د. آمنة نصير تُقلب فى دفتر الذكريات: «عبد الناصر» تدخل بنفسه لأصوم رمضان فى المدرسة الأمريكية!

15/06/2016 - 11:06:33

  الزميلة سلوى عبد الرحمن أثناء حوارها مع د . آمنة نصير  عدسة: ناجى فرح الزميلة سلوى عبد الرحمن أثناء حوارها مع د . آمنة نصير عدسة: ناجى فرح

حوار: سلوى عبد الرحمن

أبحرت بنا الدكتورة آمنة نصير أستاذ الفلسفة والعقيدة الإسلاميةبجامعة الأزهر، عضو مجلس النواب، فى دفتر ذكرياتها عن شهر رمضان، لتحكى لنا كيف تدخل الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بنفسه لدى المدرسة الأمريكية لتصوم رمضان. «نصير» التى نقلت دوار والدها من قرية «موشى» بأسيوط إلى منزلها فى القاهرة، بموائد للأقارب والأحباب طوال الشهر الكريم، تقول: «لم تتغير عادتى منذ صغرى ولن أفطر وحدى أبداً».


ذكريات رمضان لم تكن وحدها هى محور حوار «المصور» مع النائبة آمنة نصير، التى فاجأتنا كعادتها بالتطرق لموضوعات كثيرة وشائكة، قائلة: «هُناك التفاف عجيب ومُحاولة لإحباط قانون «ازدراء الأديان» الذى قدمته للبرلمان وطلبت مناقشته، وسعيت لحماية دينى من أن يقال «إنه يسجن من يختلف معه».


«نصير» لا يعجبها أداء الأزهر فى تجديد الخطاب الديني، قائلة: «دوره بطيئ وغير واضح ولا أرى له آلية فى التجديد»، مضيفة: ليس من الحكمة استدعاء كل ما قاله البشر فى التفسيرات الفقهية أو الشروح العلمية فى أى فرع من فروع علومنا، وتطبيقها بحذافيرها؛ لكن استفيد من تجاربهم، وأخذ منها ما يصلح أن يُستفيد به العصر.


«نصير» لم تعرف السبب فى عدم وجود إمرأة فى عضوية هيئة كبار العلماء؛ لكنها فى الوقت نفسه قالت: «لم أسع ولم أقبل عضوية مجمع البحوث الإسلامية، وأحلم أن أرى له دوراً» وإلى نص الحوار.


لرمضان ذكريات كثيرة، حدثينا عنها وأنت طفلة؟


وأنا طفلة كان شهر رمضان له مذاق خاص فى دوار أبي، حيث كانت موائد رمضان تمتد فى الإفطار والسحور، لتستقبل الجميع من كل فج عميق، وكانت هناك طقوس فى تلك الفترة، حيث كانت القرى المجاورة تأتى على شكل وفود طوال شهر رمضان تذبح الذبائح، وكان يوجد مقرئ مقيم لقراءة القرآن الكريم طوال شهر رمضان، وكان شيوخ الأزهر وطلاب العلم من أبناء قريتنا «موشى» بمحافظة أسيوط يتبادلون الأحاديث الدينية طول الشهر الكريم، وكانت الموائد تضم المسلم والمسيحي.


فى رأيك.. هل اختلف رمضان فى القاهرة عن الصعيد؟


لم تتغير العادة، ولم أفطر وحدى أبدا؛ بل يأتى الأبناء والأحفاد والعائلة والأصدقاء والأهل من الصعيد فى رمضان، وأقيم مائدة يومية وهى مفتوحة لأى قادم أو وافد، وكثير من الأحباب من لا يستطيع أن يذهب إلى بيته ليفطر، وأكون قريبة منه يأتى عندى لدرجة أختى زينب تقول لى «نقلتى دوار بيت أبونا بشكل مُصغر إلى القاهرة»، لأنى أحب الناس جميعا، وهذا ما علمه لى والدي.


