ملحمة الصائمين

15/06/2016 - 10:53:47

  الرئيس السادات يتابع تطورات القتال على الجبهة الرئيس السادات يتابع تطورات القتال على الجبهة

لواء: نصر سالم أستاذ العلوم الاستراتيجية بأكاديمية ناصر العسكرية العليا

فى كتابه «البحث عن الذات» «ص٣٢٦» يقول الرئيس الراحل أنور السادات :فى أبريل ١٩٧٣ جاء الرئيس حافظ الأسد إلى مصر فى زيارة سرية . كان الفريق الجمسى وقتها مدير العمليات بالقوات المسلحة، فأحضر لنا المذكرة التى دوّن فيها المواعيد المناسبة للعمليات الحربية على مدار السنة من وجهة نظر العلوم العسكرية، وقد كانت مكتوبة بخط يد الجمسى، لأنها سرية، وهى ثلاث مجموعات من الأيام. المجموعة الأولى فى مايو ١٩٧٣، والثانية أغسطس ١٩٧٣ والثالثة سبتمبر/ أكتوبر ١٩٧٣.


كانت أنسب هذه المجموعات، مجموعة أكتوبر وخاصة أن الجبهة السورية ابتداء من نوفمبر حتى الربيع غير جاهزة للعمليات نظرا للظروف الطبيعية هناك – «انتهت مذكرات السادات» لقد مر اختيار هذا اليوم بدراسات عدة فى كل من مصر وسورية .


ففى مصر ..كانت حسابات الظواهر الطبيعية لقناة السويس من مد وجذر، وشدة التيار وتغير اتجاهاته .لتحديد تأثيرها على وسائل العبور وبالتالى اختيار أفضل التوقيتات .


- تحديد طول الليل يوميا، لاختيار ليل طويل بحيث يكون النصف الأول منه فى ضوء القمر والنصف الثانى فى حالة إظلام، حتى يسهل تركيب وإنشاء الكبارى فى ضوء القمر، ويكون عبور القوات والأسلحة والمعدات فى الظلام .


دراسة حالة الأرصاد الجوية المناسبة لعمل القوات الجوية، وحالة البحرين المتوسط والأحمر لمعرفة أنسبهما لعمل القوات البحرية.


- دراسة جميع أيام العطلات الرسمية فى إسرائيل بخلاف يوم السبت وهو يوم إجازتهم الأسبوعية - حيث تكون القوات عادة أقل استعدادا للحرب - فكانت النتيجة أن لديهم ثمانية أعياد فى السنة . منها ثلاثة فى شهر أكتوبر هى «يوم كيبور» أو عيد الغفران، وعيد المظليين وعيد التوراة - ووجد أن «يوم كيبور» هو اليوم الوحيد خلال العام الذى تتوقف فيه الإذاعة والتليفزيون عن البث كجزء من تقاليدها فى هذا العيد، وهو مايؤثر على أى خطة استدعاء للاحتياط بالطريقة العلنية السريعة.


- أيضا كان شهرا سبتمبر وأكتوبر ١٩٧٣ مشغولين بانتخابات «الهستدروت» اتحاد العمال والكنيست الإسرائيلى - ٢٨ أكتوبر ١٩٧٣


وفى سوريا : فقد كان اختيار الوقت المناسب للهجوم ينحصر فى ثلاثة توقيتات هى: مايو أو أغسطس أو سبتمبر/ أكتوبر .


اتفقت الدراسة على كلتا الجبهتين على أن أفضل الشهور هو أكتوبر ١٩٧٣، حيث إن الظروف الجوية مناسبة للعبور وأن فترة الليل طويلة يصل الإظلام فى بعض أيامه إلى ساعات طويلة، فضلا عن أن حالة البحر مناسبة للعمليات البحرية.


والشهر يزدحم بثلاثة أعياد، وتستعد إسرائيل لانتخابات البرلمان.


ويأتى شهر رمضان المبارك خلال هذا الشهر “أكتوبر» بماله من تأثير معنوى على قواتنا، ولا يتوقع العدو الإسرائيلى قيامنا بالهجوم فى شهر رمضان ..شهر الصيام.


كانت هذه الدراسة البشرية.. عملا بقوله تعالى «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم، وآخرين من دونهم لاتعلمونهم، الله يعلمهم» وعملا بقول الرسول الكريم عليه صلوات الله عليه وسلامه «أعقلها وتوكل».


