توقف إنتاج الدولة لها وتراجع التسويق وعدم وجود منتج مغامر .. أسباب اختفاء الأعمال الدينية والتاريخية

13/06/2016 - 10:06:13

رجل الأقدار رجل الأقدار

تحقيق : رشا صموائيل - محمد بغدادى

شهر رمضان المبارك له طقوس خاصة جدا ذات طابع دينى تمتزج فيها الروحانيات بعادات اجتماعية تضفى على أيامه سحرا وجلالا خاصين،حتى أن وسائل الترفيه تكتسب هى الأخرى أهمية غير تلك التى تتمتع بها طيلة العام..


فى السنوات الأخيرة كان اللافت للانتباه أن الأعمال التاريخية أو الدينية لم تعد متواجدة حاليا على خارطة الدراما الرمضانية ، رغم ما تحققه من نجاحات، وماتركته من بصمات طيلة أكثر من 30 عاماً ولذلك حاولنا من خلال هذا التحقيق الوقوف على أسباب اختفاء هذه النوعية من الأعمال فى ظل زخم المسلسلات الرمضانية وذلك من خلال استطلاع آراء عدد من النقاد والفنانين والمنتجين والكتاب..


صعوبة التسويق


الفنان القدير هادى الجيار يقول:


مشكلة الأعمال الدينية والتاريخية إن المنتجين لايقبلون عليها مهما كانت جيدة لأنهم يجدون صعوبة فى تسويقها وعرضها كونها غير مربحة بالنسبة لهم بالإضافة إلى تكلفتها العالية خاصة فى الديكورات والملابس والمعدات التى أصبحت أكثر تطورا عن ذى قبل ومن هنا فليس أمامنا إلا اللجوء إلى إنتاج الدولة ، ولابد أن تتدخل الدولة فى إنتاج الأعمال الدينية كما كانت تفعل فى السابق، ومن وجهة نظرى أيضاً لابد أن نساعد على حل أزمة اختفاء الأعمال الدينية والتاريخية من خارطة الدراما الرمضانية وذلك باستخراج المسلسلات القديمة من مكتبة التليفزيون واحيائها من جديد وإعادة عرضها فى رمضان وأعتقد أنها ستجد وقتها نسبة مشاهدة عالية لأننا كمصريين نعشق هذه النوعية من الأعمال لطبيعتنا المتدينة.


كارثة حقيقية


أما الفنانة ليلى طاهر فتقول فى هذا الصدد:


لابد أن نعترف أننا أمام كارثة حقيقية وهى توقف التليفزيون عن إنتاج الدراما نهائيا حيث اقتصرت وظيفته على العرض فقط ، بعدما كانت هذه المؤسسة العريقة رائدة للدراما فى مصر وأحدثت تقدماً هائلاً وهى الآن باتت تتراجع بشكل كبير، وأنا مازلت غير مستوعبة حتى الآن كيف يصبح رمضان خالىاً من الأعمال الدينية التى تمنح قدراً كبيراً من الروحانية فى هذا الشهر الكريم؟!!


وتضيف: لابد أن نجد حلاً لهذه الأزمة بتشجيع التليفزيون للكتاب المبدعين فى هذا الاتجاه والاتفاق معهم مسبقا على الشراء لأن الكتابة فى هذه النوعية ليست بسيطة بل تحتاج لكتب ومراجع وبحث دقيق.


الفنانة الكبيرة لبنى عبد العزيز تقول باستياء شديد: الحقيقة أننى دائما اشكو من الباقة التى تقدم فى رمضان لأنها تعتبر وجبة غذائية غير مفيدة (باقة مؤلمة ومؤسفة ومحزنة) أخذت مكان الأعمال التى كانت تحمل الموعظة والكلمة الطيبة والسيرة الحسنة ولذلك فأنا أعتب بشدة على القائمين على الأعمال الرمضانية لأنهم لايضعون فى اعتبارهم أنه شهر روحانى خاص جدا ولذلك أطالب بوجود رقابة رادعة للأعمال الرمضانية وأحب أن أقول لمن تخلوا عن إنتاج هذه النوعية من الأعمال بحجة التكلفة الباهظة أن الإسلام ملىء بتاريخ دينى عظيم وأيضا مصر غنية بتاريخها الوطنى والواجب عليكم أن تلتفتوا للاهتمام بهذه الأعمال حتى ولو بأقل التكاليف شريطة أن تكون ذات مغزى روحى ودروس إنسانية تتعلم منها الأجيال.


