تعقيم الرجال!

15/06/2016 - 9:34:42

  عزت بدوى عزت بدوى

بقلم- عزت بدوى

اختيار المركز المصرى للدراسات الاقتصادية أزمة الإعلام بشقيه المرئى والمقروء فى ظل بروز ظاهرة هيمنة الاقتصاد ورجال الأعمال على وسائل الإعلام ورغبة الإعلام فى التعبير عن نبض الجماهير واصطدامه بسيادة الدولة من جهة ومصالح ملاكه من جهة أخرى، لتكون المحور الرئيسى لمؤتمره السنوى بالاشتراك مع شعبة المحررين الاقتصاديين يعكس عمق الأزمة التى يمر بها الإعلام المصرى فى ظل غياب التشريعات الحاكمة لأدائه وممارساته فى المرحلة الأخيرة التى تكشف ولأول مرة اهتزاز ثقة الجماهير فى إعلامها الأمر الذى يشكل خطراً جسيماً على هذه المهنة التى يعد الرأى العام أبرز أسلحتها التى يخشاها الجميع.


ورغم تعدد القضايا التى طرحها المشاركون سواء من السياسيين أو الاقتصاديين أو البرلمانيين أو الصحفيين والإعلاميين ومطالبة عمرو موسى الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية الصحفيين والإعلاميين وخاصة الاقتصاديين منهم بضرورة متابعة الأحداث العالمية والإقليمية وتأثيراتها على الأوضاع والمشكلات الاقتصادية والمحلية وخاصة قضايا الإرهاب وأسعار الطاقة العالمية والانكماش الاقتصادى العالمى ومنطقة اليورو لتقديم رؤية حقيقية للقارئ والمشاهد المصرى بالأسباب الفعلية للمشكلات الاقتصادية والجهود المبذولة فى حلها مؤكداً بأن الإعلام المصرى سواء المرئى أو المقروء ما زال لم يفرز قناة أو جريدة عالمية أو حتى إقليمية بل هو غارق فى المحلية وكأننا نخاطب أنفسنا وبمعزل عما يحدث حولنا من أحداث إقليمية أو عالمية، فلا توجد صحيفة عربية تتصف بالإقليمية سوى صحيفتين عربيتين، ولا توجد صحيفة واحدة تتصف بالعالمية فى المنطقة بأسرها، مطالباً الصحفيين والإعلاميين خاصة الاقتصاديين منهم بضرورة متابعة الأحداث العالمية السياسية والاقتصادية وانعكاساتها على الأوضاع فى مصر لتقديم خدمة متكاملة للقارئ المصرى والعربى.


كما قدم عمر مهنا رئيس المركز المصرى للدراسات الاقتصادية تفاصيل لأبرز القضايا الاقتصادية والاجتماعية المثارة فى مصر حالياً والدراسات التى يجريها المركز حولها فى هذا الشأن.. بينما كشفت الدكتورة عبلة عبداللطيف المدير التنفيذى للمركز عن إعداد الحكومة لمشروع قانون جديد يتضمن إدماج الاقتصاد غير الرسمى فى الاقتصاد الرسمى للبلاد للاستفادة من مبادرة الـ٢٠٠ مليار جنيه التى يقدمها البنك المركزى المصرى لأصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة بفائدة ٥٪ فقط والتيسيرات والتسهيلات والمزايا التى يتضمنها مشروع القانون الجديد فى هذا الشأن لتشجيع هذه المشروعات التى تمثل ٩٢٪ من الاقتصاد المصرى على الاندماج فى الاقتصاد الرسمى.


لكن كانت القضية السكانية هى القضية الأبرز فى الحوارات والمناقشات خاصة بعدما قدم اللواء أبوبكر الجندى رئيس الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء بالأرقام الطفرات التى طرأت على الزيادة السكانية مقارنة بالدول المماثلة وما تناولته الدكتورة هالة يوسف وزير الدولة للسكان السابقة من تجارب الدول الأخرى فى هذا الشأن.


لقد دق اللواء أبوبكر الجندى ناقوس الخطر للجميع بعدما أعلن ارتفاع سكان مصر فى يونيه الحالى إلى ٩١ مليون نسمة وإن الزيادة السكانية الرهيبة أصبحت القنبلة الموقوتة التى تهدد كافة جهود التنمية الشاملة فى مصر، بل هى أخطر الفيروسات التى تهدد الوجود المصرى، فهى التحدى الأكبر الذى تواجهه مصر بجانب الإرهاب ومخططات المؤامرات الخارجية والداخلية التى تستهدف مصر ووجودها القومى بعد تدمير سوريا والعراق وليبيا واليمن.


إن أخطر ما كشف عنه رئيس جهاز الإحصاء أن الزيادة السكانية فى مصر أصبحت ٨ أضعاف الزيادة السكانية فى كوريا و٥ أضعاف الزيادة السكانية فى الصين ولا يقتصر الأمر على هذا النمو الرهيب فى السكان مقارنة بالدول المماثلة دون أن يقابله نمو مماثل فى الإيرادات لمواجهة متطلبات هذه الزيادة السكانية سواء من تعليم أو صحة أو مستوى معيشى لائق، بل هناك خلل فى التوزيع السكانى ذاته فسكان المناطق الحدودية ١.٥٪ فقط من إجمالى سكان مصر والأمية فى مصر٢٠٪ مقارنة بـ٢٪ فقط فى قطاع غزة والبطالة فى النساء ثلاثة أضعاف البطالة فى الذكور بل إنه فى الربع الأول من هذا العام سجلت الإحصاءات زيادة ٧ آلاف أسرة كل شهر.


