التصوف وتزكية النفس

15/06/2016 - 11:00:56

بقلم - أحمد بان

فى خضم صراعات النفس مع الواقع الصعب ومشاحنات الحياة التى لا تنتهى ،يغفل الكثيرون عن علم تزكية النفس المؤمنة ،وهو علم عزيز لازال ينتظم اهتمام الملايين من المسلمين حول العالم ،وفى خضم الاهتمام بحركات الإسلام السياسى التى شغلت واقع الناس والأنظمة، صعود حركات الإسلام المسلح أو ظواهر العنف المتخفية وراء الإسلام ،وتراث الإسلام الذى لم يحظ حتى الآن بالعناية الواجبة فى تهذيبه، تبدو الحاجة ماسة فى ظل تراجع المستوى الأخلاقى لشعوبنا وترديها إلى هاوية الانحراف السلوكى والأخلاقى، مما نعاين آثاره حيثما يممنا وجوهنا وما بروز ظواهر التحرش الجنسى والقتل على أهون الوسائل وغيرها من الجرائم عنا ببعيد.


حالة من العطش الروحى إلى وحى السماء وطمأنينة الإيمان التى لا تتلبس بظلم السياسة أو أوحال الدنيا ومطامعها، هذا الدين الذى تحول من وسيلة للامتلاء الروحى والرقى بالأخلاق ،حتى أن كل عبادة فى الإسلام لم تقصد لذاتها بل كانت مقصودة لتحقيق غاية إيمانية والترقى بخلق ،فشهادة التوحيد تجعل الإنسان لا يخشى ولا يرجو إلا الله ،والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ،والصوم غايته تحقيق التقوى ،والحج تحقيق كامل الامتثال والطاعة لإله قادر عظيم ،والزكاة اختبار لبذل النفس وحملها على ماتكره بذله، كلها عبادات تقصد تحقيق معان فى النفس عبرأعمال جوارح لكن أعمال القلوب أمضى أثرا ،كما يقول أحد العارفين عمل القلب مقدم على عمل الجارحة ،فالقلب هو الذى يحب ويكره هو الذى يحسد ويغبط ،لذا كان تعهد هذا القلب وإصلاحه باعتباره قاطرة النفس البشرية كما يقول الرسول الكريم صلوات ربى وسلامه عليه حجر الزاوية « إن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح سائر البدن ،وإذا فسدت فسد سائر البدن ألا وهى القلب « فهو القائد للأعضاء وإصلاحه وتعهده فن عزيز برع فيه علماء السلوك فى ديننا من العارفين والأولياء، وقد سمى هذا العلم علم السلوك أو التصوف تلك الكلمة المتهمة لدى السلفيين والجهاديين ،والتى يتهمون أربابها بالبدعة والمروق من الدين على عادتهم فى تكفير المخالف والحكم بردته، حيث يعتبرون فرق المتصوفة هى الأخطر على أفكارهم لأنهم يسالمون الكون بكل ما فيه ،ويعتقدون أن إصلاح أحوال هذا الكون هى فى الانسجام معه وتعهد القلب بالإصلاح والتزكية بطريق الذكر والمجاهدة المستمرة ،يتمثلون قول النبى الأكرم حين قال فور عودته من غزوة من الغزوات « عدنا من الجهاد الأصغر للجهاد الأكبر « حيث وصف جهاد النفس بالجهاد الأكبر لذلك يقول أحد العارفين لمريد زاره وقد قدم من بعيد حين يبادره بالقول لقد قطعت إليك المسافات ،فيرد عليه العارف قائلا يابنى إن هذا الأمر ليس بقطع المسافات ،ولكن فارق نفسك بخطوة يحصل لك مقصودك