خسارة مادية فادحة


الفنان الكبير حسن يوسف باعتباره ممثلاً ومنتجاً لهذه الأعمال يقول: عن أسباب ابتعاده عن إنتاج الأعمال الدينية: كان الهدف الأساسى الذى وضعته نصب عيني من إنتاج الأعمال الدينية أن أقدم من خلال فنى ماينفع الناس ويحمل رسالة جادة وهادفة للجميع وكنت أتمنى إنتاج المزيد من الأعمال الدينية ولكنى تعرضت لخسارة مادية فادحة وعندما سألت عن السبب قالوا لى: لأن الدول العربية والإسلامية والقنوات الخاصة لا ترحب بشراء المسلسلات الدينية مفضلة الأعمال التى تحتوى على الرقص ومن المسلسلات، التى أنتجتها ولاقت نجاحاً >إمام الدعاة وابن ماجة والإمام الغزالى< ولن أنسى على الإطلاق أننى خسرت حوالى 2مليون و400 ألف جنيه ولذلك على الدولة القيام بدورها كواجب وطنى ودينى....


المخرج الكبير إبراهيم الشوادى يقول:


آخر أعمالى كانت >الإمام الغزالى< عام 2012 وتكلف إنتاجه 17 مليوناً ونجح نجاحاً كبيراً لدرجة أنه تمت دبلجته إلى اللغة الروسية وعندما أسأل حالياً عن أسباب توقف الجهات المسئولة عن إنتاج الأعمال الدينية والتاريخية يقولون لى ذوق المشاهد اختلف؟!!


كما أنهم يقولون إن التسويق لا يحتاج إلى أعمال دينية أو وطنية وأن مثل هذه الأعمال تحتاج لإنتاج ضخم فى حين أننى أرى أنه من الممكن أن يكون الإنتاج بسيطاً بما لايؤثر على المستوى الدرامى وهذا يرجع لمرونة المخرج وشطارته ولكنها فى النهاية أعذار غير مقنعة، بدليل المغالاة فى أجور الفنانين .. ولذلك أقول إنه لابد على التليفزيون المصرى أن يعود للإنتاج مرة أخرى لتعود مصر لمكانتها التاريخية المرموقة.


إبراهيم أبو ذكرى رئيس اتحاد المنتجين العرب يقول:


فى الماضى كنا نتمتع بمسابقات على مستوى القطاع الخاص تشمل أعمالاً دينية أو تاريخية تحمل قيماً إنسانية وأخلاقية، وعلى مستوى القطاع العام كان لدينا ثراء حقيقى من خلال صوت القاهرة وقطاع الإنتاج فى تقديم أعمال كثيرة وشرفت بالعمل معهم فى إخراج الكثير منها، فمصر هى البوابة الملكية للإنتاج فى العالم العربى وبناء عليه أشبه مصر بإمام المسجد والدول العربية هم المصلون الذين يرددون وراءه الله أكبر ولذلك عندما تخلى الإمام عن الصلاة فالمصلون أيضا بالتبعية يتخلون والإمام هو صوت القاهرة وقطاع الإنتاج وللأسف فقد تخليا عن أدوارهما لذا فنحن نرى الساحة خالية الآن.


