من القصص الإسلامى أبو ذر الغفارى التقى الزاهد.. صادق اللهجة

15/06/2016 - 10:51:38

بقلم - رجائى عطية

صاحب العزم الصادق.. يمشى وحده.. ويموت وحده .. ويبعث وحده ..


« المسجد النبوى بالمدينة .. النبى ـ عليه السلام ـ فى صحابته وفيهم أبو ذر .. »


أبو ذر : ألا حدثتنا يا رسول الله عن بعض ما نقله إليك جبريل عن رب العزة ؟


النبى : وافانى جبريل عليه السلام بأن الحق تبارك وتعالى يقول « ياعبادى إنى قد حرمت الظلم على نفسى ، وجعلته بينكـم محرمـًا ، فلا تظالموا . يا عبادى ، إنكـم تخطئون بالليل والنهار ، وأنا الذى أغفر الذنوب ولا أبالى ، فاستغفرونى أغفر لكم . يا عبادى ، كلكم جائع إلا من أطعمته ، فاستطعمونى أطعمكم . ياعبادى كلكم عار إلاّ من كسوته ، فاستكسونى . ياعبادى ، لو أن أولكم وآخركم ، وإنسكم وجنكم ، كانوا على أفجر قلب رجل منكم ، لم ينقص ذلك من ملكى شيئًا . ياعبادى ، لو أن أولكم وآخركم ، وإنسكم ، وجنكم ، كانوا على أتقى قلب رجل منكم ، لم يزد ذلك فى ملكى شيئا . يا عبادى ، لو أن أولكم وآخركم ، وإنسكم ، وجنكم ، كانوا فى صعيد واحد ، فسألونى ، فأعطيت كل واحد منهم ما سأل ، لم ينقص ذلك من ملكى شيئًا ، إلا كماَ ينقُصُ البحر أن يُغِمس المخيط غمسةً واحدة . يا عبادى ، إنما هى أعمالكم أحفظها عليكم ، فمن وجد خيرًا ، فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك ، فلا يلومنّ إلاّ نفسه » .


* * *


« دار أبى ذر بالمدينة .. تكاد تخلو من المتاع ، الاّ من فراش بسيط .. يدخل رجل على أبى ذر فيقدم وسادة للزائر الذى جاء يهنئه بزواجه »


الزائر : هنيئًا لك يا أبا ذر .. ( مستأنفًا وهو يتلفت مغالبًا دهشته ) ولكن أين متاعكم ؟


أبو ذر : يا أخى ، أما لنا بيت نوجه إليه صالح متاعنا .. نذكر الله فيه ، ونتعبد له ؟!


الزائر : ودارك ؟! لا بد لك من متاع تعيش عليه ! ..


أبو ذر : هذا يكفينا ..


الزائر : وزوجك ؟! .. أَفَترضى بهذا الفراش الخشن؟!


أبو ذر : والله يا أخى لو تعلمون ما أعلم ما انبسطتم إلى نسائكم ، ولا تقاررتم على فرشكم .. والله لوددت أن الله عزّ وجَل خلقنى يوم خلقنى شجرة يؤكل ثمرها ..


الزائر : أو يمنع ذلك من أن تأخذ من الدنيا نصيبا ؟


أبو ذر : يا عجبًا كل العجب للمصدق بدار الخلود وهو يسعى لدار الغرور .. هلم بنا يا أخى إلى المسجد ، فإن نفسى تواقة إلى رسول الله ..


* * *


« حى من أحياء المدينـة .. يلتقـى شاب مسلم بأبى ذر .. يلفت نظره ما يرتديه أبو ذر .. يرى عليه جلبابًا قديمًا رثًا
باليًا .. »


الشاب : ( مترفقًا ) يرحمك الله أبا ذر .. أليس لك ثوب ترتديه غير هذا ؟!


أبو ذر : ألا يسترنى ؟!


