تنـوع مصـادر الطاقـة .. نقطة الانطلاق السليم لتحقيق التنمية الشاملة لمصر

15/06/2016 - 10:27:04

لواء د. مصطفى كامل محمد

يعـتبر موضوع التوجه لامتلاك التقنية النووية من أهم القضايا المطروحة فى ساحة الفكرعلى مستوى الدولة المصرية، بل أصبح هذا الموضوع من أكثر الموضوعات جدلا بين المفكرين السياسييـن والاستراتيجيـيـن، سواء كانوا من داخل الإطار الإقليمى لمنطقة الشرق الأوسط أو من خارجه، أو من بين المثقفيـن والمفكرين المصريين أنفسهم، كل يعـتلى منصة حججه يدافع عن وجهة نظره، إذ تدور الإشكالية الأساسية حول ما إذا كان توجه مصر للدخول فى عـصر التقـنيـة النووية سيؤدى إلى التنمية الشاملة، أم أن إحداث التنمية الشاملة أولا هى التى ستؤدى إلى امتلاك التقنية النووية للأغراض السلمية، أيهما يـقـود الآخر، التقنية النووية أم التنمية الشاملة.


لقد احتدم الجدل بين الفـريـقـيـن، فالفريق الأول يتبنى فكرة التوجه لامتلاك التقنية النووية، أما الفريق الثانى فإنه يرى ضرورة تكريس جهود الدولة لإحداث التنمية الشاملة أولا، ثم بعـد ذلك تتم دراسة فكرة التوجه لامتلاك التقنية النووية للأغراض السلمية، وكأن الفريق الأول قد أسقـط من اعـتباراته وحساباته إحداث هذه التنمية من خلال امتلاك التقنية النووية، ويتركز هذا الخلاف بين الفريقين عـلى منطقة الضبعـة، إذ إن الفريق الذى يسعى إلى إحداث التنمية أولا يرى فى موقع منطقة الضبعة المخصص لإنشاء أول محطة نوويـة لتوليـد الطاقـة الكهربية موقعـا سياحيا فريـدا، يمكن من خلاله اسـتـكمـال محور التنمية السياحية كجزء رئيسى من عـملية التنمية الشاملة لمصر، وذلك بإنشاء المنتجعات والقرى السياحية التى تتكامل مع مثيلاتها شمال وجنوب هذا الموقع، وبالتالى يُمكن التوسع فى إنشاء المحطات الحرارية والكهرومائية والشمسية لمزيـد من إنتاج الطاقة الكهربائية اللازمة لإحداث وتحقيق التنمية الشاملة للدولة، بينما يـرى الفريـق الآخر أن الحاجة الاستراتيجية الملحة تفرض ضرورة إقامة المحطة النووية لإنتاج الطاقة النووية فى هذا الموقع، بل إنشاء غـيرها من المحطات النوويـة لتوفير الطاقة اللازمة لإحداث وتحقيق التنمية الشاملة، باعـتبار أن الطاقة الكهربائية تعـتبـر عـصب التقدم، وحتى يمكن توفـيـر البترول والغاز الطبيعى الذى تستهلكه المحطات الحرارية ذات القدرات المحدودة ، والتى تستهلك أكثر من ٧٠ ٪ من إجمالى إنتاج مصر، والتى تكلف أكثر بكثير من إقامة محطات نووية ذات قدرات فائقـة، باعـتبار أن الحرارة المتولدة من انشطار رطـل واحـد من الـيـورانـيـوم تعـادل الحرارة المتـولـدة من احتراق ١٢٥٠ طنا من الفحم، أو ما يعادل إنتاج ١١ مليون كيلووات ساعة من الكهرباء، وبالتالى فإن لم تسارع مصر فى دخول عـصـر الطاقة النوويـة ستعـتمـد الدولة المصرية على ما تستورده من البترول والغاز الطبيعى على المدى المتوسط، وهـو ما سيرهـق المقـدرة الاقتصاديـة المصريـة الساعـية لجذب الاستثمارات من الداخل والخارج لإنشاء مزيد من المصانـع التى تحتاج إلى طاقة كهربائية هائلة، كما أن بناء مثل هذه المحطات فائقة القدرة ستؤدى إلى دعـم المقدرة الاقتصادية من خلال تصدير فائض إنتاجها من البترول والغاز الطبيعى، أو من خلال تصنيعه بما يؤدى إلى تراكم القيمة المضافة، بالإضافة إلى ذلك فإنه يُمكن استخدام التقـنية النوويـة فى استخدامات سلمية عديدة كإنتاج النظائـر المشعة اللازمة للتشخيص والعلاج والتعـقـيـم، وكذا المعـالجات الغـذائية بالإشعاع، بل يمكن استخدام مثل هذه الطاقة الفائقة المتولدة من المحطة النووية فى تحلية مياه البحر - وهـو الأهم - باعـتبار أن مصر دخلت فعلا ضمن دول الفـقـر المائى . وقـد أبرزت الدراسات التى أجرتها وزارة الكهرباء وتحملت الدولة المصرية تكاليفها الباهـظة مدى جدوى هذا المشروع قياسا بالبدائل المتعـددة الأخرى المتاحة لإنتاج الكهرباء، حيث أبرزت هذه الدراسات أولا مدى احتياج مصر لإنتاج ما لا يقل عن ثلاثـة آلاف ميجاوات من الكهرباء سنويا، وهـو ما لا يمكن توفيره بواسطة أى من البدائل المطروحة، كما لا يمكن نقل هذا المشروع الحيوى جدا لإحداث التنمية الشاملة لمصر وذلك لحجم الاستثمارات التى تم إنفاقها فى هذا الموقع، والجهد والوقت الذى تم استغـراقه فى تـنـفيـذ الأعـمال الابتدائية المؤهلة لتـنـفـيـذ هذا المشروع العملاق، خاصة تلك التى تختص بمواصفات الأمان التى تتسق مع المعايير العالمية والتى أصبحت ميسرة بما يضمن عنصر الأمان المطلوب توفيره فى مثل هذا المشروع.


