المشروع النووى.. كيف تسير الأمور؟

15/06/2016 - 10:24:41

بقلم - محمد مجدى بدر الدين نائب رئيس هيئة المحطات النووية سابقا

يعتبر المشروع النووى المصرى لتوليد الكهرباء والمحاولات المتكررة منذ الستينيات لوضعه موضع التنفيذ، أكثر المشروعات القومية المصرية تعثرا على الإطلاق ولعل ذلك يرجع لتماسه المباشر مع الظروف السياسية المحلية والدولية السائدة لمدة اثنين وخمسين عاما بدأت عام ١٩٦٤.


وبالاشارة إلى مقالى “هكذا يتعثر البرنامج النووى المصرى دائما” بمجلة المصور بتاريخ ٢٧/٥/٢٠١٥، فقد مرالمشروع بأربع محاولات أو حقبات انتهت لنفس النتيجة ونحن الآن على اعتاب المحاولة الخامسة، ومازالت تلح على الذهن تساؤلات عديدة بشأن الاخفاقات المتكررة:


المحاولة الأولى بدأت عام ١٩٦٤ وأجهضت بحرب ١٩٦٧.


المحاولة الثانية بدأت بعد حرب أكتوبر، وانتهت أواخر السبعينيات عندما حاولت الولايات المتحدة الأمريكية فرض شروط بالتفتيش على كافة المنشآت والأنشطة النووية المصرية.


المحاولة الثالثة فى الثمانينيات انتهت عندما قرر رئيس الجمهورية متعللا بحادث تشير نوبل ١٩٨٦ ايقاف المشروع، واستمر ذلك لمدة عشرين عاما!، وكان الاتجاه المباشر نحو فرنسا قد تم ايقافه عام ١٩٨٢ ولعله بضغوط أمريكية، ثم فى عام ١٩٨٥ أصدر بنك التصدير والاستيراد الأمريكى بيانا يوصى فيه الدول بعدم تمويل المشروع لأن مصر دولة ضعيفة اقتصاديا.


المحاولة الرابعة التى بدأت فى ٢٠٠٦ وكيف استغلت احداث الثورة فى عامى ٢٠١١ و٢٠١٢ لتدبير سيناريو الاستيلاء على الموقع وتدميره.


ولاعتبارات سياسية خاصة بعلاقات مصر الدولية وأولوياتها والتعديلات التى طرأت عليها بعد ثورتى ٢٥ يناير ٢٠١١ و٣٠ يونيو ٢٠١٣، وبعد تولى الرئيس عبد الفتاح السيسى الرئاسة فى يونيو ٢٠١٤، فقد سار المشروع فى مسار آخر كان محتملا، ولانختلف عليه بل نرحب به، وهو قريب الشبه من نظام التعاقد بالأمر المباشر “مثلما كان الحال فى مشروع السد العالى»، من حيث الدخول مباشرة إلى التفاوض مع روسيا من خلال العرض الفنى والمالى الذى تقدمت به.


وعلاقة مصر بالاتحاد السوفييتى فى المجال النووى تعود إلى منتصف الخمسينيات، عندما قررت مصر أن تقتحم مجال العلوم النووية بانشاء مؤسسة الطاقة الذرية المصرية، وتلقت مصر فى ذلك الوقت الكثير من الدعم العلمى والفنى المتمثل فى انشاء المفاعل الاول بانشاص سنة ١٩٦١، وتزويد مصر بالعديد من المعامل العلمية البحثية, وكذلك المنح الدراسية للفنيين والمتخصصين المصريين.


وعلى هذا الاساس وبناء على ماتم توقيعه من اتفاقية حكومية بين الطرفين، فاننا نتمنى أن تستكمل المفاوضات بنجاح لاستكمال التعاقد، ويكون ذلك التعاقد واضح المعالم والمسئوليات والواجبات، وان يتضمن بنودا واضحة لا لبس فيها للتمويل والتدريب والاشراف ومعايير الجودة والأمان والاستلام وتجارب التشغيل والصيانة والامداد بقطع الغيار، والتعظيم المتصاعد للمشاركة المحلية للشركات والهيئات العلمية المصرية فى كافة الأنشطة من الوحدة الأولى للوحدة الرابعة. ولعل كل ماسبق يكون مناسبة لاعادة التأكيد على واجبات الحكومة المصرية داخليا تجاه المسارعة بتجهيز المؤسسات الوطنية المشرفة على تنفيذ المشروع بالكفاءات العلمية والهندسية والتدريب الكافى لأداء المهمة الوطنية دونما أى احتمال لتعريض الأمن القومى للخطر.