لقد قام صانعو القرار من ضباطنا بحساب كل صغيرة وكبيرة وهو «ما استطاعوا” وعمل ما لديهم من فكر وقدرة فيجمع الله كل دراساتهم لأنسب توقيت اختاره هو وهو شهر الصوم - شهر الصبر - شهر الانتصارات “بدر، مكة ...”هذا من ناحية اختيار التوقيت، وتوفيق الله فيه، فماذا كان ينتظر المقاتلون على خط النار - أى ماذا كان العدو الإسرائيلى يعد لهم؟


خط بارليف


إن بناء خط بارليف هذا اعتمد على عاملين أساسيين فى إنشائه..


عامل نفسى وعامل مادى


أما العامل النفسى فترجع قصته إلى الحرب العالمية الثانية عندما اقتحمت ألمانيا الدفاعات الفرنسية وفى مقدمتها خط ماجينو”أقوى خط دفاعى وقتها» واكتسحت القوات الفرنسية المدافعة خلفه ومعها القوات البريطانية التى فاق عددها النصف مليون جندى.. جميعهم فروا أمام الزحف الألمانى وألقوا بأنفسهم فى القنال الإنجليزى «المانش»، لينجوا من القتل أو الأسر، فمنهم من عبر المانش فى زورق ومنهم من ركب سفينة ومنهم من تعلق فى قطعة خشب أو ماشابه ذلك ومنهم من عبر سباحة - لقد كانت هذه معركة «دانكرك» التى أعلن بعدها رئيس الوزراء البريطانى «تشرشل» أن بريطانيا أصبحت مثل القوقعة التى فقدت صدفتها.. وأصيبت القيادة العسكرية البريطانية بالشلل والإرباك للدرجة التى جعلتهم يتشبثون بأى أمل.. كما يروى أحد ضباط العمليات النفسية فى هذه القيادة.. أنهم أتوا به أى قيادة العمليات النفسية، وكلفته بالعمل على إطلاق بعض الشائعات فى صفوف القوات الألمانية المتأهبة لعبور المانش واقتحام الشاطئ الإنجليزى لاحتلال بريطانيا.. عسى هذه الشائعات تجعل القيادة الألمانية تتأخر بعض الوقت فى هذا الهجوم، حتى تتمكن القوات البريطانية المنسحبة، من تنظيم الدفاع على الشاطئ الإنجليزى لمواجهة القوات الألمانية ومنعها من احتلال بريطانيا.. يروى هذا الضابط الإنجليزى وكان برتبة «الرائد» أنه لم يقتنع بهذه المهمة وتلقاها على مضض ولكنه لم يجد أمامه إلا التنفيذ وعلى أقل تقدير يحاول ذلك .


وفى طريقه إلى بيته للتجهيز والإعداد للمهمة مر على إحدى محطات الوقود كى يزود سيارته بالوقود، وعندما وقف بسيارته أمام الفنطاس الخاص بالوقود وجد أنه تخرج منه ماسورة عرضية يتفرع منها عدد من الصنابير التى تقف أمام كل منها سيارة للتزود بالوقود.. فخطرت فى ذهنه فكرة، سارع إلى مناقشتها مع أحد أصدقائه المتخصصين فى الكيمياء.. هذه الفكرة تتلخص فى إطلاق شائعة بين صفوف الألمان بأن الشاطئ الإنجليزى من المانش قد وضعت عليه خزانات كبيرة من البترول والزيوت الطيارة تتفرع منها أنابيب تغطى الساحل، وفى حالة اقتراب أى قوات ألمانية من الشاطئ ومحاولة اقتحامه سوف تطلق هذه الزيوت والوقود فوق المياه ويتم إشعالها لإحراق كل من يقترب منها..


نجح الرائد البريطانى فى بث هذه الشائعة بين صفوف الجنود الألمان بعد وصوله متخفياً إلى الشاطئ الفرنسى من المانش..


عندما علمت القيادة الألمانية بذلك، جهزت قوة اقتحام من القوات الخاصة ووضعتهم فى زوارق اقتحام بعد أن جهزت مكاناً ما على الشاطئ الفرنسى كنموذج للدفعات الإنجليزية طبقاً للشائعة.. ولقنت قوة الاقتحام بالمهمة.. وأخبرتهم أنهم فى حالة نجاحهم فى الاقتحام والاستيلاء على رأس شاطئ.. سوف يمنحون جميعاً وسام الصليب الحديدى وينالون أعظم الترقيات وفى حالة الفشل ومحاولة الانسحاب خشية النيران سوف تقوم السفن الألمانية من خلفهم بإطلاق قذائفها عليهم لتدميرهم وإغراقهم..


وبالفعل حاولت قوة الاقتحام الألمانية.. ولكنهم جميعاً فشلوا وأبيدوا عن آخرهم.


كانت هذه الشائعة ونتائجها كافية لأن تمتنع القوات الألمانية عن اقتحام الشاطئ الإنجليزى حتى نهاية الحرب العالمية الثانية وانتصار الإنجليز والحلفاء.