الشاب : ولكنى رأيت معك منذ يومين ثوبين جديدين ؟!


أبو ذر : ( فى رفق ) يا ابن أخى .. قد والله أعطيتهما من هو أحوج إليهما منى ..


الشاب : والله إنك لمحتاج إليهما ..


أبو ذر : اللهم غفرًا ـ إنك لمعظم للدنيا .. ألست ترى علىّ هذه البردة ؟!


الشاب : أجل ..


أبو ذر : ولى أخرى لصلاة الجمعة ، ولـى عنزة أحلبهـا ، وأتـان أركبهـا ، فأى نعمة أفضل مما نحن فيه ؟!!


* * *


« فى حى من أحياء المدينة .. أحد السفهاء يسُب أبا ذر سبًا قبيحًا .. يهم أبو ذر بالـرد عليه ، ولكنه يتذكر عتاب الرسول صلى الله عليه وسلم له يوم أن أفلت لسانه »


أبو ذر : ( للرجل ) يا هذا ، لا تغرق فى سبنا ودع للصلح موضعًا ، فإنّا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه !


* * *


« مسجد قباء بالمدينة .. الرسول ـ عليه السلام ـ يجلس إلى أصحابه وفيهم أبو ذر »


النبى : ( سائلاً ) أيكم يلقانى على الحال الذى أفارق عليه ؟


أبو ذر : ( معاجلاً ) أنا يا رسول الله ..


النبى : ( للصحابة ) أبو ذر فى أمتى على زهد عيسى بن مريم .. من سره أن ينظر الى تواضع عيسى بن مريم فلينظر إلى أبى ذر ..


* * *


« يوم الفتح .. أحد أيام رمضان السنة الثامنة للهجرة .. أرتال المسلمين فى الطريق إلى مكة يمضى بينهم أبو ذر الغفارى .. النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ يتناول غصنى شجرة تتساقط أوراقها سراعاً .. فينادى أبا ذر »


النبى : ( مناديًا ) يا أبا ذر ..


« يقدم أبو ذر مسرعا .. »


أبو ذر : لبيك يا رسول الله ..


النبى : ( مشيرًا الـى غصنى الشجـرة ) .. إن العبد المسلم ليصلى الصلاة يريد بها وجه الله تعالى ، فتتهافت عنه ذنوبه كما يتهافت هذا الورق عن هذه الشجرة ..


« يتملى أبو ذر فى فرعى الشجرة وقد أخذت أوراقها تسقط تباعا .. ويطرق مفكرًا »


* * *


« يوم فتح مكة بمضيق الوادى عند سفح الجبل على مشارف مكة .. يقف العباس عم النبى ومعه أبو سفيان .. تمر أرتال المسلمين .. العباس وأبو سفيان ينظران ويتحدثان بما يشبه الهمس »


أبو سفيان : ( وهو ينظر مأخوذا ) ما كل هذه الجحافل يا أبا الفضل ؟ آمن هؤلاء ؟!


« خالد بن الوليد يمر من أمامهما فى نحو ألف من بنى سليم .. فـى عـدة ألوية .. خالد فى المقدمة .. بمحاذاتهما خالد يكبر ثلاثًا »


أبو سفيان : الغلام ؟!


العباس : نعم .. إنه خالد بن الوليد فى بنى سليم ..


« يظهرالزبير بن العوام فى نحو خمسمائة من المهاجرين وأفناء العرب .. الزبير يحمل راية سوداء .. حتى إذا صار بمحاذاتهما كبر ثلاثًا »


العباس : ( فى شىء من الزهو ) .. إنه الزبير بن العوام ..


أبو سفيان : إبن اختك !


العباس : نعم ..


« تظهر قبيلة غفار فى نحو ثلاثمائة .. يحمل رايتهم أبو ذر الغفارى .. فلما حاذوهما كبروا ثلاثًا »


أبو سفيان : يا أبا الفضل ، فمن هؤلاء ؟


العباس : بنو غفار .. فيهم أبو ذر ـ جندب بن جنادة ـ إنه سيد غفار منذ أسلم ..