لا للملل والرتابة


أما الناقد الفنى طارق الشناوى فيقول: المسلسلات الدينية والتاريخية الآن فى محنة حقيقية ولابد من الخروج بهما بعيداً عن خندق الرتابة والملل وإعادتهما بشكل مختلف ،بمعنى أنه لابد للأزهر أن يكون أكثر رحابة فى قبول تجسيد الأنبياء حتى لا يفقد العمل عنصرا مهما يتمثل فى التشويق ولذلك أطالب الأزهر بالمرونة وأن يطلق للمتلقى حرية مشاهدة الأنبياء لأن المتلقى أصبح يرفض المبنى للمجهول وإن أصر الأزهر على موقفه فإن هذا الأمر سيكون عاملاً قوياً ضمن عوامل اختفاء الدراما الدينية والدليل على ذلك أن إيران عندما قدمت يوسف الصديق والعذراء وعيسى لاقت ردود أفعال جيدة جدا .


ويضيف وبالنسبة للدراما التاريخية مع الأسف أعمالنا التاريخية ليست على مستوى تاريخنا العريق لذلك تراجعنا، وفى رأيى أن أقل الكتاب موهبة هو من يكتب الأعمال التاريخيه لأنه غالبا ما يكتب بطريقة مدرسية وليست إبداعية بالإضافة إلي أن هناك عرفاً قائماً فى التليفزيون المصرى وهو أن يضع لهذه النوعية من الأعمال أقل الميزانيات مما يجعلها دون المستوى، ولذلك أطالب الدولة بالاهتمام بإنتاج الأعمال الدينية والتاريخية على مستوى متميز يليق بدور مصر الريادى الفنى بالمنطقة العربية .


جرأة اتخاذ القرار


فيما قال المخرج حسنى صالح:


إن الجميع يتخفى وراء فكرة التسويق وحجة أن المحطات الفضائية لا تقوم بشراء هذه النوعية من الأعمال، ومع غياب تليفزيون الدولة وتوقفه عن إنتاج مسلسلات تاريخية ودينية ساهم هذا بشكل كبير فى اختفاء هذه الأعمال، مؤكدًا أن حل المشكلة فى منتهى البساطة ويحتاج فقط لجرأة من المسئولين عن هذه الجزئية، وتتمثل فى رئيس اتحاد المنتجين وقطاع الإنتاج.


وأشار حسنى إلى أن التليفزيون المصرى إذا اكتفى بإنتاج مسلسل واحد فقط كل عام من هذه النوعية أفضل بكثير من إنتاج سبعة مسلسلات لا تحقق مكاسب مادية مؤكدًا أن التليفزيون المصرى إذا قدم عملاً واحدًا ذا قيمة سوف يحقق نجاحاً جماهيريا ومكسبًا ماديًا كبيرًا يساعده فى إنتاج مسلسلين وأكثر فى العام التالى وهكذا.


وأكد صالح أن التليفزيون المصرى هو من يقوم بإمداد السوق الفنى بالموهوبين، مطالبًا بضرورة توقيع بروتوكول بين نقابة المهن التمثيلية والتليفزيون المصرى يتنازل فيه كل فنان عن جزء من أجره كمساهمة لإعادة إنتاج المسلسلات التاريخية والدينية.


كما أكد فى كلامه قائلاً: عصر ممدوح الليثى كان من أزهى العصور وحقق قطاع الإنتاج فيه وقتها أكبر مكاسب مادية، لأنه كان من متخذى القرارات الناجزة ونحن الآن نحتاج لمن هم أصحاب قرارات قوية وحاسمة تعيد للتليفزيون المصرى هيبته، مختتمًا كلامه قائلاً" هناك 10 ملايين طريقة لإعادة الأعمال التاريخية مرة أخرى".


نفتقد المنتج المتحمس


بينما قالت الناقدة خيرية البشلاوى إن أسباب قلة إنتاج الأعمال التاريخية والدينية يرجع إلى عدم وجود المنتج المتحمس لهذه النوعية من الأعمال، خاصة وأنها تحتاج إلى نفقات كبيرة جدا لأنها أعمال تعيد التاريخ، ولذلك لابد من توافر مواقع وديكور واكسسوارات وملابس وهذه الأركان أساسية تعد أسباباً واضحة فى قلة الأعمال التاريخية.


