الإذاعى محمد مرعى يتذكر: إذاعة خطاب عبد الناصر فى اليمن .. أهم لحظات حياتى

15/06/2016 - 9:37:17

  الزميلة ولاء جمال فى حوارها مع محمد مرعى الزميلة ولاء جمال فى حوارها مع محمد مرعى

حوار: ولاء جمال

قبل أيام احتفل الإعلاميون المصريون بالعيد ٨٢ لهم، وهو اليوم الذى يتذكر فيه العاملون فى الإعلام عبارة «هنا القاهرة» التى انطلقت أول مرة عبر الأثير فى الحادى والثلاثين من شهر مايو عام ١٩٣٤ لتعلن بذلك ميلاد الإذاعة المصرية. بهذه المناسبة، حاورت «المصور» الإذاعى الكبير محمد مرعى، والذى كان له دور تاريخى فى إذاعة الحرب اليمنية ضد الاحتلال الإنجليزي، وكان له دور كذلك فى انطلاق خطاب الرئيس الراحل عبدالناصر فى اليمن، وإذاعته.. وروى مرعى لـ«المصور» كيف سافر إلى هناك ليطور إذاعة اليمن، كذلك تفاصيل كنوز فى الإذاعة المصرية مع القوات المسلحة تروى لأول مرة.


كيف كانت بدايتك فى الإذاعة؟


لقد تخرجت فى كلية الآداب جامعة عين شمس قسم اللغة الإنجليزية سنة ١٩٥٩ ودرس لى الدكتور على الراعى وهو إذاعى كبير وترك الإذاعة وأخذ دكتوراه فى الأدب الإنجليزى، وبدأت العمل فى التليفزيون سنة ١٩٦١، وكان للتو تم افتتاحه. وكنا نصعد بعض الأدوار على سقالات فى مبنى التليفزيون عندما نقلت الإذاعة المصرية من الشريفين إلى مبنى ماسبيرو. وظللت سنة فى البرنامج العام ولم أقل «هنا القاهرة» إلا بعد مرور سنة من التدريب وكان المسئول عن تدريبنا الراحل الكبير جلال معوض الذى كان يمتلك حنجرة ذهبية فعلًا.


هل كان التقدم للإذاعة مختلفا عن الآن؟


زمان كان فيه شىء اسمه «ديوان عام الموظفين» ومقره فى ميدان لاظوغلى، وكان كل الوظائف الحكومية فى كل أنواع الوظائف عن طريقه هو، بمعنى أن الإذاعة لم تكن تطلب من نفسها وأى مصلحة أخرى. المصالح كانت تحدد احتياجاتها من الموظفين وترسل لهذا الديوان وهو يقيم المسابقات والاختبارات وبعد أن ننجح فى الاختبارات كل واحد حسب تخصصه يتم توزيعه على الوظيفة. وقد أجرى لنا امتحانًا تحريريًا صعبًا جدًا ثم امتحانات صوتية. الوضع كان مختلفًا تمامًا عن الآن. كان هناك دستور معين لاختيار المذيعين، بدأنا حياتنا الإذاعية فى البرنامج العام مراحل تدريب استغرقت سنة كنا ندخل الاستديو صامتين لا نفعل شيئًا نجلس بجانب المذيعين الكبار ونرى ما يفعلون ونبدأ نكتب التقارير ما يسمى بتقارير الاستديو وتقارير المذيعين نرصد فيها كل شىء يحدث ونرى كيف يقرأون النشرة ويقومون بالربط وكيف يقدمون الفقرات على الهواء، ثم فى أواخر السنة تم توزيعنا. وكنا نحضر العمل مع كل مذيعى الجيل القديم ثم بدأ نوع من التخصص، كل واحد يلازم أحد المذيعين الكبار فى العمل. وقد لازمت الأستاذ نبيل بدر وهو من الأسماء الرنانة وقتها وجلال معوض، وقد ترك الإذاعة بعد فترة وانتقل إلى الخارجية ووصل لمنصب مساعد وزير الخارجية.


وكيف كانت بدايتك الحقيقية؟


كانت فى صوت العرب، حيث أرسل لنا أحمد سعيد، وكنا أربعة زملاء، وقال «اخترتكم» فرحنا جدًا، لأن صوت العرب وقتها كانت صوت ثورة يوليو وصوت عبدالناصر شخصيًا وهو الذى طلب إنشاءها، وكان الراعى الأول لها، وكان حريصًا على أنها تخرج سريعا بعد الثورة بفترة قصيرة. وقد تحمس لخروجها للنور ولم ينتظر حتى العيد الأول للثورة، وأمر بإطلاقها فى ٤ يوليو ١٩٥٣.