أبو سفيان : ( ممرورًا ) مالى ولبنى غفار ؟!


« يتوالى مـرور قبائل أسلم ، وبنى كعب ، ومزينـة ، وجهينـة ، وكنانة ، وبنى بكر .. ثم تظهـر الكتيبة الخضراء .. بعـد برهـة يبدو الرسول عليه السلام يسير فيها على ناقته القصـواء بين أبى بكر وأسيد بن حضير يحدثهما »


العباس : ( فرحًا مزهوًا ) هذا رسول الله فى كتيبته الخضراء !


أبو سفيان : ( يردد مأخوذًا ) الكتيبة الخضراء ؟!


العباس : نعم .. فيها المهاجرون والأنصار .. فيها الرايات والألوية .. مع كل بطن راية ولواء ..


أبو سفيان : ( محزوناً ) يالكثرة الحديد فى هذه الكتيبة .. لا يرى منها الاَ الحدق .. مـا لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة .. والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيما !


العباس : يا أبا سفيان ، إنها النبوة !


أبو سفيان : فنعم إذن !


العباس : النجاء إلى قومك !


أبو سفيان : ( مستسلمًا وهو يمضى ) صدقت يا أبا الفضل .. صدقت ..


« يمضيان مسرعين .. »


* * *


« فى صحن الكعبة .. الرسول عليه السلام وحوله المهاجرون والأنصار .. يحطمون الأصنام بالمعاول والفئوس .. بينما يقف القرشيون مذهولين »


النبى : ( للقرشيين ) فما تظنون أنى فاعل بكم ؟!


القرشيون : أخ كريم وابن أخ كريم ..


النبى : اذهبوا فأنتم الطلقاء ..


« أرتال المسلمين تطوف مكبرة منشدة .. »


* * *


« حى من أحياء مكة .. حُوَيطـب بن عبد العزى يفر هاربًا .. يبحث عن مأوى يختبئ فيه مخافة انتقام المسلمين منه بسبب سوابق إيذائه لهم .. يستخفى خلف حائط ، فيشاهده أبو ذر .. »


أبو ذر : ( مناديًا ) لا تخف يا حويطب .. أنت آمن ..


حُوَيطب : ( متشككًا ) أحقًا تقول يا أبا ذر ؟!


أبو ذر : أجل .. أنت آمن ، فإن شئت أدخلتك على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإن شئت فاذهب إلى منزلك ..


حُوَيطب : وهل لى سبيل إلى منزلى ؟.. أخاف أن أُلْقى فأُقتل قبل أن أصل إلى منزلى ، أو يُدْخل علىّ منزلى فَأُقتل !..


أبو ذر : فأنا أبلغ معك منزلك ..


« أبو ذر يصاحب حُوَيطب حتى يبلغه منزله وهو ينادى بأن حويطب آمن .. »


« فى مجلس النبى ـ عليه السلام ـ بمكة .. يلحق به أبو ذر فيخبره بما كان من أمر حُوَيطب »


النبى : أو ليس قد أَمّنَا كل الناس يا أبا ذر ؟!!


« ينطلق أبو ذر فينادى بالأمان بين أهل مكة .. »


المسلمون : ( ينشدون ) قل جاء الحق وزهق الباطل ، إن الباطل كان زهوقًا ...


النبى : ( يتلو ) « إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا » ..


* * *


« النبى ـ عليه السلام ـ وسط صحابته .. يقدم إليه أبو ذر يسأله مترددًا أن يعطيه إمرة فى سبيل الله ورسوله .. »


النبى : ( لأبى ذر ـ فى رفق ) يا أبا ذر إنى أحب لك ما أحب لنفسى ، وإن بك ضعفًا ، وإنها أمانة ، وإنها يوم القيامة خزى وندامة ، إلاّ من أخذها بحقها وأدى الذى عليه فيها !