لم تكن هذه الفكرة فقط هى التى خطرت فى رأس المخطط الإسرائيلى وهو يخطط لبناء «خط بارليف» المنيع، بل إنهم درسوا واستفادوا من أعظم ثلاثة خطوط دفاعية عرفها العصر الحديث وهى خط ماجينو الفرنسى، وخط زجفريد الألمانى، وقوة التجريدة البريطانية.


وأما عن العامل المادى


فإن خط باريف الذى استند إلى أصعب مانع مائى، ورفعت الرمال لارتفاع عشرين متراً فوقه على حافة الضفة الشرقية للقناة ووضع تحت هذه الرمال خزانات النابالم المزود بمادة الصوديوم كى يشتعل ذاتياً بمجرد ملامسته للمياه، وأضيفت إليه مادة الفوسفور كى يستمر فى الاشتعال ولا ينطفئ بعزله عن الهواء.. أما عن تحصين الدشم والنقاط القوية لهذا الخط فقد كانت تمتنع عن التدمير بأى أسلحة تقليدية مهما كانت قدرتها.. وكانت هذه النقاط القوية مزودة بالأسلحة والذخائر والشئون الإدارية التى تمكنها من القتال وهى محاصرة لمدة خمسة عشر يوماً متصلة.


هذا الخط لم يكن شائعة مثل التى أطلقها البريطانيون ولكنه تم إنشاؤه أمام أعيننا وتجربة النابالم أمام قواتنا..


لقد وصف الجنرال «حاييم بارليف» رئيس أركان الإسرائيلى أثناء حرب الاستنزاف والذى سمى الخط باسمه بأن هذا الخط تم بناؤه بتكنولوجيا تسبق المصريين بخمسين سنة وسوف تحافظ إسرائيل على هذا الفارق الزمنى أى ستستمر فى تطوير خط بارليف.


ترى ماذا فعل جندنا الصائمون بهذا الخط المنيع.. هل انتظروا خمسين عاماً.. إنهم لم يجاروا الفكرة، ففاجأوا الإسرائيليين بأنهم استخدموا من الأساليب ما كان يستخدمه أجدادهم الفراعنة قبل خمسة آلاف من السنين فانهالوا على رماله التى تعلو عشرين متراً، بخراطيم المياه وتسلقوا ما بقى منها بسلالم الحبال.. أما فتحات النابالم القابعة تحت الساتر فقد عبر إليها مقاتلون من الضفادع البشرية ليلة الهجوم وسدوها بخلطة من الأسمنت المعالج.. تفاعلت مع المادة التى صنعت منها وتحولت إلى كتلة صماء يستحيل فتحها مرة أخرى.


أما “المزاغل “أى الفتحات التى تخرج منها الأسلحة لتغطى بنيرانها سطح القناة بالكامل فقد كان جندنا يتسابقون فى إغلاقها بأجسادهم الطاهرة وهم يرددون الله أكبر ما أحلى الجنة.


إن ساعات ستا كانت كافية لفرار ما تبقى من جنود إسرائيليين داخل النقاط القوية لخط بارليف بعد أن تمكنت قواتنا من اقتحامه والاستيلاء عليه، وأصبح لنا على الضفة الشرقية لقناة السويس خمس فرق من المشاة والمشاة الميكانيكى قوامها خمسون ألف رجل أخذت تتلقف احتياطيات العدو المدرعة التى تحاول توجيه هجماتها وضرباتها المضادة بكل ما تملك من قدرة لمنع قواتنا من استكمال تقدمها شرقاً.


لقد كان تدمير قواتنا لهجمات العدو المضادة ملحمة، عبر عنها الرئيس السادات بكل الفخر وهو يقول «إن معدل تدمير قواتنا للعدو هو تدمير لواء مدرع فى عشرين دقيقة» كانت هناك ملاحم فى الجو والبحر وفى عمق العدو وخلف خطوطه ولكننا فقط سلطنا الضوء على خط بارليف.


إن ما حققته قواتنا من قتال خلال عشرين يوماً من السادس إلى السادس والعشرين من أكتوبر كانت كافية لإقناع العدو الإسرائيلى، أننا لن نفرط فى ذرة رمل من أرضنا ولو لآخر قطرة من دمائنا.. فجنح إلى السلم وعرض استكمال إعادة الأرض بالتفاوض رغم الدعم الفائق الذى تلقاه من الولايات المتحدة الأمريكية أثناء القتال، وحاول به إخفاء الحقيقة عن العالم ولكنه لم يستطع أن يخدع نفسه.. وعادت كامل أرضنا سيناء..


حقاً.. لقد كانت ملحمة صنعها جيش الصائمين