الصيام وتأصيل القيم الأخلاقية

15/06/2016 - 11:03:18

بقلم: أ.د. عباس شومان وكيل الأزهر الشريف

الحمد لله الذى أكرم عباده بشهر القرآن والصيام، والقيام. وأصلى وأسلم على خير من صلى لله وصام، سيدنا محمد النبى الأمي، ورضى الله عن آله وصحبه، السائرين على طريق الحق، ومن جاء من بعدهم فاهتدى بهداهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين..وبعد.


فإن شهر رمضان الذى هلّ على الأمة بنفحاته وبركاته، جاء مطهِّرا للنفوس من الذنوب والآثام يقول النبى صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» ويقول  أيضا: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه». وكفى بالصائمين تكريما اختصاصهم بباب خاص يدخلون منه الجنة دل عليه قوله  صلى الله عليه وسلم: «إن فى الجنة بابا يقال له الريّان يدخل منه الصائمون يوم القيامة يقال أين الصائمون؟ فيقومون فيدخلون فإذا دخلوا أُغلق فلم يدخل منه أحد».


ومع هذا الأجر العظيم الذى جعله الله  تعالى لعباده الصائمين فى الآخرة ،جاء رمضان مؤصلا لقيم النفس الأخلاقية ومكارمها.ومن تلك القيم:


•  تقوى الله عز وجل.لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (سورة البقرة ١٨٣) فإذا توصلت النفس بصومها إلى تقوى الله تعالى فقد تسامت وارتقت فوق المكارم كلها.


• ترابط المجتمع المسلم وإحساس الإنسان بأخيه الإنسان؛ فالإسلام  كيانٌ اجتماعى التكاليف، فردي  المسئولية. بمعنى أن سلوكيات المسلمين فى حياتهم جماعية تعاونية؛ فصلاتهم جماعية ، وزكاتهم جماعية فهى من جماعة الأغنياء لجماعة الفقراء، والمساكين ونحوهم، وحجّهم جماعى وسائر مناشط حياتهم كذلك. حتى ما  يكلف به الفرد وحده فى دوامه ونحوه ينتظم مع غيره فى منظومة واحدة لخدمة مؤسسته ومجتمعه. أما المسؤولية فهى فردية لقوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ }، وقوله { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ } . ولأن الإسلام دين الاجتماع والجماعة فقد حثنا شرعنا الحنيف على الانتماء إلى الجماعة  كقيمة من قيم النفس الأخلاقية، وتأصيلا لتلك القيمة يقول الحق تبارك وتعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} أى يتناصرون ويتعاضدون،  ويقول  المصطفى صلى الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً» وشبك بين أصابعه. وفى الصحيح أيضاً: «مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» .


والصوم يرتبط فيه المسلمون من أقصى الأرض إلى أقصاها بسلوك موحد بداية من نية الدخول فى الصوم ومرورا بسحورهم وإفطارهم ثم اجتماعهم الخاص لصلاة القيام، فضلا عن صلوات الجماعة المفروضة، وكذا صدقة الفطر فى آخره مظهر من مظاهر التكافل الاجتماعي،ثم اجتماعهم لصلاة العيد بعد فراغهم من صوم شهرهم كل ذلك ،وغيره كثير تأصيل لقيمة أخلاقية سامية وهى إحساس المسلم بأخيه المسلم الذى هو شرط لحسن إيمانه كما أخبر الصادق المصدوق حين قال: «ما آمن بى من بات شبعانا وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به» رواه الحاكم.


• وكذلك فإن الصوم يؤصّل فى النفس الصفح والعفو عن المُسيء فإذا كان للإنسان أن يرد الإساءة بمثلها لقوله تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) (سورة الشورى )، فإن الصائم مطلوب منه الصفح والعفو، وترك استخدام هذا الحق فى رد الإساءة فيقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (قَالَ اللَّهُ كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِى وَأَنَا أَجْزِى بِهِ وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّى امْرُؤٌ صَائِمٌ وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ)(رواه مسلم ).


•   كما أن الصيام يؤصل فى النفس الكرم ويخلصها من البخل الممقوت شرعا يقول الحق تبارك وتعالى: {هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم (٣٨)} (سورة محمد). ويقول{ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ۗ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)}( ٢٤ سورة الحديد.). فالإسلام يمقت البخل ويمقت كذلك الإسراف فحال المسلم وسط بينهما لا هو بالمسرف ولا هو بالمقتر، وقد عد التوسط من سمات عباد الرحمن { وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً (٦٧ )}(الفرقان ). وقد سجل القرآن للأنصار كرمهم مع إخوانهم المهاجرين حيث خرج على المألوف فقال تعالى: { وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) }(سورة الحشر ).


