رقية وعثمان

15/06/2016 - 10:49:29

أحمد سعدة

إن رسالة اليوم قررت أن أحكيها وأكتبها بنفسى.. قررت أن تكون مختلفة عن كل الرسالات السابقة.. واليوم سأجلس أمامكم على كرسى الاعتراف، لكن لن أحكى عن نفسي.


سأجلس لأحكى لكم عن قصة من التاريخ.. قصة حب من نوع خاص.. قصة حدثت منذ أكثر من ألف عام بين رجل وامرأة.. قصة ربما تجدد الأمل فى القلوب التى ملأها اليأس والإحباط..


كانت هناك فتاة يعرفها الكل بأنها جميلة، رقيقة، راقية، مبتسمة.. وتلك مواصفات نادرًا ما تجتمع فى فتاة تعيش فى ظل بيئة بدوية قبلية خشنة شديدة الحرارة..


تزوجت من ابن عمها عتبة ابن أبى لهب.. وبعد البعثة أراد أبولهب أن يكسر قلب الرسول، فأجبر ابنه عتبة على تطليقها قبل أن يدخل بها.. وعادت «رقية» بنت الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام إلى بيت أبيها مطلقة منكسرة..


تقدم لخطبتها ذلك الشاب الغنى الوسيم الكريم العفيف.. ووافقت عليه عن حب وكرامة.. تزوجها وهو يعلم أن أهله سيغضبون عليه، ولن يشاركوه فرحته.. 


وأصبح «عثمان ورقية» أجمل وأشهر زوجين متناسقين يعيشان فى محبة وسعادة وسلام.. يعرفهما الجميع ويتحدثون عن جمالهما..


وحينما أرسل الرسول «أسامة بن زيد» بقطع من اللحم إلى بيت عثمان ورقية، سأله بعد عودته: «هل نظرت لهما يا أسامة؟» أجاب أسامة: نعم..


سأله مرة أخرى وهو متلهف ومبتسم: «هل رأيت زوجا أحسن منهما؟». أجاب أسامة: لا..


تلك هى المسئولية والمشاعر الإنسانية التى يشعر بها أى أب تجاه بناته، حتى لو كان الرسول.. فالرسول كان ككل آباء هذا العصر يفتخر بابنته وبجمالها، بعيدًا عن ذلك الهوس المنحط الذى يتعامل مع كل ما هو مؤنث باعتباره مثيرا للغرائز والشهوات..


ولما اشتد الأذى على المسلمين، أمر النبى «عثمان ورقية» بالهجرة إلى الحبشة.. وهناك على هذه الأرض الجبلية الوعرة، حملت رقية وأسقطت جنينها الأول.. ومرضت، واشتد شوقها وحنينها لأبيها وأمها وأرضها وأخواتها..


وفى تلك الأثناء كان عثمان هو من يخفف عنها آلامها ويرعاها ويعتنى بها ويحنو عليها.. وحملت ثانية ووضعت ولدًا أسمياه عبدالله..


وبعد هجرة المسلمين للمدينة، عاد «عثمان ورقية» ليهاجرا للمدينة ومعهما طفلهما.. لكن للأسف لم تجد رقية أمها «خديجة «.. وبكت بكاءً شديدًا، وسألت أين أمي؟..


لقد ماتت أمك يارقية بعد الحصار فى شعب أبى طالب، وبعد ثلاث سنوات من الظلم والعذاب..


هنا فى المدينة حيث الأوبئة والأمراض، استقرت «رقية» مع زوجها عثمان بعد غربة فى الحبشة فقدت خلالها جنينها، وماتت أمها.. لتتوالى عليها النكبات.. وكان ما يخفف عنها هو طفلها الذى أخذ ينمو ويكبر أمام أعينها فى سعادة.


وما أن أتم ست سنوات، حتى مات هو الآخر بعد أن نقره «ديك» فى عينه.. لتنتقل «رقية» من بلاء إلى ابتلاء..


مرضت «رقية» الجميلة الرقيقة لوفاة ابنها، واشتد عليها المرض، وحزن الرسول كثيرًا لحزنها.. وكالعادة كان «عثمان» هو طبيبها..


فى تلك الأثناء كان الصدام العسكرى الوشيك بين المسلمين وقريش قد بلغ مداه.. المسلمون أعدادهم لا تتجاوز ثلاثمائة محارب، وقريش أعدادهم تتخطى الألف رجل.. والفريقان سيلتقيان وجهًا لوجه عند بئر بدر..


نسبة النصر للمسلمين ضئيلة..


الرسول كان بحاجة لكل رجل فى هذه المعركة الحاسمة المرتقبة.. إنها حرب تحديد المصير.. نكون أو لا نكون.. إنها فى تقديرى أهم معركة فى تاريخ المسلمين.


الصحابة فى ارتباك بسب أعدادهم، والرسول ينظر للسماء ويدعو الله بقلق بالغ: «إن تُهزم هذه الفئة، لن تُعبد فى هذه الأرض بعد اليوم.!»


اتجه الرسول إلى بدر، بعد أن خسر جهود «عثمان» كواحدٍ من أهم محاربيه، بعدما سمح له أن يجاور «رقية» فى مرضها..


وبينما يخوض الرسول حرب تقرير وجود ضد قريش، اشتد المرض على رقية حتى فاضت روحها إلى الله..


ماتت تلك الصغيرة البريئة فى مقتبل عقدها الثالث.. ماتت رقية بين يدى زوجها وحبيبها «عثمان»..


لقد آن لكِ الآن أن تستريحى يا رقية، وتلتقى بأمكِ وولديكِ.. آن لكِ أن تستريحى من عناء الدنيا ونصبها وتعبها..


عاد الرسول من بدر منتصرًا، ومشتاقًا لرؤية ابنته رقية.. عاد ليجدها قد فارقت الحياة وعلى وجهها ابتسامة رضا أبدية، وفى عينى «عثمان» أحزان ودموع لا تجف.. لكن عند الله تجتمع الأحبة يا رسول الله..


تلك قصة رومانسية حقيقية لن تراها فى أفلام الدراما التركية.. ولن تقرأها فى اعترافات نص الليل المعتادة.


وقد قررت أن أحكيها لكم لتعلموا أننا لسنا بهذا الحد من البشاعة والفظاعة.


نحن فقط لم نقرأ التاريخ كما ينبغى..