وإذا كان الفقر والعشوائيات من أبرز أسباب الزيادة السكانية فكلما زاد الفقر ازدادت نسب إنجاب الأطفال باعتبارهم مصدراً للدخل للأسر الفقيرة ونفس الأمر فى المناطق العشوائية فإن الخطير هو ارتفاع نسب زواج القصر والزواج المبكر وخاصة فى الريف المصرى بصفة عامة وفى صعيد مصر بصفة خاصة بجانب الزواج العرفى والذى من الصعب حصره فى المدن حيث يتم بصورة سرية بعيداً عن الأسرة ذاتها.. وفجر رئيس جهاز الإحصاء قنبلة من العيار الثقيل فى أسباب زيادة زواج القصر فى الأرياف من خلال التزوير الرسمى فى قسائم الزواج بعدما أصبح المأذون من يقوم بتسليم صور قسائم الزواج للأحوال المدنية بعد أن كانت نيابة الأسرة هى التى تقوم بهذا الإجراء من قبل لضمان عدم تزوير رقم قسيمة الزواج أو التلاعب فيها فأصبح المأذون يحصل على ٣ آلاف جنيه من العريس ليقوم بعقد قرانه على عروسه القاصر ويقوم بوضع رقم مزور على نسخ القسائم التى يسلمها للمحكمة الشرعية ونيابة الأسرة ويحتفظ بباقى النسخ فى منزله لحين بلوغ العروسين السن القانونية للزواج ليقوم بتسليم نسخة الأحوال المدنية، وهو ما أدى إلى تفشى ظاهرة الزواج المبكر وزواج القاصرات فى الريف المصرى وارتفاع معدلات الزيادة السكانية والتى يستحوذ صعيد مصر على أكثر من ٤١٪ منها.


لكن الخطير فى الأمر أن رئيس جهاز الإحصاء حينما اكتشف هذه الظاهرة الخطيرة توجه لوزير العدل السابق المستشار أحمد الزند طالباً منه إصدار قراره بعودة نظام تسليم قسائم الأحوال المدنية من خلال نيابة الأسرة لمنع تلاعب المأذونين وتزويرهم لقسائم الزواج والمتاجرة فى زواج القاصرات وخرج الوزير من الوزارة


ومازال التزوير مستمراً.


وإذا كان اللواء أبوبكر الجندى قد فجر القضية فإن الدكتورة هالة يوسف كشفت تجارب الدول المختلفة فى مواجهة الزيادة السكانية بداية من الهند وإيران فى عهد الخومينى والتى قامت بتعقيم الرجال للحد من الزيادة السكانية بربط الحبل المنوى للرجال .. إلى الحوافز المتعددة التى اتبعتها الصين وغيرها من الدول، فطالبت بضرورة تكاتف الجميع لمواجهة هذا التحدى الخطير، ولو اضطررنا إلى تعقيم الرجال لأن معدل النمو السكانى الرهيب الذى يهدد كافة جهود التنمية ورفع مستوى معيشة المواطنين فى ظل تدنى موارد البلاد وعدم تناسبها مع الزيادة السكانية المتوالية خاصة منذ عام ٢٠١١ وحتى الآن يتطلب الاصطفاف الوطنى من كافة مؤسسات الدولة بداية من الأزهر والأوقاف والكنيسة إلى التعليم والصحافة والإعلام فالقضية أصبحت قضية وجود، والتجربة الإيرانية رغم اختلافنا مع إيران تمثل نموذجاً يجب دراسته بعناية خاصة بعد اشتراك رجال الدين فى البرنامج بإصدار الفتاوى وتثقيف الرجال المقبلين على الزواج وإتاحة وسائل منع الحمل مجاناً فى القيادات الحكومية عامة وترويج الأطباء المتخصصين فى أمراض النساء والأطفال لوسائل منع الحمل باعتبارها تباعد بين الولادات وتساعد فى الحد من وفيات الأمهات والأطفال ،كما وفرت الحكومة أيضاً إجراء عمليات ربط أو قطع الحبل المنوى والمعروف بـ «تعقيم الرجال» مجاناً لتسجل إيران أعلى معدل انخفاض فى الخصوبة، وهو ما دفع أحمدى نجاد الرئيس الإيرانى أن يقرر فى عام ٢٠١١ منح حوافز مالية لتشجيع الأسر الإيرانية على إنجاب المزيد من الأطفال بعد نجاح برنامجها فى وقف الزيادة السكانية الذى طبقته عقب انتهاء حربها مع العراق عام ١٩٨٨ وبعدما أصبح معدل موارد البلاد يفوق بكثير معدل النمو السكانى.


فهل تتكاتف جهود المصريين ومؤسساتهم الرسمية والمدنية فى مواجهة تحدى الزيادة السكانية الذى بات يهدد الجميع حتى لو اضطرهم الأمر إلى تعقيم الرجال مؤقتاً!؟.