وللتدليل عـلى مدى الأهمية المطلقة لإنشاء هذه المحطة النووية من وجهة نظر هذا الفريق، فإنه يمكن وضع تجربة كوريا الجنوبية موضع التطبيق ، فعـندما امتلكت كوريا محطة نووية واحدة استطاعـت أن تـنـتـقـل من تصنيف الدول متـدنـيـة الدخل إلى تصنيف الدول متوسطة الدخل، وعـندما امتلكت أربع محطات نوويـة استطاعـت كوريـا أن تحتـل المرتبـة الرابعة فى قارة آسيا والمرتبة الثالثة عـشرة فى العالم فى معـدل الإنماء، وتحـتـل المرتـبـة الخامسة عـالميا فى تصديـر السيارت، وتأتى فى المرتبة الأولى عـالميا فى مجال بناء السفن وتصنيع القطارات فائقة السرعـة (٣٥٠ كم / ساعة) ، وعـندما تستكمل كـوريـا بناء محطات تولـيـد الكهرباء نـوويـا ليصبح إجمالى عـددها ٢٨محطة، فسوف تتمكن من استكمال مخططها الاستراتيجى للتنمية الشاملة، وتتمكن من تحقيق صعـودها المتسارع لتنتقل إلى مصاف الدول الكبرى، إن لم تنتقل إلى مصاف الدول العـظمى اقتصاديا وعـلميا وتكنولوجيا واجتماعـيا، فهل يمكن أن تنهج مصر ذات النهج الذى اتبعـته كوريا الجنوبية التى استطاعت به أن تحتل هذه المكانة الإقـلـيمـية والدولـية الرفيعـة ؟ وفى هـذا السياق يجدر الإشارة إلى أن مصر قـد تلقـت عـرضا ممتازا من ألمانـيـا لإنـشـاء مفاعـل الضبعـة، ولكن الأمر الغـريب هـو التدخل المريب للولايات المتحدة الذى حال دون إتمام هـذا العـرض !


أما الفريق الثانى فيستند فى تحليله لموضوع التوجه النووى لتوليد الطاقة أولا إلى أنه قـد تم الاتفاق فعلا مع روسيا لإنشاء المفاعـل النووى فى منطقة الضبعة، وأن تكلفته المادية والزمنية ثانيا لا تتسق مع قدرته الإنتاجية، إذ تقدر تكلفة إنشائه بنحو ٢٥ مليار دولار، وأن تمويله سيكون قـرضا من روسيا، وأن قدرته على إنتاج الطاقة النووية ٤٨٠٠ ميجا (١٢٠٠ ميجا للمفاعل الواحد) ، وأن الإنتهاء من إنشائه سيستغرق زمنا طويلا ( ٨ ـ ١٢ سنة )، فلماذا الإقدام على مشروع قد ينتهى فى نهاية الرؤية الاستراتيجية لتنمية الدولة ( ٢٠٣٠ )، فى حين أنه يمكن إنشاء محطة حرارية فى أقل من ٤ سنوات وبتكلفة تقل ١٠ مرات عن تكلفة إنشاء المفاعل النووى، ولماذا نبدأ فى استخدام الطاقة النووية المحفوفة بالمخاطر فى الوقت التى تعتزم فيه بعض الدول المتقدمة جدا فى هذا المجال التخلص منه (ألمانيا وآخرين)، وهل يُمكن لمصر إنتاج الوقود النووى اللازم لتشغيل هذه المحطة النووية، أم سيتم استيراده من روسيا كمصدر وحيد باعتبارها دولة المنشأ لهذه المحطة، الأمر الذى قد يؤدى إلى مبدأ الاحتكار وبالتالى التبعية لروسيا، وما هو الوضع إذا ما تعـرضت العلاقات المصرية الروسية للخلاف والتوتر، فالمتابع للموقف الروسى يمكنه ملاحظة أن هناك تحولا ولو بالنذر القليل فى الموقف الروسى بعـد حادثة الطائرة الروسية، كما يمكن ملاحظة تحول الموقف الروسى تجاه سوريا التى كان لها الفضل فى تواجدها فى المياه الدافئة للبحر المتوسط، الحلم الدائم لروسيا القيصرية، وروسيا السوفييتية، وروسيا الاتحادية