وقد يكون ضروريا الاشارة لمقال سابق قمت بنشره فى جريدة المصرى اليوم منذ نحو السنتين ونصف تحت عنوان «ولماذا التسرع فى طرح المناقصة النووية؟” على جزءين، الأول بتاريخ ١٤/١٢/٢٠١٣، والثانى بتاريخ ١٨/١٢/٢٠١٣ حيث طرحت مجموعة من التساؤلات بشأن استيفاء ثلاثة عناصر فقط كعينة من تلك العناصر الضرورية التسعة عشر التى تعتمدها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتحدد سويا مدى الجهوزية الوطنية لدخول المشروع وللانتقال الآمن من مرحلة إلى أخرى فى مراحله. وأعيد التأكيد على تلك العناصر الثلاثة وهى :


القوة البشرية الفنية المدربة المتاحة للجهة المنشئة والمالكة للمشروع، ومدى جهوزية الجهة القومية الوطنية المانحة للتراخيص للمشروعات النووية واستعدادها للقيام بدورها (هيئة الرقابة النووية), والخطة القومية على مستوى الدولة التى تحدد الأدوار المختلفة للأطراف ذات الصلة بشكل متكامل.


ولوتناولنا العنصر الاول وهو القوة البشرية المتاحة لمصر باعتبارها الدولة المنشئة والمالكة للمشروع وتمثلها هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء التابعة لوزارة الكهرباء والطاقة التى انشئت بالقرار الجمهورى رقم ١٣ لسنة ١٩٧٦ الذى اختصها بالتخطيط والدراسات والابحاث ووضع المواضفات والتنفيذ والاشراف على الادارة لمحطات الطاقة النووية، وتعانى تلك الهيئة من التخلخل الشديد تنظيميا وبشريا، وقد تساءلت موجها تساؤلى لوزارة الكهرباء والطاقة :


وهل تم وضع هذا البند شديد الحساسية للأمن القومى فى الموضع الذى يستحقه من خارطة طريق حاكمة؟


هل تم توفير وتجميع وتدريب وتجهيز فريق العمل الوطنى من الخبراء والمهندسين المطلوبين للمشاركة فى أنشطة المشروع بدءا من المناقصة، ومرورا بالتحليل للعروض والتفاوض والترسية والاشراف على أعمال الانشاء والتصنيع والاختبار والاستلام للاشراف على أعمال المناقصة وانشاء المشروع؟


هل تم اعداد الترتيبات الملائمة ماليا وتنظيميا من خلال اعادة الهيكلة للهيئة المذكورة لمساعدتها على تطوير قدراتها البشرية وفق المعايير الدولية بشكل ناجح؟


وفى حدود معلوماتى فى هذا الشأن فان الجهة المالكة وحتى تؤدى واجبها على الوجه الأكمل فى متابعة انشطة انشاء المشروع الذى تقوم به الشركة الاجنبية المنفذة ستحتاج وفقا لجدول زمنى تصاعدى لنحو خمسمائة من الكوادر الفنية من مختلف التخصصات الهندسية والعلمية ذات المستويات الوظيفية المتعددة فى حالة التعاقد بنظام تسليم المفتاح على الوحدة الاولى وتتلوها الثانية بعد فترة بينية من سنة لسنتين، وجدير بالذكر أن الموقع الذى تم اختياره للمشروع، وهو موقع الضبعة يتحمل بل ويستلزم انشاء مجمع نووى ضخم يتكون من ثمانية مفاعلات يتم التعاقد عليها على التوالى على فترات زمنية بينية محسوبة بدقة، وعلينا فى هذه الحالة أن نحدد المطلوب بشريا لانجاز المهمة ككل.


لقد قمت بالتساؤل بهذا الشأن فى شهر ديسمبر ٢٠١٣، وتساءلت مرة أخرى فى مقالى بعنوان “هل لدينا كوادر بشرية نووية” المصور ١٨ / ١١ / ٢٠١٥، ورغم ذلك لم يتم اتخاذ أى اجراءات داعمة فيما يخص العناصر الثلاثة المذكورة.