وأضافت قائلة: كما أنه ليس كل المؤلفين قادرين على كتابة مثل هذه المسلسلات وللأسف عندنا مشكلة فى النصوص والمؤلفين القادرين على كتابتها لأنها تحتاج إلى البحث والإطلاع والتحضير والتدقيق والمراجعة"، كما أضافت أنه لابد من توافر إرادة سياسية تتبنى إنتاج مسلسلات ذات قيمة يتم تسويقها جيداً كى تحقق النتيجة المرجوة منها.


وأشارت البشلاوى إلى أن هناك عدداً من الشخصيات الهامة فى تاريخنا على الرغم من توافر نصوص مكتوبة عنها مثل قصة طلعت حرب، إلا أننا غير قادرين على إنتاجها، بالإضافة إلى أن هناك نقصاً فى المخرجين الذين يستطيعون إخراج مسلسلات بهذه الكلفة الكبيرة.


واختتمت كلامها قائلة:" لا يوجد لدينا منتج محترم حقيقى يقدم أعمالاً ضخمة ذات قيمة".


ويرى الفنان محمد رياض إن المسلسلات التاريخية تحتاج إلى تكلفة مادية كبيرة، وأن القنوات الفضائية تنظر إلى الأعمال الفنية بشكل تجارى بحت، كما أن المنتجين يسعون لإنتاج أعمال يسهل عليهم تسويقها وتحقيق ربح مادي، ولذلك لابد من عودة التليفزيون المصرى لإنتاج هذه الأعمال، مؤكدًا أن دور التليفزيون تنويرى وتثقيفى وتعليمى.


المحطات الفضائية لا تهتم ؟!


ويقول المخرج والمؤلف السورى عبد القادر الأطرش والذى يشارك فى مسلسل تاريخى بعنوان "قضاة عظماء" يعرض فى الماراثون الرمضانى أن الأعمال الاجتماعية والتركية أصبحت تحقق أكبر نسبة مبيعات وأعلى نسبة مشاهدة، مما أدى إلى عدم إنتاج أعمال تاريخية ودينية لصعوبة إنتاجها وتسويقها، بالإضافة إلى ضعف النصوص واحتياجها لشكل إخراجى وإنتاجى مختلف.


كما قال الأطرش: للأسف المحطات الفضائية إهتمامها الأكبر ينصب علي الأعمال الدرامية أكثر من التاريخية، مشيرًا إلى أنه عندما قام بكتابة مسلسل "قضاة عظماء" حرص على تقديم نموذج مختلف من نوعية الأعمال التاريخية، وإبراز شخصيات جديدة لم تقدم من قبل، بالإضافة إلى حرصه على عدم الإساءة لأحد وألا يتضمن المسلسل أية إسقاطات سياسية، مؤكدًا أن المسلسل يحاول تقديم صورة الإسلام فى شكله الصحيح بأنه دين وسطى يدعو للمحبة والسلام، مع بعض مشاهد الإثارة والتشويق.


فيما يشير الفنان القدير محمود الجندى إلى أن قلة الأعمال التاريخية والدينية ترجع إلى فشلنا فيها، حيث إن المسألة أصبحت مجرد إعلانات وشركات معلنة مسيطرة، والمعلن لا يبحث عن موضوعات من هذه النوعية، ويضيف: أن إهمالنا جعلنا نتراجع عن منافسة بلاد أخرى مثل سوريا وإيران، فى إنتاج الأعمال التاريخية والدينية على حد قوله.


وأوضح أن الدراما السورية سبقتنا فى الأعمال التاريخية لأنها اهتمت بالكلمة والنص، وتصميم المعارك، كما أن لديها خبرات فى كتابة هذه النصوص وهو أمر فى غاية الأهمية، ولكن أنصاف الموهوبين فى مصر يقدمون على كتابة الدراما الرمضانية التى تحقق لهم مكاسب مادية، ومن يقوم منهم بكتابة عمل تاريخى يعتمد فقط على مخيلته دون البحث والاطلاع والمراجعة، ودون بذل أي مجهود فى كتابته!!