ومتى ذهبت إلى اليمن ولماذا؟


الثورة اليمنية قامت فى ٢٦ سبتمبر ١٩٥٢، وفى العيد الأول لها كنت أنا ودفعتنا الجدد الذين دخلنا صوت العرب بدأنا نمارس ونقرأ نشرات الأخبار ونقدم برامج، ثم جاء أحمد سعيد كان يريد أن يحتفل بالعيد الأول للثورة اليمنية فقرر إرسال مجموعة من المطربين الذين كانت لهم شهرة كبيرة وقتها، منهم محرم فؤاد وفايدة كامل باعتبارها صوت الثورة، وفرقة صلاح عزام الفضية الموسيقية ومحمود شكوكو والمنولوجيست أحمد غانم ومجموعة من المطربين واختار أخى وصديقى وجدى الحكيم وأنا معه وسافرنا على طائرة خاصة من القوات المسلحة وقدمنا فى اليمن ثلاث حفلات ومكثنا حوالى عشرة أيام وهذه كانت المرة الأولى التى أذهب فيها لليمن، أما المرة الثانية بعد ذلك فى أوائل ١٩٦٤ بدأ أحمد سعيد يرسل مذيعين من صوت العرب لتدريب ومساعدة ومعاونة المذيعين اليمنيين فى إذاعة صنعاء التى كانت إذاعة بسيطة جدا وبدائية جدًا لدرجة أن الإمام حاكم اليمن كان يغلقها ويأخذ مفتاحها معه فى قصره وعندما يحب أن يفتحها يرسل أحدهم. وعندما سافرنا كانت مازالت فى مراحل البدائية فذهبت فى أوائل ١٩٦٤ تقريبًا اليمن ولحسن حظى حضرت هناك الزيارة التاريخية التى قام بها جمال عبدالناصر الوحيدة لليمن. وكان لنا قوات مسلحة كما هو معروف فى اليمن وقبل أن يأتى الرئيس جمال عبدالناصر هذه الزيارة تصادف أننى كنت وحدى وباقى الزملاء كانوا نزلوا القاهرة إجازات وأنا ظللت وحدى موجودًا وبالصدفة حصل هذا الحدث التاريخى الكبير.


وكيف كانت تفاصيل هذا الحدث معك وأنت وحدك؟


فوجئنا ليلة وصوله إلى مطار صنعاء بأن اتصل بنا أحد قيادات القوات المسلحة المصرية فى صنعاء وقال لنا هناك شخصية كبيرة جدًا آتية لتزور اليمن.. من؟ لم يفصح أحد مطلقًا لدرجة أننا كنا مندهشين جدًا فعندما كان يأتى المشير عامر أو أنور السادات لم يكن أحد يبلغنا. فقالوا لنا انظروا كيف هى الإمكانيات التى عندكم لتغطية الزيارة وإذا فيه إمكانية لتغطية الزيارة على الهواء أم لا وكل هذه الأشياء.. طبعًا لم يكن هناك أى إمكانيات مطلقًا وذلك كان ظهر اليوم السابق على وصول الشخصية الكبيرة التى لانعرفها ولاحظى عمرى الإذاعى هذا الحدث كان فى أبريل ١٩٦٤ إذا افترضنا بدأت عمرى الإذاعى الحقيقى الفعلى فى ١٩٦١ أى مذيع عمره ٣ سنوات فقط وهذا عمره وخبرته الإذاعية لكن صوت العرب كانت تصنع مذيعين محترفين حقيقة، كان هناك نظام يصنع المذيع صنعًا وتكوينه وتدريبه على كافة ومختلف الأعمال الإذاعية، فمدرسة صوت العرب هذه الفترة ساعدتنى فى أن أواجه أى مشكلة تحدث. وهذا ما حدث معى خلال هذه الزيارة التاريخية للرئيس جمال عبدالناصر.


أى أن مطار اليمن كان مجهزًا على أتم استعداد؟


طبعًا المطار كان بدائيًا جدًا عبارة عن مبنى خشبى به عدد من الغرف وساحة ضخمة جدًا وبه ممر تنزل عليه الطائرة كان يستخدم فى الطيران العسكرى، وأول طائرة مدنية أراها بعد أن سافرت اليمن كانت الطائرة التى تقل الرئيس جمال عبدالناصر ذهبنا فى الساعة السادسة تقريبًا إلى الساعة العاشرة صباحًا حوالى ٤ ساعات ننتظر واضعين قرب المهبط الخاص بالطائرة السيارة الجيب وفوقها الجهاز الذى اخترعناه، أنا جلست متوقعًا فى كل وقت أن تأتى الطائرة حاملة هذه الشخصية الكبيرة التى اعتقدت فعلًا فى هذه اللحظة أنه لابد أن يكون جمال عبدالناصر لكن ممكن يكون لأ بنسبة بسيطة.. أى أن عنصر المفاجأة موجود.