كما اضيف إلى تلك النقاط التساؤل المتكرر دائما بشأن استراتيجية معلنة لتعظيم المشاركة المحلية، والتى بدونها يفقد البرنامج النووى كثيرا من مبررات وجوده والانفاق عليه. أن ربط المشروع بتلك الاستراتيجية التى يجب أن تشمل كل الاهداف الوطنية الطموحة لتوطين التكنولوجيا النووية الصناعية فى مصر بشكل متصاعد مع تقدم العمل فى المشروع ضرورة ملحة لابديل لها لتحقيق الانتصار فى معركة استقلال الطاقة، وبالاضافة إلى ذلك فإن مفردات تلك الاستراتيجية يجب أن تشمل كيفية الاستفادة من كل الفعاليات الاقتصادية الوطنية سواء المملوكة للدولة أو القطاع الخاص.


ولعل مما يزيد القلق فى هذا الموضوع أن وزارة الكهرباء لاتعلن عن استراتيجية أو خطة واضحة فى هذا المجال فيما يخص المحطات التقليدية العاملة بالغاز والبترول ومهمات نقل وتوزيع الطاقة.


ومع تصاعد المؤشرات بقرب توقيع العقد، وبتاريخ ٢٩ ابريل ٢٠١٦ قامت الشركة القابضة لكهرباء مصر بنشر الاعلان الخارجى رقم ٣ باللغة الانجليزية على صفحتها الالكترونية، الذى ينص على أن الشركة القابضة لكهرباء مصر وهيئة المحطات النووية تبحثان عن شاغلين لوظائف خاصة بالمشروع النووى فى الضبعة، ولا اعرف مادخل الشركة القابضة فى تعيين العاملين بتنفيذ المشروع، خاصة أن القانون رقم ١٣ لسنة ١٩٧٦ الخاص بانشاء هيئة المحطات النووية قد اختصها وحدها بتنفيذ مشروعات الطاقة النووية، ولماذا نشر الاعلان باللغة الانجليزية وهل سيتم تعيين اجانب؟! هذه تساؤلات لابد من الاجابة عليها لمنع التضارب فى المسئوليات ولاستيفاء متطلبات الامن القومى فى هذا المجال.


وبتاريخ الاحد ٢٢ مايو ٢٠١٦ أصدر رئيس مجلس الوزراء، القرار رقم ١٣٤٥ لسنة ٢٠١٦، بتشكيل لجنة برئاسة وكيل أول وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة وعضوية ممثلين عن بعض الوزارات والهيئات تتولى مهمة دراسة خطوات إنشاء كيان جديد لإدارة مشروع المحطة النووية لتوليد الكهرباء بالضبعة بالمخالفة أيضا للقانون رقم ١٣ لسنة ٧٦.وكالعادة وعشية توقيع العقد، ورغم أن هذا الموضوع قد اثير منذ ثلاث سنوات، فاننا على عجل نقوم الآن بما كان يجب البدء فيه مبكرا حتى لاتتصادم الاختصاصات، ويتساءل الآن المهندسون العاملون بهيئة المحطات النووية والذين تحملوا كل أعباء المشروع فى السنوات الماضية عن دورهم المستقبلى، وكيفية الاستفادة من خبراتهم فى المشروع، بالاضافة لذلك فانه يلاحظ غياب أى تصور للاستفادة من خبراء المشروع السابقين القادرين على العطاء وهذا يمثل اهدارا فادحا للثروة البشرية الوطنية أيا كان القدر المتاح والمتوافر منها الآن بعد كثير من التبديد لها فى السنوات الماضية.


إن توفير ضمانات الأمن القومى فى مشروع نووى يتم تصميمه وتنفيذه بأيد أجنبية، من حيث الاستفادة الكاملة من الثروة البشرية الوطنية، مهمة صعبة وعاجلة ومسئولية لا يحملها إلا أبناء الوطن المخلصون، ولايمكن تحت أى اعتبار تركها اطلاقا للاستشارى الأجنبى حيث لانملك هذا الترف فى أمور تتعلق مباشرة بالأمن القومى.


وهكذا لكى يكون الأمر واضحا ولا يحدث الخلط فى الفهم، فإن تأييدنا ودعمنا الحقيقى للمسار الذى تنتهجه وزارة الكهرباء والطاقة الآن حتى تصل إلى التعاقد بأفضل الشروط شىء، وانتقادنا للمسار المتخذ تجاه أولويات استكمال النواقص فى التجهيزات الوطنية المطلوبة للمشروع شىء آخر، وعلى الله قصد السبيل.