ماسبيرو زمان.. وزمان الفهلوة!

15/06/2016 - 9:51:20

بقلم - د. صفوت حاتم باحث وكاتب سياسى

يجب أن أعترف.. فى البداية.. أننى من تيار "زمان".. تيار الستينيات.. وما أدراك ما الستينيات !!


 تيار "النوستالجى" أو الحنين للماضى.. بعد أن أصبح الحاضر خليطا من الانحطاط فى الذوق واللفظ والإحساس والسلوك.


وحين "يتعبنا" الواقع.. فليس أمامنا سوى الهروب لواقع "أنظف".. نجده بالهروب إلى زمن الأبيض والأسود.. بعناصره المتواضعة الإمكانيات.. وعالية القيم والقيمة والجودة


ما مناسبة هذا الكلام؟!!


مناسبته فى الحقيقة أننى كنت.. ولازلت.. من أشد المتحمسين لعودة "ماسبيرو".. قلعة للفن الوطنى المصرى والعربى.. على حد سواء.. واستعادته لدوره الرائد القديم.


وكنت قد تابعت بإعجاب تجربة ماسبيرو فى نهاية عهد مبارك والتى قام بها رجل وطنى واع بالصناعة الإعلامية هو المهندس أسامة الشيخ.. حينما كان رئيسا لاتحاد الإذاعة والتليفزيون.. ونجح فى إعادة المشاهد المصرى عندما بث لمدة شهر واحد فى رمضان ما سمى.. آنذاك.. التليفزيون العربى.


وكان ذلك بمناسبة الاحتفال بقرب العيد الخمسين للتليفزيون العربى للجمهورية العربية المتحدة.. والذى انطلق من القاهرة ودمشق فى نفس اللحظة عام ١٩٦٠.. عندما كان البلدان.. مصر وسوريا.. بلدا واحدا.. فى جمهورية عربية واحدة.


كانت تجربة ماسبيرو فى عهد "أسامة الشيخ" مميزة وفريدة ومبهرة.


فلقد شاهد المصريون بإعجاب رواد النهضة المصرية كطه حسين ونجيب محفوظ وعبد الرحمن الشرقاوى ومحمود أمين العالم ويوسف السباعى. ويوسف إدريس ويوسف جوهر.. وغيرهم من الأساتذة الأجلاء.. يتحاورون ويتناقشون بأدب وإجلال لبعضهم البعض.


كانت تجربة "التليفزيون العربى".. تعتمد على الحس الوطنى وذكاء الاختيار للمواضيع والبرامج المستهدف عرضها. من كنوز التليفزيون العربى من برامج حوارية كالأمسية الثقافية التى كان يقدمها الشاعر الكبير فاروق شوشة. لكبار المثقفين والشعراء.. فضلا عن المسلسلات والبرامج الأدبية.


 ويبدو أن "تجربة أسامة الشيخ" قد حظيت بإعجاب ومتابعة كبيرة من الجمهور المصرى.. الأمر الذى أثار حفيظة القائمين على الإعلام آنذاك.


للأسف لم تستمر التجربة غير شهر واحد وانكفى على الخبر ماجور!!


لماذا؟!


ويبدو لى أن السبب الأول لعدم تكرار التجربة.. أو استمرارها.. آنذاك.. أنها وضعت المسئولين عن الإعلام فى زمن مبارك.. موضع مقارنة ونقد قاسيين مع إعلام الستينيات.. رغم تفاوت الإمكانيات المادية والتقنية.


وهكذا توقفت تجربة أسامة الشيخ.. بعد أن تمتعنا بها شهرا وحيدا جميلا !!


 وقبل شهر رمضان الحالى زفت لنا الصحف ووسائل الإعلام خبرا جميلا.. هو قرار السيدة صفاء حجازى إعادة التجربة ببث قناة جديدة بعنوان "ماسبيرو زمان".. وبشعار جميل "من فات ماسبيرو تاه".


 وتحمسنا للفكرة.. ودافعنا عنها أمام منتقديها.. فنحن من "أهل زمان".