موقف طريف لم تنسيه أبدا فى رمضان؟


لدى ذكرى لن أنسها أبداً، عندما كنت فى المدرسة الأمريكية وهى مدرسة داخلية، كانت هناك قواعد مشددة ومنظمة جدا، فحين يحين موعد الطعام كانت المُعلمة تجلس معنا وتعلمنا ذوقيات الطعام والاتيكيت، وفى يوم دخلت المعلمة وجلست على المائدة كالعادة ولم تجدني، فسألت عنى وصعدوا إلى حجرتى ووجدونى ارتدى ملابس؛ لكن لم استعد للإفطار، فسألتنى المعلمة عن عدم نزولى للسفرة، فأخبرتها إنى صائمة، فغضبت وجذبتنى من يدي، وأخذتنى إلى مكتبها، وجاءت بطبق الطعام، وأمرتنى أن افطر على الفور، وقالت لي: «إنتى هنا طالبة ولا يوجد صيام.. وإذا أردتى الصيام إذهبى بيتك»، وكنت فى ذلك الوقت فى الصف الثالث الابتدائي، واخبرت والدى بما حدث، ومرت الأيام ووصلت للصف الأول الثانوى وجاء رمضان، فأخبرتها أننى يجب أن أصوم لأننى أصبحت مسؤلة أمام الله فرفضت، وهنا تدخلت الدولة والرئيس الراحل جمال عبد الناصر بنفسه تدخل، فكان عمه حسين عبد الناصر من أسيوط من قرية «بنى مر»، وأخى الراحل أحمد وسطه فى هذا الموضوع، وأرسل لها مندوب وأخبرها بأنها يجب ألا تمنع المسلمات من الصيام فى رمضان، وكنا وقتها سبع بنات، وطالبها بتوفير الإفطار والسحور لنا، وكانت معركة كبيرة بين الدولة ونظام المدرسة، وفى النهاية صمنا رمضان فى المدرسة الأمريكية التبشيرية، ولا أنسى حالة الذعر التى كانت عليها المديرة، وكأنها اكتشفت جرم عندما علمت بصيامي، فكان لديهم تحكم كبير فى المدرسة وتعلمت منهم قيم ومبادئ كثيرة فى تكوين شخصيتي.


أنت أم وزوجة وأستاذة جامعية ونائبة فى البرلمان.. كيف تؤدين هذه الأدوار؟


كل هذه الأدوار بفضل الله أديتها على أكمل وجه، فكنت أم لأربع أولاد ربيتهم أفضل تربية، وكنت لهم الأم والمعلم والخادمة والسائق، فلم أترك أولادى للشغالات، وكنت زوجة لمستشار من صعيد مصر لا يأكل سوى من يد زوجته، ولا يعترف سوى بالزوجة التى تقوم بكل طلباته، وكنت معلم متميز يرعى العقول ويربيها على الأخلاقيات والعلم الحقيقي، ووضعت فى سجل جامعة ليدين بهولندا من عظماء العالم، وهذا الإصرار ليس قاصرا على وحدي؛ بل لدينا عظيمات كثيرات، فالمرآة المصرية جبارة إذا أرادت ستفعل المعجزات.


وهل الداعيات فى الأزهر يأخذن حقهن؟


لا يأخذن حقهن أبدا، ولا أزيد أكثر من ذلك.


حتى الآن لم نجد إمرأة عضوة فى هيئة كبار العلماء بالأزهر.. فى رأيك هل هناك ما يمنع ذلك؟


أنا لا أسال عن هذا، يُسأل عنه من يمنعه، وفى الجامعة يوجد علماء لا يقلون علما ولا قدرة عن الرجال، وعندما كتب صحفى عنى «أننى أسعى لأكون عضو فى مجمع البحوث الإسلامية»، أسفت على هذا، وقولت فى لقاء تلفزيوني: أن هذا الصحفى ليس لديه أمانة الكلمة، فماذا سيضيف هذا «للبروفسير» آمنة نصير الأستاذ الدولي، فأنا لم أسع ولم أقبل، لكن أود أن أرى حصاد مجمع البحوث الإسلامية، وأحلم أن أرى له دور فى إزالة السُحب التى تملء الثقافة وعقائد الناس الآن، لتصحيح الأخطاء التى يمتلئ بها جوانب المجتمع المصري.


هل تأثرت حياتك الأكاديمية بعد دخولك مجلس النواب؟


أُعانى كثيرا فى الحياة السياسية؛ لكن أنا شخصية اعتادت على مواجهة الصعاب، وأرجو أن يعيننى الله على ذلك، وخاصة أننى فى لجنة الخارجية بمجلس النواب ومُعتادة على هذا ولى اسم ومصداقية كبيرة بالخارج.


وكيف ترين حرية الرأى خلال الفترة الأخيرة؟


هُناك قاعدة لابد أن نعلمها، وهى أن أى إنسان يتقدم للإصلاح أو النقض البناء أو لمُعالجة السلبيات التى توجد فى أى مجتمع أو مؤسسة لابد أنه سيهاجم، ومن يتقدم للإصلاح عليه أن يتحمل الهجوم، وأنا خير مثال على ذلك، فأهاجم ليل نهار، وقد رأيتم عندما قولت أن النقاب عادة يهودية هوجمت هجوم ضاريا، رغم أن الأزهر أصدر كتاب يقول فيه إن «النقاب عادة وليس عبادة»؛ لكن لم يهاجم مثلما هوجمت، ورغم ذلك لم أكف عن قول الحق والحقيقة، فمن يقول الحق لا يخشى لومة لائم؛ بل تزيده صلابة وإصرار.