ويرد الفريق الأول على وجهة نظر أصحاب الفريق الثانى بأن محطة الضبعة النووية تتكون من مفاعلين نوويين، كل مفاعل يتكون من أربع وحدات، كل وحدة يمكنها إنتاج ١٢٠٠ ميجاوات ليكون إجمالى إنتاج المحطة هو ٩٦٠٠ ميجاوات، وقد تعهدت روسيا فى مذكرة التفاهم (بين القاهرة وموسكو)، على أن روسيا ستكون مسئولة مسئولية مباشرة عن تدريب أطقم التشغيل والصيانة، وتزويد المفاعلات بالوقود النووى، وأنها ستكون مسئولة عن ضمان سلامة المحطة وتوفير الأمان وفقا للمقاييس والمعايير العالمية، على أن تكون مصر ملتـزمة بسداد تكلفة الإنشاء بأقساط مريحة على مدى زمنى طويل، وعلى أن يبدأ سداد القسط الأول بعـد تشغـيـل المحطة.


وفى رأيى أنه ينبغى أن تتعدد مصادر الطاقة خاصة فى مجال الطاقـة الكهربية النظـيـفـة والمتجددة، التى يمكن إنتاجها من المياه والرياح والشمس ومحاصيل الوقود الحيوى، إذ يمكن لمصرأن تصبح أكبر منتج ومصدَر لها فى منطقة الشرق الأوسط ووسط إفريقيا وأوربا، ما إذا أحسنت استغلال واستخدام المنطقة غـرب المنطقة المخصصة لإنشاء المفاعـل الـنـووى بالضبعة أفضل استخدام فى إنتاج الطاقات الكهربائية النظيفة المتنوعة، والتى بإنتاجها واستهلاك حاجتها منها فى مشروعات التنمية المختلفة وفقا للتخطيط الاستراتيجى لأقاليمها الاقتصادية المختلفة، تستطيع مصر أن تنتقل من قائمة أفقر ٣٥ دولة فى العالم إلى مصاف الدول متوسطة الدخل، ثم إلى مصاف الدول عالية الدخل، وتحتل المكانة اللائقة بها إقليميا وعـالميا، حيث يمكنها تصديـر فائض هـذه الطاقات الكهربائية إلى دول جنوب الصحراء خاصة دول منابع النيل القريبة التى تفتقر إلى الطاقة لإحداث التنمية المنشودة والتى تأملها (السودان – جنوب السودان – أوغـندا – الكونغـو – كينيا – رواندا- بوروندى)، بما يمكنها من تعـزيز العلاقات التعاونية معها، وكذا إلى دول جنوب القارة الأوربية الساعـية إلى استخدام الطاقة النظيفة، حيث تعـتبر مصر هى حلقة الوصل بين الشمال والجنوب، وبين الشرق والغـرب، إذ يشير الواقع إلى أن هذه المنطقة تأتى على قمة المناطق التى تسطع فيها الشمس وتهب عليها الرياح المعـتدلة طول العام تقريبا فى العالم، الأمر الذى يؤهلها إلى أن تكون من أكثر المناطق كفاءة لتوليد الكهرباء من الشمس ومن الرياح وفقا لدراسات بعـض الشركات الألمانية والفرنسية التى تسعى إلى تنفيذ هذه المشروعات كشريك، فإذا ما عـلمنا أن إحياء مشروع منخفض القطارة العـملاق لتوليد الكهرباء من تساقط وتدفق المياه إلى هذا المنخفض ذى المساحة الكبيرة، والمنسوب الذى يصل إلى ١٤٥ مترا تحت سطح البحر ، سيضيف قدرة متعاظمة من الكهرباء، لأدركنا على الفور أن مصر يمكن لها أن تصبح مركزا لإنتاج وتوزيع وتصدير الطاقة النظيفة، إذ يمكن تحقيق هذا المشروع بشق قناة من شمال منطقة الضبعـة إلى المنخفض مباشرة (حوالى ٧٠ كم)، كما يمكن إضافة كميات هائلة من الطاقة الكهرومائية، خاصة عـندما يتم إنشاء محطات تحلية المياه التى تستطيع تلبية مطالب رى وزراعة محاصيل الوقود الحيوى على المساحات الشاسعة فى الصحراء الغـربية، وبذلك تستطيع مصــر أن تحقق توازن المكانة عـندما تتمكن من تعـظيم قدرتها الاقتصادية لتتسق مع مقدرتها السياسية والعسكرية، حيث إنها القدرة التى ما زالت متأثرة بالسلب.


والله من وراء القصد وهو يهدى السبيل.