« أبو ذر طرق صادعًا .. يتقبل نصيحة النبى ـ عليه السلام ـ فى رضا وتسليم »


أبو ذر : فأوصنى يا رسول الله ..


النبى : أوصيك بخمس : « ارحـم المساكين وجالسهم ، وانظر إلى من تحتك ولا تنظر إلى من فوقك ، وصل الرحم وإن أدبرت ، وقل الحق وإن كان مُرًّا ، وأكثر من قول :
لا حول ولا قوة إلاّ بالله » ٠


* * *


« المسجد النبوى فى المدينة .. أبو ذر يستأذن الرسول فى الخروج إلى البيضاء فى مقابل الربذة ليرعى لقاحـه « الإبل الحوامل » التى هناك . »


النبى : ( لأبى ذر ) إنى أخاف عليك من هذه الضاحية أن تغير عليك ، ونحن لا نأمن من عُيينة بن حصن وذويه ، وهى فى طرف من أطرافهم !


أبو ذر : ( ملحًا ) يا رسول الله ، ائذن لى ..


« النبى ـ عليه السلام ـ يصمت ولا يجيبه .. »


أبوذر : ( معاودًا إلحاحه ) يارسول الله ، ائذن لى ..


النبى : ( محذرًا ) لكأنى بك ، قد قتل ابنك ، وأخذت امرأتك ، وجئت تتوكأ على عصاك ..


أبوذر : ( ملحاً ) ائذن لى يا رسول الله ..


« النبى ـ عليه السـلام ـ يصمت ولا يجيبه .. أبو ذر ينتهز صمته ، فيولى ماضيا إلى غايته »


* * *


« نفس المكان بالمدينة .. النبى ـ عليه السلام ـ فى رهط من أصحابه .. يقدم عليهم أبو ذر مطأطئًا محزونًا يتوكأ على عصاه » ..


صحابى : ما خطبك يا أبا ذر ؟!


أبوذر : ( محزونا ) والله ، إ نا لفى منزلنا ، ولقاح رسول الله قد رُوّحت وعُطّفت ، وحُلبت غنمتها ونمنا ، فلما كان فى الليل أحدق بنا عُيينة فى أربعين فارسًا ، فصاحوا بنا وهم على رءوسنا ، فأشرف لهم ابنى فقتلوه ..


« تنثال عبرات أبى ذر .. يغالب نفسه .. »


( مستأنفًا ) وكانت معه امرأته وثلاثة نفر فنجوا ، وتنحيت عنهم وشغلهم عنى إطلاق عُقُل اللقاح ، ثم صاحوا فى أدبارها ، فكان آخر العهد بها ..


« الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقبل عليه هو والصحابة .. يواسونه .. »


أبوذر : ( بعد برهة مؤنبا نفسه ) عجبا لى !!! إن رسول الله يقول لى « كأنى بك » ، وأنا ألح عليه !! .. فكان والله ما قال رسول الله !!!


( يطرق محزونا ) ..


( بعد برهة يخاطب نفسه معزيًا ) صدق والله رسول الله !! إنما يولدون للموت ويعمرون للخراب !!


* * *


« المسجد النبوى .. النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ فى مجلسه بين الصحابة .. تقبل عليه امرأة أبى ذر ، على ناقة من لقاح رسول الله نجت عليها .. تخبر النبى ـ عليه السلام ـ بما كان ، ثم تطفق تسأل ..... »


امرأة أبى ذر : يا رسول الله ، إنى نذرت إن نجٌانى الله على هذه الناقة أن أنحرها فآكل من كبدها وسنامها .


« النبى يتبسم فى إشفاق .. »


النبى : ( مترفقًا ) بئس ما جزيتها أن حملك الله عليها ونجَاك ثم تنحرينها ! إنه لا نذر فى معصية الله ولا فيما لا تملكين ، إنما هى ناقة من اللقاح فارجعى إلى أهلك على بركة الله !