 لكن بعد يوم.. والثانى.. والثالث.. والرابع.. بدأت ملامح القناة تظهر.. ويظهر معها كم العشوائية "والفهلوة " وعدم التخطيط.


 لماذا؟ ؟!!


أقول لكم:


فيما عدا البرامج الحوارية التى قدمها "ماسبيرو زمان" والتى جسدت وأحيت من جديد شخصيات مصرية أدبية وعلمية وفنية رحلت عن عالمنا.. فبقية المختارات لم تكن بالمستوى اللائق بجمهور متعطش لهذا اللون من البرامج القديمة.


 خذ مثلا: هل من المعقول أن ماسبيرو لا يملك سوى أغنية واحدة للأطفال احتفاء بقدوم رمضان.. وأوبريت واحد فقط بعنوان "رمضان فى الحسين".. بحيث يقوم بتكرارهما وإعادتهما مرات عديدة فى اليوم.. وكل يوم.. بحيث أصبحت مادة "للزهق" والملل !!


ولا شك لدى أن ماسبيرو يملك تراثا من الأغانى والبرامج عن رمضان بالعشرات والمئات.. أين ذهبت؟!!


 طيب.. ماذا أيضا؟!!


هل من المعقول أن تقدم قناة ماسبيرو زمان أغانى من الأفلام السينمائية.. وهى الأغانى التى تقدمها قنوات أخرى منافسة لملء الفراغ بين البرامج.. فضلا عن كونها موجودة على موقع اليوتيوب وغيره.. لمن يريدها!!


كنت أتصور أن يقدم "ماسبيرو زمان".. تراث التليفزيون من أغانى حفلات أضواء المدينة.. واحتفالات التليفزيون بالأعياد الوطنية.. وبرنامج "على شط النيل".. غير الموجود فى قنوات أخرى سوى مكتبة ماسبيرو.


وعلى نفس المنوال.. تكررت بعض المواد المختارة عدة مرات فى اليوم.. ولعدة أيام.


مثلا: تم بث أغنية للمطرب الراحل محمد عبد المطلب عدة مرات يوميا وكأن ماسبيرو لا يملك غيرها.


هذا ليس له سوى معنى واحد: أن ماسبيرو قرر أن يضع جمهوره فى حالة من الزهق والملل!!


 خذ عندك أيضا اختيار المسلسلات المعروضة فى بداية التجربة:


واضح طبعا أن الاختيارات كانت عشوائية ومتعجلة ولا يحكمها أى فكر إعلامى وطنى.


على سبيل المثال: ماهو هدف الدرامى أو التربوى أو الأخلاقى وراء اختيار المسئولين عن "ماسبيرو زمان" لمسلسل "أشجان" ومسلسل "بعد العذاب" لافتتاح القناة.. وتجاهل مسلسلات البدايات الأولى لماسبيرو مثل: الضحية.. والرحيل.. وهارب من الأيام.. بنت الحتة.. ولا تطفئ الشمس.. وغيرها.. وغيرها من درر وكنوز الدراما المصرية التليفزيونية..


وأين مسرحيات المسرح القومى : الأرض.. بداية ونهاية.. خان الخليلى.. بين القصرين.. زقاق المدق.. عيلة الدوغرى.. الناس اللى فوق.. الفرافير.. جمهورية فرحات.. السبنسة.. المحروسة.. سكة السلامة.. دائرة الطباشير القوقازية.. ومسرح العرائس بكنوزه الرائعة.. وعشرات المسرحيات المحفوظة فى خزائن ماسبيرو.


 فالمنطق البسيط يقول إن الهدف الإساسى من إعادة تجربة " ماسبيرو " فى الستينات، هو اختيار الأعمال التى ساهمت فى تنمية وتطوير الشخصية المصرية ونقد السلوكيات المنحرفة..


 ولنأخذ على سبيل المثال مسلسل القاهرة والناس الذى عرض بعد نكسة يونيه ١٩٦٧ وما أحدثته من صدمة فى الوعى.