الجميع يعرف رأيك فى قانون «ازدراء الأديان» هل من جديد فى هذا الملف؟


قمت بتقديم هذه القانون أمام البرلمان وشرحته قانونيا وعقائديا وأخلاقيا وإسلاميا شرحا بالنصوص الوافية لكل هذه القضايا، ومع هذا أرى أن هناك التفاف عجيب فى محاولة إحباط هذا القانون الجديد الذى قدمته، فطلبت منهم مناقشته، وسواء قوبل طلبى بالرفض أو القبول، أنا سعيت ولا أريد سوى الإصلاح وحماية دينى من أن يقال إن «هذا الدين يكره من ينتمون إليه ويسجن من يختلف معه»، فأى إنسان يحدث له ذلة قلم أو عثرة لسان نأخذ على يديه بالحوار، ونرده بالحوار والمجادلة والكلام؛ لكن لا أدعه يُخطيء بل ويتمادى فى الخطأ ثم اسجنه، فهذا تصرف القرون الوسطى، لا يقبله الإسلام، وهُناك مثال واضح على ذلك إسلام بحيري، الذى تُرك عام وشهرين يقدم برنامجه ثم بعد ذلك قاموا بمحاسبته، أين كانوا من البداية؟، وكذلك فاطمة ناعوت التى كتبت بإحساس أديب رقت مشاعره، وانطلق فى كلام غير قويم واعتذرت بعد ذلك وأوضحت أنها مسلمة وتعتز باسلامها لكنها فزعت من طريقة نحر الأضحية، وكان لابد من الرد عليها فيما حدث من ذلة قلمها، فنحن بشر، وهذا ليس تصرف أشخاص يحملون هم الدعوة ويريدون الإصلاح؛ بل نتعامل كمتربصين وهذا أمر يبغضه الإسلام، فكان يجب أن يرد عليها بمقالة مُماثلة لما كتبته؛ ولكن نرى الأدعياء يقولون أن آمنة نصير إذا نجحت فى رفع هذا القانون «ازدراء الأديان» لأصبحت الناس كفرة؛ لكن أقول لهم إن الإسلام أقوى مما تتخيلون والشعب المصرى مُتدين بالفطرة مسلم ومسيحي، وأيضا أرى ما يحدث يتعارض مع الدستور الذى به أكثر من أربع مواد تؤكد حُرية الإنسان، ما أدى إلى وجود سمعة سيئة بالخارج، فإذا ذهبت إلى أى مؤتمر فى أوربا اسمع ما يؤذيني، ودائما أقول لهم «فلتفصلوا بين الدين والمنتمين له».


ما يعنينى الآن هو تجديد الخطاب المجتمعي، والمسؤل عن هذا المؤسسة الثقافية والفنية والتربوية والأزهرية والكنسية والإعلامية، كل هذه المؤسسات مسؤلة مسؤولية كاملة عن حماية اللغة والعقل والمصطلحات، وليس الأزهر وحده، فالأفلام والمسلسلات والواعظ والممثل والمدرس فى الفصل والأستاذ فى الجامعة والمعهد والمسؤل فى البيت، الجميع عليه مسئولية، ولن يأتى هذا بثماره إلا عندما تمحوا الأمية، وقد طالبت بالنظام الذى كان يتبع فى فترة «عبد الناصر» بأن لا يتخرج الشاب ولا يحصل على شهادة تخرج إلا بعد محو أمية عشرة أشخاص من جميع الفئات، ويختبرون من قبل جهات ولجان معتمدة للقضاء على ما يسمى بـ»ضرب الشهادة» لتكون محو أمية صحيحة وحقيقية وليس مجرد الحصول على الشهادة، وسيناقش ذلك فى مجلس النواب، وسأسعى جاهدة لذلك، لأن هذا يعتبر من عظائم الأمور.