* * *


« النبى ـ عليه السلام ـ بظاهر المدينة ومعه أبو ذر .. »


النبى : يا أبا ذر


أبو ذر : لبيك يارسول الله


النبى : أرأيت إن اصاب الناس جوع شديد لا تستطيع معه أن تقوم من فراشك إلى مسجدك كيف تصنع ؟


أبو ذر : الله ورسوله أعلم


النبى : يا أبا ذر أرأيت إن أصاب الناس موت شديد كيف تصنع ؟


أبو ذر : الله ورسوله أعلم


النبى : اصبر ـ إن بين أيديكم فتناً كقطع الليل يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسى كافرًا ، ويمسى مؤمنا ويصبح كافرًا .. القاعد فيها خير من القائم والقائم خير من الماشى والماشى خير من الساعى ..


أبو ذر : فما تأمرنا يا رسول الله ؟


النبى : كونوا أحلاس بيوتكم ..


* * *


« فى العام التاسع للهجرة ، وقد أتت الأنباء بأن الروم يجهزون عند تبوك جيشاً يغزون به المسلمين .. الأيام أيام حر وقيظ .. والضروع مُجدبة .. لا نبت ولا كلأ .. والمسلمون يلقون أشد العناء فى إعداد أنفسهم لصد الهجوم الرومى المرتقب ، حتى قال قوم من المنافقين بعضهم لبعض : لا تنفروا فى الحر ، فنزل قوله تعالى : « فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ
وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا
يَفْقَهُونَ * فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ » ( التوبة٨١ ، ٨٢) ..


ج « دار أبى ذر بالمدينة .. زوجه تعينه على تجهيز زاده للسفر .. وعلى مقربة يقف بعيره بادى الضعف والهزال .. »


الزوجة : ( مشفقة ) كيف بالله ستخرج بهذا البعير الضعيف الأعجف ؟ !


أبو ذر : لقد أعلفته أيامًا ..


الزوجة : ولكنه لا يزال كما ترى .. والطريق إلى تبوك شاق وطويل .. والقيظ شديد .. وما أرى إلاّ أن هذا البعير لن يقوى على الطريق ..


أبو ذر : ( مستنكراً ) أتريديننى أن أتخلف عن رسول الله وهو ناهض لجهاد الروم ؟!!


الزوجة : حاشاى .. ما لهذا أردت .. ما أردت يرحمك الله إلاّ أن أتدبر معك الوسيلة ..


أبو ذر : أما تعلمين أنه جيش العسرة .. قد والله رجع كثيرون باكين محزونين لأن الرسول لم يجد ما يحملهم عليه ..


الزوجة : أوسيحملك هذا البعير الأعجف ؟


أبو ذر : ( فى تصميم ) إذن أمشى ..


« أبو ذر يحتمل زاده ويقود بعيره ويخرج .. »


* * *


« فى صحراء موحشة قاحلة ـ المجاهدون الذين نهضوا لدفع الروم يمضون فى طريقهم إلى تبوك .. الظروف بالغة العسر . حر لافح ، وريح ساخنة عاصفة ..يتساقط الرجال وتتساقط العير من الإعياء والعطش .. ويتخلف البعض عجزا عن متابعة المسير »


أنصارى : ( مستفسرًا ) .. أين كعب بن مالك .. هل رآه أحد ؟!


مهاجر : ما رأيناه !! .. ربما تخلف فى بعض الطريق ..


الأنصارى : ( مناديًا ) يا رسول الله .. تخلف كعب بن مالك !.


النبى : دعوه .. إن يك فيه خير ، فسيلحقه الله بكم ، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه.


المهاجر : يا رسول الله .. وقد تخلف أبو ذر !.


النبى : دعوه .. إن يك فيه خير ، فسيلحقه الله بكم ، وان يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه.