كثير من أزمات حياتنا هى فى مساحات لاظل فيها ولا فعل لنظام سياسي أو تحد اجتماعي أو معيشي،بقدر ماهى نتاج تدافع أمراض النفوس من كبر ومراء وحسد وبغضاء وأنانية وشهوانية وغيرها ،لذا كان غاية التصوف هو تهذيب النفس ورياضتها والعمل على قمعها عن جميع القواطع ،وذلك لأن النفس وإن كانت واحدة إلا أن لها أوصافا مذمومة وحجبا كثيرة ،هى فى حقيقتها موانع من الترقى والكمال ومن هنا سنجد أن التراث الصوفى وهو غنى جدا بصرف النظر عما علق به كغيره من العلوم من زيادات وإسرائيليات وهرطقات ،يرتبط ارتباطا وثيقا بدراسة النفس والتنبيه على عيوبها وحملها على الاستقامة وفطمها عن المألوفات ،كما يقول الشاعر «والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم «يقول الكلابادى» وأول مايلزمه أى السالك لطريق الله علم آفات النفس ومعرفتها ورياضتها وتهذيب أخلاقها « ويبين السهروردى فى عوارف المعارف أن الصوفية هم أقوم الناس بمعرفة النفس وخفاياها فيقول « وعلم النفس ومعرفتها ومعرفة أخلاقها من أعز علوم القوم « ويجعل الطوسى من جملة الآداب التى ترسمها الصوفية مجانبة النفس ومخالفتها فيرى « أنه مما تفرد به الصوفية وترسموه الصبر على دوام المجاهدة ومخالفة الهوى ومجانبة حظوظ النفس والمخالفة لها، إذ وصفها الله تعالى بأنها أمارة بالسوء والنظر إليها على أنها أعدى إعدائك الذين بين جنبيك ،كما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا الاستعمال هو الغالب على أهل التصوف ،لأنهم يريدون بالنفس الأصل الجامع للصفات المذمومة من الإنسان فيقولون لابد من مجاهدة النفس وكسرها، وبناء على مايراه علماء السلوك المتصوفة أن أول مايلزم المريد فى قصده سلوك الطرق الوقوف على معرفة حقيقة النفس ومخالفة حظوظها ،لتصير فى النهاية موافقة لمراد الله يقول ابن عطاء الله السكندرى وهو من أهم أعلام علماء السلوك « النفس مجبولة على سوء الأدب ،والعبد مأمور بملازمة الأدب فالنفس تجرى بطبعها فى ميدان المخالفة ،والعبد يردها بجهده عن سوء المطالبة فمن أطلق عنانها فهو شريكها فى فسادها» وقال ذو النون المصرى «مفتاح العبادة الفكر وعلامة الإصابة مخالفة النفس والهوى وقال سهل بن عبدالله «ما عبد الله بشىء مثل مخالفة النفس والهوى» تأمل من زعماء الدول العربية على مرالعصور أو زعماء حركات الإسلام السياسى خالف نفسه مرة، أو تخلى عن شهوة الحكم لتدرك أن كثيرا من مشاكلنا هى نتاج أمراض النفوس ،سواء أصابت الزعماء أم الرعية ويقول الحارث المحاسبى «فأهل الفهم راضوا أنفسهم وتدبروا فراضوا أنفسهم بترك الشهوات وقطع المنى فخمدت نيران شهواتهم ،ففارقوا الهوى جهدهم عما هدتهم إياه حتى ذلك انقمع» وقد سأل الإمام الشعرانى وهو من أعلام السالكين شيخه عليا الخواص عن أشد العذاب على العبد، فأجاب أشد العذاب سلب الروح ثم سأله عن أكمل نعيم فقال وأكمل النعيم سلب النفس «.. يقول الله تبارك وتعالى عن النفس «فألهمها فجورها وتقواها ،أى أن الله تعالى كما يقول الشعرانى ألهم النفس فجورها لتتجنبه وتعلمه، لا لتعمل به وألهمها تقواها لتعمل به وتعمله ،فهو إلهام وإعلام لا كما يظنه من لاعلم له بالحقائق ،ولذلك قال تعالى « وقد خاب من دساها» فالنفس إذن هى محل الإلهام والله ألهمها أى أفهمها قبح الفجور لتتجنبه ،وحسن التقوى لتعمل به وهذا تفسير رائع للشعرانى ،لأن أغلب المفسرين ذهبوا إلى أن النفس صالحة للفجور والتقوى ،والشعرانى يرى أن من أراد سلوك طريق النجاة فإن أول قدم له فى هذا القصد هى الخروج عن النفس، أى عن أخلاقها المذمومة بالمجاهدة التى تتباين فيها طرق فرق التصوف ،لكنهم يجتمعون فى أن وسيلتهم هى التعرض لأسماء الله الحسنى وتجلياتها فى النفس، والمدوامة على أذكار مخصوصة موافقة للكتاب والسنة، والابتعاد عن أى أذكار لم ترد فيهما فرسول الله صلى الله عليه وسلم جعل الذكر والصلاة بطريقته « صلوا كما رأيتمونى أصلى» ما أحوجنا الى هذا الفن الرفيع اليوم فى هذا الهجير ،وهو ما سنحاول التعرض له فى مقالات عن أعلام التصوف ومدارسهم فى إصلاح النفس إن شاء الله.