كان لديك حلم رئاسة لجنة التعليم فى البرلمان وأعلنت عن مشروع مدروس لمستقبل التعليم.. ماذا حدث فيه؟


بالفعل كان لدى مشروع أقوم على دراسته، وأخذته على عاتقى قبل أن أدخل البرلمان بكثير، لأنى أعلم كم مهموم هذا القطاع، وأنه لن ينصلح الدين؛ إلا إذا أنصلح التعليم وقلت من يريد بناء جامع، فاليبنى به مدرستين، لأن الله جعل لنا الأرض طهورا وليس لدينا أى مشكلة فى بناء المساجد، لكن لدينا مشكلة فى تكدس الفصول واستغلال المدرس للطالب وعدم احترام الطالب لمعلمه، وعدم وجود قدوة، فنحن فى حاجة إلى إعادة البعد الأخلاقي، وإعادة قيمة المُعلم، وقد هوجمت على ذلك وكنت أريد أن اختم حياتى تقربا إلى الله ثم مصر بهذا المشروع الجليل، وعند دخولى مجلس النواب لم أجد ما كنت أسموا له وتركت اللجنة.


كيف قرأتى ما حدث فى قرية «الكرم» مؤخرا، وهل حل مثل هذه المشاكل يكون بالجلسات العرفية أفضل أم بسيادة القانون؟


ما حدث فى المنيا يجب أن يُطبق فيه القانون بأعلى مستوى من الحسم، وتترك المجالس العرفية و»السفسطة» لهؤلاء المشايخ التى هى مُجرد مجموعة من الحكاوى تُطلق وتبقى الضغائن فى القلوب والثأر فى النفوس، فعندما يطبق القانون سنقضى على هذه الأمراض، فجلسات العرف والمشايخ ابتلاء، يجب أن ننصرف عنه تماما ويطبق القانون بمنتهى القوة والحزم دون تردد.


كيف تقولين هذا وأنت من صعيد مصر وتعلمين أن هذه المجالس مهمة هناك؟


تجديد الخطاب الدينى الذى نادى به الرئيس السيسى أكثر من مرة، من وجهة نظرك من الذى سيقوم به، وأين دور الأزهر فى ذلك؟


لن أتحدث عن الأزهر فدوره بطيء غير واضح، ولا أرى له أى قوة أداء فى هذا الأمر، رغم إننى أتمنى وأدعو له أن يوفق فى هذه المهمة الثقيلة والتى تحتاج إلى تضافر الجهود وانفتاح العقول، وفهم حديث الرسول صلى الله عيه وسلم «يبعث الله على رأس كل مائة سنة لهذه الأمة من يجدد لها دينها»، فهم حُراس وورثة لتراث من متونه أو شروح أو تاريخ جيدين؛ لكن لا أجد مبدعين لهذا الزمان، فنحن نحرص على جذورنا ومصادرنا وهذا أمر ضروري، فمصادرنا القرآن الكريم والسنة الصحيحة، ونأخذ من هذه المصادر ما نصلح به مستجدات عصرنا، فالقضية فى جملة إننا يجب أن نتخلص من أمور ليس من الضروريات أو من صحيح الدين، فهى من قبل تفسيرات من بشر، والبشر يصيب ويخطيء، وليس من الحكمة أننى استدعى كل ما قاله البشر فى التفسيرات الفقهية أو شروح علمية فى أى فرع من فروع علومنا، ليس من الضرورة استدعائها وتطبيقها بحذافيرها؛ لكن استفيد من تجاربهم، واتخذ منها ما يصلح أن يُستفيد به العصر لتجديد الخطاب الديني، فلا أرى هذه القضية واضحة أمام الأزهر أو لديه آليه ومنهج لهذا العمل، فأتمنى أن أكون أنا المقصرة ولا أعلم.


تلومين على الأزهر كل هذا اللوم.. أين أنتم أيها الفقهاء من تجديد الخطاب الديني؟


أذكركم بالإمام محمد عبده الذى ناله الأذى الذى لا تحتمله الجبال، نتيجة أنه أراد أن يجدد وكانوا يستفتون فى وفاته، فهل يجوز تشيع جثمانه أم لا؟، ولا يوجد بشر هوجم مثلما هوجم محمد عبده، فهم يخشون النقد والهجوم، ولذلك يحبون دائما أن يقفون عند الطريق السليم، والذى يريد أن يجدد ويتحمل تبعاته، أنا لا أجدهم يحفلون بهذا الأمر ويصيرون عليه.. وهنا سؤال يطرح نفسه لماذا الناس تخشى أى نقد وتقبل الرأى والرأى الآخر؟، فنحن نعزف تماما عن الابتعاد فى أى حوار فيه هجوم مع أى إنسان يتصدر لأى جديد، فالحقيقة أنا لا أرى من شيوخ الأزهر من يريد أن يتحمل هذه الفاتورة .


 



آخر الأخبار