* * *


« أبو ذر مجهداً وحيداً ببعيره فى الصحراء .. البعير جاثِ على الأرض .. وأبو ذر يحاول أن يعينه على السير ، ولكن البعير لا يقوى على النهوض وقد أشرف على الهلاك ..يحتمل أبو ذر قربته وما بقى من زاده .. ويغذ السير مترجلاً يضرب على قدميه فى الصحراء الموحشة تبدو عليه آثار الإجهاد الشديد والعطش »


أبو ذر : ( كالمخاطب نفسه ) إيه .. القيظ والظمأ ، ووحشة الطريق ؟! .. ماذا تقولين
يا نفس ، وبأى شىء تتحدثين ؟! .. أى قيظ وأى ظمأ ؟! لئن أموت عطشا تتلقفنى سباع الطير فى الصحراء .. خير من أن أتخلف عن رسول الله ..


« يواصل السير فى إعياء ومشقة بالغة .. »


* * *


« المسلمون ، وقد عسكروا فى الطريق لبعض الراحة .. يصلحون من أمورهم ويتفقدون الزاد والعير والإبل .. الرسول ـ عليه السلام ـ يمر بين المجاهدين يشجعهم ويواسيهم .. بعـد فترة يبدو شبح لرجـل قـادم من وراء الأفق .. »


مهاجر : ( مناديًا ) .. يا رسول الله .. ها هو رجل قادم من وراء الأفق .. إنه يمشى وحده !!


« المهاجر يشير إلى موضع الشبح القادم .. »


النبى : ( متمنيًا وهو يرنو إلى حيث أشار المهاجر ) ..


كن أبا ذر .. كن أبا ذر ..


« يزداد اقتراب الشبح رويدًا رويدًا حتى تبين ملامحه .. يتعرف عليه بعض المسلمين ، فيهللون فرحًا »


المسلمون : ( فرحين ) يارسول الله .. هو والله أبو ذر .. هو والله أبو ذر ..


النبى : ( يتأمل مغتبطاً فى القادم البعيد ) يرحم الله أبا ذر .. يمشى وحده ، ويموت وحده ، ويبعث وحده ..


« أبو ذر يصل الى معسكر المجاهدين .. يتلقاه المسلمون فرحين مهللين مكبرين .. ما يكاد يقف بينهم حتى يسقط إعياءً ! »


المسلمون : ( لأبى ذر ) ظنناك قد تخلفت !!


أبو ذر : ( مغالباً إعياءه ) قعد بعيرى عن السير .. ثم هلك ، فاحتملت متاعى حتى لحقت بكم ..


« الرسول ـ عليه السلام ـ يقترب من أبى ذر ويضع عنه متاعه ، ويمسح بيـده الكريمـة الحانيـة عليـه .. ثم يسقيه حتى يرتوى »


النبى : ( لأبى ذر مواسيًا ) إن كنت لمن أعز أهلى علىّ تخلفا ـ لقد غفر الله لك يا أبا ذر بكل خطوة ذنبا حتى بلغتنى ..


« تتصاعد تكبيرات المسلمين .. »


* * *


« بعد شهور .. فى المسجد النبوى بالمدينة .. يدخل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيتفقد أبا ذر حتى يجده .. »


النبى : ( حانياً ) يا أبا ذر .. أنت رجل صالح .. وسيصيبك بلاء بعدى ..


أبو ذر : (سائلاً ) فى الله ؟


النبى : فى الله ..


« يبدو الارتياح على أبى ذر .. »


أبو ذر : مَرْحبًا بأمر الله ..


النبى : يا أبا ذر ـ فكيف أنت إذا أدركك أمراء يستأثرون بالفىء ؟


أبو ذر : ( متحمسًا ) إذن والذى بعثك بالحق لأضربن بسيفى ..


النبى : أفلا أدلك على خير من ذلك ؟


أبو ذر : نعم ..


النبى : اصبر حتى تلقانى ..