والصيام يخلص النفس من داء البخل، ويعودها على السخاء والإنفاق فى سبيل الله ،ولنا فى رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة فعن ابن عباس –رضى الله عنهما-قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِى رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ وَكَانَ يَلْقَاهُ فِى كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَ».


ويقول  صلى الله عليه وسلم: « مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا».


• وكذلك فإن الصوم يعود النفس على الاجتهاد فى العبادة،والتماس مواسم الخير التى تتضاعف فيها حسنات الطاعة فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ :«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ»(رواه مسلم ). والمعتكف فى هذه الليالى المباركة يلتمس ليلة القدر التى تزيد فى فضلها على عبادة ثلاث وثمانين سنة لقوله تعالى: {ليلة القدر خير من ألف شهر ( ٣ ) }(سورة القدر ). وهى فى هذه العشر فعن عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَإِنَّهَا رُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ فَالْتَمِسُوهَا فِى التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ»(البخارى ).


•  كما يؤصل فى النفس قيمة صلة الأرحام.فليلة القدر وفيها من الخير الكثير يحرم من إدراكه من كان قاطعا لرحمه،أو مخاصما لأخيه المسلم. فقد أخبر رسول الله أن الله لا يغفر لهؤلاء فى ليلة النصف من شعبان حين يغفر لخلقه وليلة القدر أولى ينزل الله إلى السماء الدنيا فيغفر لكل أحد إلا لمشرك أو مشاحن أو قاطع رحم».


•   والصيام يؤصل فى النفس أيضا  الصدق والأمانة ويخلصها من الكذب والخيانة. فالصوم أمانة والصائم يحفظها فى السر قبل العلن ، و يبرهن بصومه على صدق إيمانه .ومن المعلوم منزلة كل من الأمانة والصدق .فالأمانة عجز عن حملها غير الإنسان{ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)}(سورة الأحزاب) والصدق ممدوح فى غير آية فى كتاب الله { وَاذْكُرْ فِى الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا (٥٤) }( سورة مريم ) ،{ وَاذْكُرْ فِى الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (٥٦) }( مريم ).وكان رسولنا – صلى الله عليه وسلم – يلقب فى الجاهلية بالصادق الأمين مما يدل على معرفة البشرية بفضل الصدق والأمانة وقبح الكذب والخيانة اللذين قال عنهما الصادق المصدوق: «لا يجتمع الإيمان والكفر فى قلب المرء ولا يجتمع الصدق والكذب جميعا ولا تجتمع الخيانة والأمانة جميعا»(رواه أحمد ) والصائم لا يناسبه شئ من ذلك ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِى أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»(البخارى ).


•   كما يؤصل الصوم فى النفس  المراقبة والمحاسبة من قبل صاحبها فالصائم مطالب بحفظ صيامه باجتناب كل ما يفسده سرا وعلنا وعصيان النفس والشيطان طاعة للرحمن وهذا ينبغى أن يكون نهجها فى الشهور كلها ولا ينقطع بانصرام رمضان.


•  كما أن الصوم يكبح جماح النفس فيكسر شهوتها يقول المعصوم صلى الله عليه وسلم: “يا معشر الشباب مَنْ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ”(البخارى ).


•   كما يؤصل فى النفس ترك المحرمات كالغيبة والنميمة. وعلى الصائم أن ينتفع بصومه فيصلح من طباع نفسه كما أريد لها بالصوم حتى لا تخرج من الصيام خاسرة ومحرومة من خيراته كما أخبر الصادق الأمين: «رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهرُ» (رواه ابن ماجة ).


•  أخيرا وليس آخرا نبتهل إلى الله أن نكون ممن يصومون كما ينبغى أن يكون الصيام ،وأن نقوم كما ينبغى أن يكون القيام ،وأن نكون ممن يدخلون فى قول النبى –صلى الله عليه وسلم “ الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام أى رب منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعنى فيه ويقول القرآن منعته النوم بالليل فشفعنى فيه قال فيشفعان”(رواه أحمد ).


وفى الختام نبتهل سويا بالدعاء أن يعيد الله أيامه المباركة على المسلمين عامة وأهل مصر الحبيبة خاصة بالخير واليمن والبركات ومزيد من التقدم والرخاء.