودة السياحة الروسية لمصر لا يقتصر فقط على رفع الحظر الاقتصادى الأوربى عن روسيا، وإنما يتسع أيضًا لحل الأزمة السياسية الروسية التركية التى نشبت بين البلدين فى أعقاب إسقاط تركيا الطائرة العسكرية الروسية ورفض تركيا تقديم اعتذار لروسيا على ما قامت به.. وهم يستندون فى ذلك إلى أن ثمة تشابكًا بين السياحة الروسية لمصر والسياحة الروسية لتركيا فى ظل أن الشركات السياحية التى تنظم رحلات سياحية خارجية للروس هى فى أغلبها شركات تركية، وهذه الشركات كانت تنظم رحلات سياحية للروس تشمل فى برنامج سياحى واحد زيارة تركيا ومصر معًا.. وهكذا فإن عودة السياحة الروسية لمصر سوف تكون مرتبطة بعودة السياحة الروسية لتركيا.. وإذا كان لا توجد عقبات سياسية تمنع عودة السياحة الروسية لمصر فإن الأمر مختلف مع عودة السياحة الروسية لتركيا، حيث هناك أزمة سياسية لم تجد بعد حلًا بين البلدين وإن كانت مساعى تركيا لإصلاح علاقاتها مع روسيا لم تتوقف فى ظل تراجع أوضاع الاقتصاد التركى والأعباء الطارئة التى يتحملها حاليًا لأسباب داخلية على رأسها الإرهاب وأسباب خارجية على رأسها توتر العلاقات السياسية مع مصر وروسيا والتى كلفت تركيا الكثير اقتصاديا.


وفى ذات الوقت يرصد هؤلاء الخبراء السياحيون ضغوطًا من قبل دوائر صناعة السياحة فى روسيا من أجل إعادة السياحة الروسية لكل من مصر وتركيا نظرًا لأن شركات السياحة الروسية وأغلبها تركيا لحقت بها خسائر جمة خلال الشهور الأخيرة وهى تريد التخلص من هذه الخسائر والعودة إلى تحقيق الأرباح من جديد.. كما يرصدون أيضًا تزايد حاجة تركيا لإصلاح علاقاتها مع روسيا وفيما بعد مع مصر كذلك فى ظل المتاعب الاقتصادية التى بدأت تتعرض لها.. مثلما يرصد بعض المسئولين المصريين رغبة فى بعض الدول الأوربية لإلغاء الحظر الاقتصادى المفروض على روسيا.


وهكذا.. تأخر عودة السياحة الروسية لمصر ليس مؤشرًا على وجود شىء ما سلبى فى العلاقة بين مصر وروسيا والدليل أن هذه العلاقة تمضى فى المجالات الأخرى ومن بينها مجال التسليح قدما إلى الأمام.. وإنما التأخر سببه الظروف الداخلية وتحديدًا الاقتصادية الروسية.. فإن الروس يتصرفون الآن تطبيقًا لمبدأ مصرى قديم (ما يحتاجه البيت يحرم على الجامع).. وهذا أمر يمكن فهمه وتفهمه حتى وإن لم يكن الروس يجاهرون به.. وفى ظل هذا الفهم تجرى المشاورات السياحية بين البلدين الآن بخصوص عودة السائحين الروس مجددًا إلى مصر.


 



آخر الأخبار