وحظى المسلسل بإعجاب المشاهدين بسبب نقده القاسى لسلوكيات المجتمع بعد هزيمة يونيه ١٩٦٧.. ومواجهته للفساد واللامبالاة والمحسوبية والرشوة والتهاون فى العمل وعدم الإتقان فى دوائر الحكومة.. والتملق والنفاق والانتهازية فى المؤسسات السياسية والجمعيات الزراعية والاتحادات الطلابية.


وكل ذلك من خلال أسرة مصرية عادية تعيش فى القاهرة بكل صخبها وتعقدها وبذخ مظاهرها..


 ولم ينس مؤلفو المسلسل الريف المصرى بمشاكله من خلال امتدادات الأسرة القاهرة بأفرادها فى الريف.


وقد نجح مسلسل " القاهرة والناس ".. آنذاك.. فى كشف وتعرية دوائر الموظفين الخاملين المعوقين.. وموظفى الجمعيات الزراعية المستغلين.. والاستغلال الواقع على الفلاح البسيط المنفى فى عالمه البعيد عن المدينة التى تستقطب كل الاهتمام.


وقد كان هذا المسلسل سببا فى شهرة عدد كبير من الممثلين المغمورين.. آنذاك.. كنور الشريف.. ومحمود ياسين.. وأشرف عبد الغفور.. الذين كانوا فى بدايات حياتهم الفنية.


كذلك كان يعرض " ماسبيرو " مسلسل " عادات وتقاليد " الذى كان ينقد قيم وعادات المجتمع وأمثاله الشعبية ذات القيم السلبية.


وما تسببه تلك العادات والتقاليد المستقرة فى وعى الشعب من سلوكيات خاطئة تعرقل التطور والتقدم.


 وهكذا.


 ان ما نشاهده الآن من دراما لا يكرس إلا سلوكيات الإدمان والألفاظ الخارجة السوقية.. والموضوعات الشاذة.


وقد تكون تلك الموضوعات مطلوبة إذا كان الهدف منها تصحيح وتقويم سلوكيات الشعب فى الاهتمام بالنظافة العامة واحترام اﻵخرين وحرياتهم.. أو تقديم السلوكيات غير المنضبطة فى الشوارع والطرق والمصالح الحكومية.. واللامبالاة والإسراف والبذخ فى المظاهر من فيلات وقصور وأنماط حياة شريحة طفيلية لا تعبر عن معاناة الشعب ومشاكله.


 إن ما نشاهده الآن من موضوعات الدراما التليفزيونية الخاصة ينم عن عدم تقدير لظروف وأوضاع البلد وما تتعرض له من إرهاب ومؤامرات داخلية.. جزء منها يقع بسبب عدم توخى الحرص لدى المواطنين.


 إن حالة الانحطاط والتدنى فى السلوك العام.. وعدم احترام الملكية العامة للدولة.. والملكية الخاصة للآخرين.. وشيوع سلوكيات الغش والكذب والتسويف فى المواعيد وعدم إتقان العمل أصبحت سلوكيات عامة تميز غالبية المصريين.


 كل هذه السلوكيات السلبية لا يمكن مواجهتها إلا بإعلام ذكى وصاحب رسالة وطنية وتنويرية وتقدمية.


وقد كتبت عدة مرات.. وكتب غيرى كثيرا.. عن أزمة إعلام الدولة.. خصوصا


ماسبيرو.  


وكل يوم نرى مقالات تنعى تدنى الإعلام المصرى وهبوط مستواه.. وتطالب بتطوير إعلام الدولة.


لم يعد لدى شك أن تطوير ماسبيرو يحتاج.. أول ما يحتاج.. إلى قيادة سياسية وثقافية مستنيرة ورفيعة.. وخارج إطار القيادات الوظيفية الحالية.. والتى نحترم خبراتهم التقنية والإدارية.


 لكن مهمة الإنقاذ تحتاج.. أكثر ما تحتاج.. لعقلية مطلعة وملمة بالثقافة فى مفهومها الموسوعى من أدب وفن وعلوم وسياسة وفلسفة.. فضلا عن تصور عام وشامل للأوضاع العالمية فكريا وسياسيا.


 وإلى أن يحدث هذا.. فنحن لاجئون فى عصر مضى.. ومواطنون من أهل زمان !


 وكل سنة وأنتم جميعا بخير.