الساعة ١٠ صباحًا ١٩٦٤ وجدنا فى السماء طيارة تهبط رويدًا رويدًا وتقترب وتقف على الممر ووقفت بالعرض هكذا فى مواجهة السيارة الجيب أى على مسافة ٣٠ مترًا وتقدم كبار القيادات التى ذكرتها وقفت الطائرة تماما فتح الباب وضع سلم طائرة بيضاء مكتوب عليها اسم مصر وفتح الباب وظهرت مضيفة مصرية فارعة كنت هكذا لحظات بسيطة خرج من الباب الرئيس جمال عبدالناصر أنا لم أرض إلا أن أقول جملة واحدة وجدتنى فى حماس شديد جدًا أقول «الرئيس عبدالناصر على أرض اليمن» وبدأت أتكلم وأحكى هذا الكلام الذى يقوله المذيعون فى المناسبات التاريخية بحماس شديد وسعادة بالغة جدًا طبعًا هذا الكلام على الهواء لأول مرة تحدث. إذاعة على الهواء وإذاعة بهذه القيمة الرفيعة جدًا وهى نقل وصول الرئيس عبدالناصر إلى أرض اليمن فى زيارته التاريخية الأولى والوحيدة بمجرد أن أذيع هذا الخطاب وعلم اليمنيون، احتشدوا أمام أجهزة الراديو.


وكيف كان تأثير الراديو فى اليمن فى هذا الوقت وهل كان متاحا للجميع؟


من كان يذهب ليشترى الراديو يسأل البائع هل يلتقط بث صوت العرب إذا كانت الاجابة نعم يشتريه. وهذه شهادة للتاريخ.


بماذا تصف زيارة عبد الناصر لليمن؟


عبدالناصر ألقى خطابًا مهما فى صنعاء. وعندما علم الناس نزلوا الشوارع لرؤيته حيث كان راكبا سيارة مكشوفة بجانب الرئيس السادات وقائد الثورة اليمنية ورئيس اليمن، وسار فى الشوارع ليصل للعاصمة. وكان عبد الناصر قرر أن يلقى خطابا فى مدينة تعز فلما أعلن أنه سيقول خطابًا زحفت قبائل من كل مكان وحتى من الجنوب اليمنى المحتل نفسه لتحضر هذا الخطاب.


كما أنى شاركت فى إذاعة الخطاب الذى ألقاه عبد الناصر فى تعز عبر إذاعة صنعاء، وكان حوارا مسجلا. وفى خلال الخطاب قال العبارة التاريخية الشهيرة «على الاستعمار أن يحمل عصاه ويرحل من عدن والجنوب المحتل». وعندما أذيع هذا الخطاب كان الشرارة الأولى التى فجرت ثورة الشعب اليمنى فى جنوب اليمن المحتل فى عدن ضد الاستعمار البريطانى.


وكيف تمت إذاعة الخطاب فى مصر؟


بعد أن اطمأننت والخطاب يذاع على الهواء أحضرت النسخة الأخرى التى نسختها قلت أكسب وقتًا، فقمت بتفريغه على الورق كاملًا قلت لن يسعفنا الوقت بأن نرسل الشرائط إلى القاهرة. وأثناء إذاعة الخطاب وبعد أن فرغت.. قلت لقيادة الجيش المصرى فى صنعاء أريد أن أتصل بالإذاعة المصرية لأمليهم نص الخطاب لكى يلحق بنشرة ١١ مساء، وبالفعل ظللت أملى حوالى ساعة ونصف لأنه بصعوبة والخط نقلته كله.. وعدت مطمئن البال وسعيدًا جدًا أننى عملت الواجب المفروض علىّ وفتحت الإذاعة الساعة ١١ مساء على صوت العرب وسمعت فعلًا مذيع مصر يقول الخطاب الذى ألقاه الرئيس عبدالناصر والذى حملته على يدى وانتقلت به من تعز إلى صنعاء والذى قمت بإذاعته من إذاعة صنعاء وأمليته للإذاعة المصرية فكان مبلغ سعادتى لايقدر وأنا أعتبر هذا الموقف من أهم المحطات واللحظات فى حياتى، بعد ذلك عاصرت حرب اليمن وكنت أنقل أخبارها.


وهذه الذكريات تؤكد لى أن الدنيا كانت غير ما نحن فيه الآن، حيث فى أى ثانية على النت تستطيع فعل كل شىء فى نفس اللحظة، إعلاميو هذه الأيام يعيشون فى نعمة لا يقدرونها.. وياليتهم على قدر مستوى التقدم التكنولوجى الهائل.